التنويريدراسات دينيةسلايدر

التـــعــالـــم: وهم المعرفة والجرأة على بساط العلم

الآفة الثانية | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

إذا كان التعصب الأعمى هو مزلق الأتباع وهاوية المقلدين، فإن “التعالم” والجرأة على القول بغير علم هو مستنقع المتصدرين، والآفة الكبرى التي تفسد على الناس دينهم وتخلط عليهم مفاهيمهم. والتعالم في حقيقته ليس مجرد نقص في المعلومة، بل هو مركب خطير من الجهل والغرور؛ حيث يكتسي الجاهل ثوب العالم، ويتوهم أنه قد حاز من العلم أطرافه، فيقتحم لجج المسائل الكبار، ويصدر الأحكام، ويفتي في النوازل التي لو عُرضت على عُمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لجمع لها أهل بدر.

إن غياب الفهم الصحيح لا يتجلى في شيء كما يتجلى في الاستخفاف بمقام العلم، وتصدر أنصاف المتعلمين والمثقفين ثقافة قشرية لتوجيه الأمة. ولقد حذرنا القرآن الكريم من هذه الآفة تحذيراً تقشعر له الأبدان، وقرن القول على الله بغير علم بأعظم الموبقات وأكبرها، بل وجعله في قمة هرم المحرمات، قال جل وعلا: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]. كما نهى سبحانه عن الخوض فيما لا يحيط به الإنسان خُبراً، قائلاً: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

لقد أدرك النبي ﷺ أن ضياع الأمة لا يكون بانتزاع العلم من صدور الرجال فجأة، بل باختفاء العلماء الربانيين وتصدر “المتعالمين”، فوضع يده الشريفة على موضع الداء قائلاً: «إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، ولَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بقَبْضِ العُلَمَاءِ، حتَّى إذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فأفْتَوْا بغيرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وأَضَلُّوا» (متفق عليه). وهنا تكمن الطامة الكبرى: ضلال في الذات، وإضلال للغير.

ولنا في سلفنا الصالح – رضي الله عنهم – الأسوة الحسنة والميزان الدقيق. لقد كانوا يفرون من الفتيا فرارهم من الأسد، لعلمهم بثقل الأمانة وموقف الحساب. فهذا الصديق أبو بكر – رضي الله عنه – يرتجف وجلاً وهو يقول: “أيُّ سماءٍ تُظلُّني، وأيُّ أرضٍ تُقلُّني، إذا قُلتُ في كتابِ اللهِ برأيي؟!”. وهذا الإمام مالك بن أنس – إمام دار الهجرة – يأتيه السائل من مسيرة أشهر، ليسأله في أربعين مسألة، فلا يجيبه إلا في ثمانٍ، ويقول في الباقي: “لا أدري”، فيقول له السائل مندهشاً: ما أقول للناس إذا رجعت إليهم؟ فيرد الإمام بثقة الواثق الذي لا يبتغي إلا وجه الله: “قل لهم: قال مالك: لا أدري”.

ويشخص الإمام الشاطبي – رحمه الله – هذا الداء العضال بدقة بالغة، موضحاً أن فساد الفهم يبدأ عندما يعتقد المرء في نفسه الكمال، فيقول: “والمبتدع إنما أُتي من جهة اعتقاده في نفسه أنه عالم، وليس بعالم، فإنه يعتقد في نفسه أنه من أهل الاجتهاد والاستنباط، وليس كذلك”. فالتعالم يورث الكبر، والكبر يمنع من الرجوع إلى الحق، فيصبح “المتعالم” أسير رأيه، يلوى أعناق النصوص لتوافق هواه، وتلك هي ثمرة الجهل المركب.

إن طالب العلم الحقيقي كلما ازداد علماً، ازداد تواضعاً، وأدرك سعة الجهل الذي يحيط به، كما قال الإمام الشافعي – رحمه الله -: “كلما أدبني الدهرُ أراني نقصَ عقلي، وإذا ما ازددتُ علماً زادني علماً بجهلي”. أما المتعالم، فيكفيه قراءة كتاب أو كتابين ليظن أنه قد حاز ميراث النبوة، فتراه يتطاول على الأئمة الأعلام، ويزدري جهود القرون السالفة، رافعاً شعار: “هم رجال ونحن رجال”، متناسياً أن بين رجولتهم في العلم ورجولته بوناً شاسعاً كالبعد بين الثرى والثريا، يقول الإمام الذهبي – رحمه الله – محذراً من هذه الآفة: “ما أوقح من يتكلم في الدين بلا علم، ولا عقل، ولا حياء!”.

إن ترك التعالم ومعرفة المرء لقدر نفسه من أعظم دلائل الفهم الصحيح والتوفيق الإلهي. فالنجاة كل النجاة في أن يلزم الإنسان غرز العلماء الراسخين، وأن يُلجم لسانه بكلمة “لا أدري”، فإنها نصف العلم. ومتى ما تحررت الأمة من هؤلاء المتعالمين الذين يهرفون بما لا يعرفون، وعادت مقاليد التوجيه لأهل الرسوخ والخشية، استقامت المفاهيم، واندثرت البدع، وسلمت الصدور.

د.عبدالله فرج الله


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

عبدالله فرج الله

الدكتور عبدالله فرج الله هو أكاديمي وكاتب وسياسي أردني بارز. وُلد في 21 فبراير 1965، وتخرج بدرجة البكالوريوس والماجستير في اللغة العربية من جامعة اليرموك في الأردن، ثم حصل على الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة موسكو الحكومية في روسيا عام 1999.عمل الدكتور فرج الله في مجال التعليم الجامعي، حيث شغل مناصب تدريسية متعددة في جامعة الزرقاء الأهلية، بالإضافة إلى الجامعة الأردنية. كما عمل في مجالات إدارية مختلفة، بما في ذلك مستشار مركز دراسات الأمة وإدارة مركز تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، ورئاسة جمعية اللغة العربية للتعليم والثقافة.يتميز الدكتور فرج الله بحضور إعلامي قوي، فهو كاتب مقالات في عدة صحف أردنية ومقدم برامج إذاعية. شارك أيضًا في حلقات تلفزيونية وندوات ثقافية محلية ودولية.لديه إسهامات علمية معروفة من خلال بحوثه ومؤلفاته التي تركز على اللغة العربية، الفقه، القرآن، ومفاهيم تربوية. كتب أيضًا مواد منهجية مُستهدفة للطلبة الذين لا يتحدثون اللغة العربية.يُعتبر الدكتور عبدالله فرج الله شخصية مؤثرة في الحياة الثقافية والعلمية في الأردن، ويتمتع بسمعة عالية كأكاديمي ملتزم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى