التنويريفكر وفلسفة

من انتظار المهدي إلى انتظار الصواريخ

اللاهوت العسكري: قراءة في تديين الصراع الإيراني الأمريكي.

مع اشتداد الحرب الأميركية على إيران، يُلاحظ في الخطاب الديني الشيعي زيادة في استدعاء عقيدة المخلّص، ومنه لم يعّد هذا الصراع محصوراً في الدائرة السياسية والإطار العسكري، بل تسرّب إلى المتخيّل الديني، وخاصة عقيدة انتظار ظهور محمد بن الحسن المهدي، أو بتعبير أدّق، خروجه من غيبته الكبرى لرفع راية الجهاد وإقامة العدل، وهكذا يتّم تحويل هكذا فكرة لاهوتية عن العدل الإلهي المؤجّل إلى سيناريو مُحتمل الحدوث سيقلب الحرب على رأس أمريكا وحلفائها. 

هذا الربط بين العقيدة والواقع العسكري يحمل مخاطر عميقة، لأنه لا يجعل من الحرب مجرد حسابات ردع وتوازنات في القوة، بل علامة من علامات الساعة ونهاية العالم، فيتّم تصوير الصراع كأنه قدر رباني محتوم، ولهذا تغيب النقاشات العقلانية السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية منها، وتُستبدل بالسرديات الغيبية والخرافات وانتظار المعجزات، كما يُعاد تفسير كل تصعيد بوصفه ضرورة كونية وتاريخية … هذا دون تجاهل الأثر السلبي نتيجة شحن الجماهير نفسياً على قاعدة الخلاص، وهو ما يفسّر غياب قراءة الحرب وأسبابها بموضوعية كأزمة سياسية وإستراتيجية قابلة للخطأ والصواب، بل تقديمها كاختبار إيماني، ومن هنا يتّم إعفاء النظام من المسؤولية والنقد، وتتحوّل الهزيمة إلى انتصار وبطولة، ويتّم التفاخر بأعداد الضحايا باعتبار كل هذا ما هو سوى تمهيد لظهور المهدي وتحقيق العدالة الكبرى … وبالحديث عن السلطة الحاكمة، فلن نبالغ إن قلنا أن مواقفها السياسية الداخلية والخارجية لها صبغة القداسة، كيف لا والمرشد هو نائب الإمام المنتظر، فحين يُفهم النزاع مع واشنطن على أنه معركة بين الخير والشر، والحق والباطل، وليس في إطار التدافع بين الدول من أجل تحقيق المصالح، يصبح نقد هذه السلطة كفرا وخيانة، لأن التشكيك في قراراتها هو التشكيك في السردية العقائدية نفسها.وجب التنبيه أن عقيدة الانتظار نشأت تاريخياً في سياق الشعور بالعجز والاضطهاد، كآلية أملٍ في عدل ولو بعد حين، لكنها حين تُستدعى في باراديغم دولة تمتلك أدوات قوة ونفوذ إقليمي، فبلا شك ستتغيّر من عزاء روحي إلى أيديولوجيا، وهنا يكمن التوتر بين الإيمان كقيمة روحية، و توظيفه كأداة صراع.
نعود إلى هذه الحرب الأمريكية المفروضة على إيران وبين من يجعل لها رابطاً لاهوتياً، وآخر رابطاً سياسياً، فظهرت فئة من الناس تعيش الحاضر باعتباره ممّراً حتمياً نحو ملحمة غيبية بدأت ملامحها تظهر في الشرق الأوسط، وفئة أخرى لا ترى في الحرب سوى قرارات بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتراجع.
في الأخير، إن أخطر ما في تديين الصراع أنه يمدّه بعمر أطول من عمر السياسة، لأن الحروب تنتهي سواء باتفاق أو هزيمة عسكرية، عكس السرديات المقدسة التي لا تنتهي،  وبين انتظار المخلّص وانتظار التوماهوك، يبقى الحل الحقيقي لمواجهة العدو في الوصول إلى وعي ناضج يفصل بين الإيمان كرجاء روحي، والسياسة كمسؤولية إنسانية لا تحتمل القداسة.

 العفيفي فيصل


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

العفيفي فيصل

الصفة: أستاذ التعليم الثانوي للغة الفرنسيَّة. البلد: الجزائر. الكفاءات: طالب دكتوراه في أصول الدين (جامعة تلمسان/ الجزائر) + شهادة الماستر في اللغة الفرنسيَّة (جامعة عين تموشنت/ الجزائر) + شهادة الدراسات التطبيقيَّة في القانون (جامعة التكوين المتواصل/ الجزائر). الإنجازات: كتاب "تصّور السببيَّة بين المدارس الكلاميَّة الكلاسيكيَّة والفكر الإسلامي المعاصر".

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى