التنويريسلايدرفكر وفلسفة

تمثّلات الدين في أزمنة الظمأ: عبدالجبار الرفاعي وسؤال الذات في الدين والظمأ الأنطولوجي

قراءة تحليلية في مشروع عبدالجبار الرفاعي: من نقد الأدلجة إلى إعادة بناء الوعي الديني في زمن القلق الوجودي

أن الذات (عملية تَذويت مرتبطة بالحدث) لا تُولد دفعة واحدة، بل تتشكّل عبر مسارات وأحداث فكرية وأخلاقية متعاقبة

 (Alain Badiou, 2005)

عبدالجبار الرفاعي بوصفه ذاتًا تتكوّن عبر الحدث

لا يمكن قراءة كتاب عبدالجبار الرفاعي “الدين والظمأ الأنطولوجي” بوصفه مجرّد أطروحات في الفكر الديني أو محاولات للتجديد اللاهوتي. بل ينبغي النظر إليه كمسارٍ لتكوُّن ذاتٍ مفكرة تتحرّك داخل توتّرٍ تاريخي ومعرفي حاد بين الدين والحداثة، بين التراث والعقل النقدي، وبين الإيمان والقلق الوجودي. ومن هنا تأتي فاعلية العدسة التحليلية في الاقتراب من مشروع كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي” ؛ هناك أهمية حرجة مرتبطة بقراءة نصوص الكتاب لا بوصفها إجابات جاهزة، بل بوصفها استجابات متتابعة لأحداثٍ مُؤسِّسة، وفراغاتٍ معرفية، وأسئلةٍ كونية، ورحلةٍ بين جغرافيات فكرية متعدّدة.

إذا انطلقنا من مفهوم يرى الذات بوصفها عملية تَذويت مرتبطة بالحدث، فإن ذات الرفاعي لا تظهر مكتملة منذ البداية، بل تتشكّل تدريجيًا عبر سلسلة من الصدمات الفكرية والسياسية والروحية: صدمة الحداثة، وأزمة التراث، وانكسارات المشروع الأيديولوجي الديني، وتجربة العنف باسم المقدّس، وارتطام الوعي الديني بواقعٍ علمي–تقني متسارع. بهذا المعنى، فإن كل طبعة من طبعات ” الدين والظمأ الأنطولوجي” ليس محطةً مستقلة، بل فصلٌ في سيرة ذاتٍ تفكر عبر الأحداث، وتعيد صياغة نفسها مع كل تحوّلٍ تاريخي ومعرفي.

من زاويةٍ ثانية، يصبح مشروع الرفاعي مفهومًا بوصفه اشتغالًا على فراغٍ معرفي بالمعنى الفلسفي: فراغٌ بين لغة الدين التقليدية ولغة الحداثة، فراغٌ بين الفقه والروحانية، فراغٌ بين النص المقدّس وأسئلة الإنسان المعاصر، وفراغٌ بين الإيمان والحرية النقدية. الرفاعي لا يبدأ من يقينٍ مُحكم، بل من رصد هذه الفراغات بوصفها مشكلةً فلسفية ولاهوتية معاصرة، ويحاول عبر كتاباته أن ينتج لغةً دينية جديدة تستطيع تمثيل ما لم يعد ممثَّلًا في الخطاب الديني الكلاسيكي.

وفي مستوى ثالث، يمكن قراءة الرفاعي عبر سؤال الحقيقة والكونية. فهو لا يكتفي بالدفاع عن خصوصيةٍ دينية محلية، ولا ينزلق إلى نسبيةٍ ثقافية تُفرّغ الحقيقة من معناها الأخلاقي، بل يسعى إلى تصورٍ للدين بوصفه أفقًا كونيًا للمعنى والكرامة والرحمة والحرية. بهذا المعنى، يقع مشروعه على مسافة نقدية من كل من السلفية المنغلقة وما بعد الحداثة النسبية، محاولًا شقّ طريقٍ ثالثٍ يجعل الدين قابلًا للكوننة دون أن يفقد جذوره.

أما في المستوى الرابع، فإن مشروع الرفاعي يتكشف بوصفه رحلةً بين جغرافيات معرفية متعددة يتحرك بين الشرق والغرب، بين التراث والفلسفة الحديثة، بين علم الكلام القديم واللاهوت المعاصر، وبين العقل النقدي والتجربة الروحية. هذه الحركة ليست ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا لنضج الذات؛ فالذات لا تكتمل داخل محليتها، بل عبر العبور بين فراغات معرفية متباعدة، وجمع شظايا الحقيقة الموزّعة عبر العالم.

انطلاقًا من هذه الأدوات، يمكن وضع الحدث المؤسِّس لفكر الرفاعي في مفترق طرقٍ تاريخي: أزمة العلاقة بين الدين والحداثة، مقرونةً بانكشاف حدود الأيديولوجيا الدينية في تفسير العالم الحديث، وبروز العنف باسم المقدّس، واتساع الفراغ الروحي في عالمٍ استهلاكي بلا معنى. هذا الحدث لا يظهر بوصفه واقعةً واحدة، بل كشرطٍ تاريخي طويل المدى يُعيد تشكيل الوعي الديني من جذوره.

هكذا يُقرأ كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه مشروعًا فلسفيًا-لاهوتيًا يسعى إلى إعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي. لا كدفاعٍ تقليدي عن الدين، ولا كنقدٍ علمانيٍّ له، بل كمحاولةٍ فلسفية–لاهوتية لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، زمن الفراغ، وزمن البحث المضطرب عن الذات. إن مشروعه هو في جوهره مشروعُ ذاتٍ تسائل نفسها عبر الحدث، وتفكّر من داخل الفراغ، وتنشد الحقيقة الكونية، وتسافر بين العوالم الفكرية بحثًا عن لغةٍ جديدة للإيمان.

التوقف أمام تقدير أنه لم يعد الدين في عالمنا المعاصر مجرد منظومة تشريعية أو جهازًا أخلاقيًا ضابطًا للسلوك، ولا مجرد إرثٍ طقوسي يُورَّث بلا مساءلة، بل أصبح ساحةً كبرى للصراع على المعنى، ومختبرًا قلقًا لوجود الإنسان ذاته. في هذا الأفق المضطرب، يقدّم عبدالجبار الرفاعي في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي محاولةً جذرية لإعادة تموضع الدين داخل الكينونة البشرية، لا بوصفه سلطةً فوقية أو أيديولوجيا سياسية، بل باعتباره استجابةً لظمأٍ وجودي أصيل يسكن الإنسان منذ أن وُجد.

الظمأ بوصفه بنية وجودية لا ظرفًا عابرًا: ينطلق الرفاعي من فرضية أن الظمأ للمقدس ليس حالة طارئة يولدها الخوف أو الجهل، بل هو بُعدٌ بنيوي في الكينونة الإنسانية ذاتها. الإنسان – في تصوّره – كائنٌ ناقص بالضرورة، مفتوح على ما يتجاوزه، محكوم بتوترٍ دائم بين المحدود واللامحدود، بين الفاني والأبدي، بين الجسد المتناهِي والروح المتطلعة إلى المطلق.

هذا الظمأ ليس مجازيًا ولا نفسيًا فحسب؛ إنه ظمأ أنطولوجي: عطشٌ إلى الامتلاء الوجودي، إلى المعنى، إلى حضورٍ يتجاوز عبثية العالم، وإلى يقينٍ لا تمنحه العلوم ولا الفنون وحدها. لذلك لا يرى الرفاعي أن الدين منافسٌ للعلم أو للفن، بل يرى أن كليهما يغنيان الحياة، لكنهما لا يرويان الظمأ العميق الذي يوقظ السؤال الأخير: لماذا نعيش؟ ولماذا نموت؟ وإلى أين نمضي؟

الدين كسلّم للارتقاء لا كجدار للعقل: ينتقد الرفاعي الفهم الأداتي للدين بوصفه أداة سلطة أو وسيلة تعبئة سياسية أو نظامًا أيديولوجيًا مغلقًا. الدين – عنده – ليس مشروعًا للهيمنة، بل سلّمٌ وجودي يرتقي عبره الإنسان نحو كمالٍ أخلاقي وروحي وجمالي. وهو هنا يلتقي، ضمنيًا، مع تقاليد التصوف الفلسفي، لكن دون الوقوع في رومانسيته أو مثاليته المطلقة.

ما يميّز طرح الرفاعي هو محاولته الجمع بين ثلاثة أبعاد غالبًا ما تُفصل عن بعضها:

  1. العقل النقدي الذي يمنع الانزلاق إلى الخرافة.
  2. القلب المتعبد الذي يحفظ حرارة الإيمان.
  3. الروح المتأملة التي تتوق إلى الجمال والمعنى.

بهذا المعنى، لا يريد دينًا بلا عقل، ولا عقلًا بلا إيمان، ولا إيمانًا بلا أخلاق.

الموت بوصفه الامتحان النهائي للدين: يُعطي الرفاعي للموت مكانة مركزية في فهمه للدين. فالموت ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو اللحظة التي ينكشف فيها صدق الإنسان مع نفسه. هنا يفشل الادعاء المادي الخالص؛ لأن الإنسان لا يطلب الفناء، بل يطلب الديمومة، ولا يطيق فكرة الانعدام التام.

الدين – في هذا السياق – ليس هروبًا من الموت، بل تفسيرٌ له:
هو يحوّل الموت من انقطاع مطلق إلى تحوّلٍ وجودي، من انطفاء إلى انتقال، من نهاية مغلقة إلى أفقٍ مفتوح. وهنا يكمن سرّ جاذبية الدين عبر العصور: إنه يمنح معنى لما لا يحتمله الإنسان بلا معنى.

أزمة الشباب بين الفراغ والدم: من أعمق مقاطع الكتاب هو تحليل الرفاعي لانجذاب بعض الشباب الغربي إلى العنف المتطرف. فهو لا يفسّره فقط بالفقر أو الجهل أو السياسة، بل بفراغٍ روحي قاتل، وظمأٍ أنطولوجي لم يُشبَع، واغترابٍ وجودي داخل مجتمعات وفّرت المتعة لكنها أفرغت المعنى.

هؤلاء الشباب – كما يصوّرهم – يشبهون عطشى يظنون أن ماء البحر عذب، أو راكضين وراء سرابٍ يتبدّد كلما اقتربوا منه. إنهم يبحثون عن لهيبٍ روحي يوقظهم من رتابة الاستهلاك، لكنهم يسلكون دروبًا مدمّرة تقودهم إلى مزيد من الظلام.

أدلجة الدين وتفريغه من روحه: يقدّم الرفاعي نقدًا حادًا لما يسميه أدلجة الدين، أي تحويله إلى برنامج سياسي صلب، أو أداة صراع، أو نظام تعبئة جماهيرية. هذه الأدلجة – في رأيه – لا تحرّر الإنسان بل تستعبده، ولا تُنير العقل بل تطفئه، ولا تُحيي الروح بل تجفّفها. نقده لعلي شريعتي ليس رفضًا للدين الثوري بقدر ما هو رفضٌ لتحويل الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تطمس الواقع بدل أن تكشفه، وتبرّر العنف بدل أن تداويه.

البحث عن الذات كرحلة روحية وفكرية: في مقدمات الطبعات المختلفة، يتحوّل الكتاب إلى سيرة ذاتية روحية غير مباشرة. الرفاعي لا يكتب عن الدين من خارج تجربته، بل من داخل معاناته، شكّه، مراجعاته، تراجعاته، ونضوجه البطيء.

هو يعترف بأنه عاش زمن الشعارات، ثم زمن النقد، ثم زمن التأمل، ثم زمن الإيمان الذي لا يقتل العقل بل يحرّره. كتابه إذًا ليس أطروحة نظرية فحسب، بل رحلة بحث عن الذات المختبئة، عن صورة الله التي طُمست تحت ركام التاريخ والسياسة والسلطة.

صورة الله بين الرحمة والعنف: أحد أعمدة مشروعه هو تطهير صورة الله من القسوة التي ألصقتها بها قراءات سلفية حرفية أو أيديولوجية. الله – عند الرفاعي – ليس إله الحرب والانتقام، بل إله الرحمة والجمال والحرية والكرامة والسلام.

الدين الذي لا يُنجب رحمةً ليس دينًا، والتدين الذي لا يثمر جمالًا أخلاقيًا ليس تدينًا، والإيمان الذي لا يحرّر الإنسان من الخوف ليس إيمانًا.

يمكن قراءة الدين والظمأ الأنطولوجي بوصفه محاولةً كبرى لإعادة تأسيس معنى الدين في زمن القلق الوجودي، وزمن الضياع، وزمن العنف باسم المقدس. إنه كتابٌ يريد أن: يعيد الدين إلى قلب الإنسان بدل أن يجعله فوقه كسيفٍ مسلّط. ينقذ الإيمان من الأيديولوجيا. يحرّر النص من سجون التاريخ. ويعيد للروح حقّها في السؤال والدهشة والجمال.

في النهاية، ليس الرفاعي داعية تصوف ولا مدافعًا تقليديًا عن الدين، بل مفكرٌ يقف على حافة الفلسفة واللاهوت والتجربة الشخصية، محاولًا أن يكتب لاهوتًا للظمأ، وأخلاقًا للقلق، وإيمانًا للحرية.

المصدر:
الرفاعي، عبدالجبار. (2017). الدين والظمأ الأنطولوجي. وندسور، المملكة المتحدة: مؤسسة هنداوي.

د. محمد الزكري القضاعي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد الزكري القضاعي

دكتوراه في أنثروبولوجيا المعارف والدراسات الإسلامية، خرِّيج معهد دراسات العرب والإسلاميات في جامعة إكستر البريطانية، دَرّس في جامعة وستمنستر البريطانية، وفي جامعة (بي تي يو) كتبس-ألمانيا. صدر له عدة كتب نذكر منها: تحرير كتاب "التصوف الذي بيننا ومعنا" (اللغة العربية) – "مداخلات دينية بين المتصوفة والسلفية في شرق الجزيرة العربية موضوع الهوية" (اللغة الإنكليزية)- "طرق إنتاج الهوية الفقهية لدى السُّنَّة" (اللغة الإنكليزية) – "الثقافة الشعبية وصناعة الهوية" (اللغة الإنكليزية) – "نظام المرأة المجتمعي وتفسير الأحلام" (اللغة الألمانية). نُشرت له عدة مقالات محكمة وصحفية في مؤسسات إعلامية عربية وألمانية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى