سيسيولوجية المدرسة
المقاربات السوسيولوجية لوظيفة المدرسة ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي

تقديم
هناك إجماع في جميع المجتمعات حول القيمة الاجتماعية للمدرسة،ولأدوارها التعليمية في نشر القيم النبيلة بين أفراد المجتمع ،وفي المحافظة على هذه القيم ونقلها بين الأجيال والحضارات والثقافات.
إن المدرسة اليوم هي من أبرز الفضاءات المؤسسة للعملية التعليمية التعلمية، فهي مؤسسة اجتماعية أساسية في المجتمع،و مرحلة ضرورية في التربية والتنشئة،تساعد على انتقال الطفل من الأسرة إلى المجتمع ،وتعين من الاندماج في المجتمع، فرغم الإكراهات الذاتية والموضوعية التي تواجهها المدرسة اليوم ، تبقى المدرسة فضاء ضروريا في المحافظة على التراث القيمي والثقافي وعلى استمراريته في المجتمعات الإنسانية .
وقد اهتم علماء اجتماع المدرسة بالمدرسة و بوظائف،و بأدوارها في المجتمع و بمهامها التربوية والعلمية والمعرفية ،وهذا العلم – علم اجتماع المدرسة –هو فرع من علم الاجتماع العام، موضوعه هو الاشتغال على الأدوار المتبادلة ،وعلى التفاعلات القائمة بين الأسرة ،والمدرسة والمجتمع.
فلقد أكد كثير من الدارسين في علم الاجتماع المدرسة،بأن الأسرةهي التي تشكل المجتمع،وأن العلاقة بين المجتمع والتربية هي علاقة متشابكة و متداخلة ومركبة تتحدد في تقاسم الأدوار والوظائف والمهام .
فمن مهام الأسرة إعداد الناشئة للمستقبل، والمساهمة المستمرة والدائمة في انتقال تراث المجتمع عبر الأجيال حفاظا على بقائه وديمومته،و صيانة له على الاستمرارية .
لكن رغم هذه الوظائف المتعددة للمدرسة،فلم تعد المدرسة بذلك الفضاء المريح للمتعلم يجد في فضاءاتها شخصيته،وإنما اصبحت فضاء مقلقا للمتعلم ولمستقبله ولآفاقه أمام التحولات والطفرات التي تعرفها منظومة القيم .
و أكبر تحول طرأ على المدرسة وعلى وظائفها في الآونة الأخيرة ،هو تحولها من فضاء لنقل المعرفة ،و التربية على القيم الإيجابية في المجتمع و التنشئة الاجتماعية ، بدمج الفرد في المجتمع ،إلى فضاء مثقل بالمشاكل اليومية و حامل للإكراهات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المجتمع .
تعريف علم الاجتماع المدرسة
علم اجتماع المدرسة هو فرع من فروع علم الاجتماع العام، يعتني هذا الفرع بدراسة علاقة المدرسة بالمجتمع وبالمؤسسات التي يتفاعل معها المتعلم بشكل يومي ودائم ،فهو تخصص يعتني بدراسة العلاقات التفاعلية بين الأفراد في علاقتها بالفضاءات المدرسية .
– المقاربات السوسيولوجية للمدرسة
اختلفت مقاربات علماء الاجتماع للمدرسة،حسب الاختيارات والمواقف الفلسفية لعلماء الاجتماع المدرسة ، ومن أبرز هذه المقاربات وأشهرها :
1. المقاربة الوظيفية
تتحدد هذه المقاربة أن المدرسة لها وظيفة تربوية وتعليمية وقيمية ،فهي مؤسسة تسعى الى مد المجتمع بالقيم النبيلة وبالأخلاق العالية التي تحافظ على توازنه واستمراريته وتماسكه،فهي تعتبر بحق مؤسسة اجتماعية تربوية مهامها ووظيفتها هي إعداد الناشئة للمستقبل، والعمل على المساهمة المستمرة والدائمة في نقل تراث المجتمع ، والحفاظ قيمه عبر الأجيال ،حفاظا على بقائه ،وعلى استمراريته .
ومن أبرز الوجوه العلمية التي اشتغلت على المقاربة الوظيفية للمدرسة عالم الاجتماع الفرنسي اميل دركايم .
فهو قد اعتبر المدرسة فضاء فاعلا في تغيير المجتمع، وخص لهذا الموضوع كتابا نهته “التربية والمجتمع”.
إذ أعطى إميل دوركايم الأولوية والصدارة للمجتمع في صناعة المعرفة،ومضمون هذه الفكرة أن المعارف التي ينتجها العقل البشري هي من أصول اجتماعية ،وأن المقولات العقلية التي يمتلكها الإنسان هي ذات أصول وجذور اجتماعية ،أكثر منها ذات أصول فردية “.
ومن المناصرين أيضا للمقاربة الوظيفية للمدرسة ،الفيلسوف وزعيم المذهب البرغماتي الامريكي جون ديوي ت 1952 ،فهو مربي وسيكلوجي وفيلسوف زعيم المذهب النفعي البراغماتي في التربية .
وهو يحدد التربية في كونها مجموعة من العمليات التي تنقل الطفل من الأسرة و على دمجه المجتمع.
– إميل دوركايم ت 1917 – عالم اجتماعي فرنسي هو الذي أرسى القواعد المنهجي والعلمية لعلم الاجتماع، وجعل الشأن التربوي جزءا لا يتجزأ من مشروعه العلمي و السوسيولوجي اشتهر بكتابه “الانتحار-وكتاب التربية والمجتمع .
1– David Émile Durkheim, né le 15 avril 1858 à Épinal et mort le 15 novembre 1917 à Paris, est un sociologue français considéré comme l’un des fondateurs de la sociologie moderne.
-نبيل علي: 2004- العقل العربي ومجتمع المعرفة من سلسلة عالم المعرفة العدد 369 الكويت ص:187
-أصول التربية للدكتور محمد العمايرة: اصدار دار المسيرة الاردن السنة 2020 ص: 10
2
وهذا النقل عادة ما يحدث مجموعة من التغيرات على شخصية الطفل، وعلى نمائه النفسي والاجتماعي، فقيمة التربية تحدد في حاجيات المجتمع، وبعبارة مختصرة وظيفة المدرسة هي مساعدة الأفراد على الاندماج في المجتمع .
وقد ترك جون ديوي مجموعة من الكتب والدراسات والبحوث منها :التربية والمجتمع – وكتاب: الديمقراطية والتربية.
وكان جون دوي مناصرا للنزعة والفلسفة البرغاماتية، فقيمة الشيء محدد فيما يقدمه للإنسان من منافع مادية .
و هذا الإعتبار جعل جون دوي يركز على جهة المهارات الحياتية التي يحتاجها أفراد المجتمع في حياتهم وفي سوق الشغل،أو تلك التي يحتاجها المجتمع في التنمية،و عليه كان من شعار التربية البراغماتية “تعلم لتعمل” ،”التربية النافعة هي التربية الخادمة للمتعلم في المستقبل”.
وهذا الاعتبار جعل جون دوي يركز على جهة المهارات الحياتية التي يحتاجها أفراد المجتمع في سوق الشغل،أو تلك التي يحتاجها المجتمع في التنمية،و عليه كان من شعار التربية البراغماتية “تعلم لتعمل” ،”التربية النافعة هي التربية الخادمة للمتعلم في المستقبل”.
وهذا الجمع بين التربية ،وبين حاجيات المجتمع في التنمية،وتأمين المستقبل لأبنائه ،كان المقاصد الكبرى في المشروع التربوي والبيداغوجي عند الفيلسوف ،وعالم التربية الأمريكي جون دوي .
– ابراهيم ناصر (1999)، مقدمة في التربية (الطبعة الأولى)، الأردن: دار عمار للنشر :2006
34 -هذا الكتاب مترجم نقله الى العربية متى عفراوي وزكرياء ميخائيل صدر بالقاهرة سنة 1964.
-عبد الحفيظ البار: 2015 القراءة البراغماتية للنظريات التربوية الكلاسيكية من خلال الفيلسوف “جون ديوي”مجلة الباحث في العلوم الانسانية والاجتماعية عدد:-2- السنة : 2015ص:77
5 -عبد الحفيظ البار: 2015 القراءة البراغماتية للنظريات التربوية الكلاسيكية من خلال الفيلسوف “جون ديوي”مجلة الباحث في العلوم الانسانية والاجتماعية عدد:-2- السنة :2015ص:77
– جون دوي 1978 : المدرسة والمجتمع، ترجمة أحمد حسن الرحيم، مراجعة محمد ناصر، بيروت، منشورات دار مكتبة الحياة -ص 50.
6
وبصفة عامة فالمدرسة في المقاربة الوظيفية،وظيفتها ومهامها هي تأهيل الفرد الذي يكون في البداية طفلا،ثم ينتقل هذا الطفل إلى الروض ،ومن الروض إلى المدرسة ،ومن المدرسة إلى المجتمع،وهذا الانتقال من أبرز مهام المدرسةو وظائفها .
2. المقاربة التشاؤمية -العدمية
هذه المقاربة تزعمها الفيلسوف النمساوي افان ايليش Illich ivan الذي كانت يدعو علنا الى نقد المجتمع الصناعي ،وقيم المجتمع الرأسمالي.
بحيث كان يدعو علنا الى الغاء مؤسسة المدرسة من المجتمع،لأنها في نظره أداة لتكريس الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع ،فهي تصنع التميز ،وتحافظ على النخبة التي تهيمن على مؤسسات المجتمع ، وقد اشتهر بكتابه “مجتمع بدون مدارس”.”وموت المدرسة”.
3. مقاربة اعادة الانتاج
هذه النظرية تختصر المدرسة في إعادة انتاج النخب، والمحافظة على الطبقة المهيمنة فهي جهاز لتكريس الفوارق الطبقية والاجتماعية بين أفراد المجتمع .
وهذه النظرية هي امتداد للنظرية الماركسية التي تنظر الى المدرسة في كونها تصنع وتعمق الفوارق الطبقية في المجتمع، وتحافظ على مصالح الطبقة الحاكمة والمهيمنة.
فهي تعود الى أفكار مارس الذي كان يعتبرالمدرسة مؤسسة وجهازا خادما لإيديولوجية الطبقة الحاكمة والمهيمنة.
وقد طور هذه النظرية الفيلسوف الماركسي الفرنسي لوي التوسيرفي بحثه ” الإيديولوجية والاجهزة الإيديولوجية للدولة” المنشور بمجلة افكار الفرنسية سنة :1970.
ونظرية اعادة الانتاج تنسب الى الباحث الاجتماعي الفرنسي بيير بوريو الذي اشتهر بكتابه اعادة الانتاج ،وبكتابه “الورثة” والعنف الرمزي والرأس المال الثقافي
ورغم التحولات الكبيرة التي شهدتها المدرسة اليوم في وظائفها وأدوارها ومهامها نتيجة الثورة التواصلية والرقمية ،و كذا إلى التحولات الرقمية السريعة ،فان نظرية اعادة الانتاج مازالت النظرية المهيمنة والسائدة في تفسير علاقة المدرسة بالمجتمع.
لكن السؤال المطروح والمفتوح أي مستقبل ينتظر المدرسة في افق الثورة التي يعرفها الذكاء الاصطناعي.
– مبارك ربيع مخاوف الأطفال مبارك ربيع ص:4
7
محمد بنعمر
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



