إهمال الأصول وتضييع الكليات: غياب فقه الأولويات
الآفة الرابعة | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

وهذه الآفة هي الوجه الآخر المظلم للآفة السابقة؛ فبينما يغرق المرء في التفاصيل، تتسرب من بين يديه الأصول والكليات. إن الإسلام بناء شامخ يتألف من بضع وسبعين شعبة، أعلاها أصل الأصول: (لا إله إلا الله)، وأدناها فرع من الفروع: (إماطة الأذى عن الطريق). والمصاب بهذه الآفة يختل عنده ميزان “فقه الأولويات”، فلا يميز بين ما يأخذ رقم (1) وما يأخذ رقم (10) في الدين والحياة، فيجعل الأدنى أعلى، ويقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، وينسى القاعدة الذهبية: “لا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة”.
ولقد صحح القرآن الكريم هذا الخلل في ترتيب الأولويات والأصول حين ظن البعض أن سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام (وهي أعمال جليلة) توازي أصل الإيمان والجهاد، فنزل قوله تعالى حاسماً: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ} [التوبة: 19]. وفي الحديث القدسي الجليل تتجلى أولوية الأصول والفرائض: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (رواه البخاري).
ولقد أدرك السلف الصالح هذا الميزان الدقيق، فهذا أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – يوصي عمر بن الخطاب فيقول: “واعلم أن لله عملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وعملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وأنه لا يقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة”.
ويعود الإمام الغزالي – رحمه الله – ليضع يده على الجرح المفتوح لهذه الآفة، مقرراً أن: “ترك الترتيب بين الخيرات من جملة الشرور”. ويضرب أمثلة دقيقة لفرقة حرصت على النوافل وضيعت الأصول والفرائض، فيقول: “نرى أحدهم يفرح بصلاة الضحى، وبصلاة الليل.. ولا يجد للفريضة لذة، ولا يشتد حرصه على المبادرة بها في أول الوقت”.
ويبين الغزالي أن الغموض لا يكمن في التمييز بين الطاعة والمعصية، بل في “تقديم بعض الطاعات على بعض؛ كتقديم الفرائض كلها على النوافل، وتقديم فروض الأعيان على فروض الكفاية.. وتقديم الأهم من فروض الأعيان على ما دونه”. ويضرب لذلك مثلاً حياً لمن تختل عنده الأولويات، كمن لا يفي ماله بنفقة والديه (وهي فرض عين وأصل عظيم) ويذهب ليحج حج النافلة، فيقول: “فربما يحج وهو مغرور، بل ينبغي أن يقدم حقهما على الحج، وهذا من تقديم فرض أهم على فرض دونه”.
إن الفهم الصحيح يقتضي إعطاء كل ذي حق حقه، وتنزيل الأمور منازلها، فترسخ الأصول في القلب كالجبال الرواسي، وتُثمر بعد ذلك فروعاً تزيد البناء جمالاً وكمالاً، مصداقاً لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24].
الدكتور عبدالله فرج الله
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





