التـــعـصـــــــــب: وهم الانتماء وعمى البصيرة
الآفة الأولى | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

التعصب بجميع أشكاله داءٌ عضال ومسلكٌ مذموم، وصاحبه يقف على هاوية الفشل والإخفاق، إن لم يكن قد هوى حقيقة في قرارها المظلم.
وما التعصب في جوهره إلا مظهر طبيعي، وثمرة حتمية لغياب الفهم الصحيح وطمس البصيرة، إذ يكثر عند غياب الوعي التعصبُ للأشخاص، والمذاهب، والأحزاب، والآراء، ليسود عند الناس مبدأ إقصائي خطير: “من كان معي فهو قديس يُنزَّه عن الخطأ، ومن كان مع غيري فهو إبليس يُجرد من كل فضل”. وهذا هو عين العمى الذي ذمه القرآن الكريم حين صوّر حال المتعصبين لما وجدوا عليه آباءهم وأشياخهم دون إعمال للعقل، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170].
والداعية الناجح، بل والمسلم الحق، هو الذي يتحرر من قيود العصبية قولاً وفعلاً، فلا يعرف تعصباً إلا للحق الأبلج، لا لرأي، أو مذهب، أو إمام، أو فئة، أو حزب. فالأسماء والمسميات تسقط أمام جلال الدليل، وقد كان نبينا ﷺ أشد الناس تحذيراً من هذه الآفة التي تمزق وحدة الأمة، فقال في شأن العصبية الجاهلية: «دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ» (متفق عليه)، وقال في تحذير أشد صرامة: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ» (رواه أبو داود).
وقد سار أئمة السلف – رضي الله عنهم – على هذا الدرب النبوي، فعابوا على المتعصبين وحذروا من الجمود. فهذا الإمام مالك – رحمه الله – يضع القاعدة الذهبية للتجرد قائلاً: “كلُّ أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُردّ، إلا صاحب هذا القبر ﷺ”. وقال الإمام أبو شامة – رحمه الله -: “ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام، ويعتقد صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة … وليجتنب التعصب، والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة، فإنها مضيعة للزمان، ولصفوه مكدرة”.
والذين فهموا الإسلام حقاً أدركوا أن التعصب للأشخاص هو باب من أبواب الفرقة والابتداع. يقول الإمام ابن تيمية – رحمه الله – في وصف دقيق لهذه الحالة: “ومن تعصب لواحد من الأمة دون الباقين فهو بمنزلة تعصب لواحد بعينه من الصحابة، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنهما، فهذه طرق أهل البدع والأهواء…”. ويستطرد مبيناً خطر اتباع الهوى على حساب الدليل: “وكل هؤلاء المتعصبين بالباطل، المتبعين الظن، وما تهوى الأنفس… مستحقون للذم والعقاب… فإن الاعتصام بالجماعة والائتلاف من أصول الدين، والفرع المتنازع فيه من الفروع الخفية، فكيف يُقدح في الأصل بحفظ الفرع؟!!”. عملاً بقوله جل وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
ويشير شيخ الإسلام – رحمه الله – إلى قضية منهجية من شأنها أن تجفف روافد التعصب، وتقلل من مخاطره في تجذير الجهل وتأصيل الضلال، فيقرر أن المسلم إذا كان متبعاً لإمام كأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد، ورأى في بعض المسائل أن مذهب غيره أقوى بالدليل فاتبعه، “كان قد أحسن في ذلك، ولم يقدح ذلك في دينه، ولا عدالته بلا نزاع، بل هذا أولى بالحق، وأحب ألى رسول الله ﷺ…”.
وبموجب قانون التعصب الذميم، فإن الحق يضيع، وهذه طامة كبرى؛ إذ تصبح البغية عند هؤلاء المتعصبين ليست البحث عن الحقيقة، بقدر ما هي انتصار للهوى، والذات، والجماعة، والصاحب. وهنا تكمن الخطورة الكبرى: أن يُعرف الحق بالرجال، لا أن يُعرف الرجال بالحق. ولقد لخص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – هذا الميزان بكلمة جامعة مانعة حين قال: “إن الحق والباطل لا يعرفان بأقدار الرجال، اعرف الحق تعرف أهله”.
يوم كان الانتصار للحق خالصاً، ويوم كان الرجال – مهما بلغ شأنهم أو علا قدرهم – يوزنون بميزان الدليل، كان الإمام الشافعي – رحمه الله – يقسم فيقول: “والله ما أبالي أن يظهر الحق على لساني أو على لسان خصمي”، وكان يقول أيضاً عبارته الخالدة التي تنفي كل عصبية: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.
ختاماً؛ إن ترك التعصب هو من أسطع دلائل صحة العلم، وسعة الأفق، وطهارة القلب. فإن العالم أو الداعية لا ينضج حقاً حتى يترفع عن العصبية المذهبية والحزبية المقيتة، ويجنح إلى الحق والخير حيثما كانا، عملاً بقوله تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]. ومن كان الحق غرضه، تحراه واحتج له، وكان معه في كل حال، أما التعصب للطائفة والمذهب وبنيّات الطريق، وتمحل الحجج الواهية للانتصار للذات، فليس إلا من دلائل صغر النفس، وزغل العلم، والأنس بالباطل.
د.عبدالله فرج الله
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


