محمد أركون و منهجه الجديد ” الإسلامولوجيا”
ارتبط فكره بالتراث الإسلامي، ونقده العقل الإسلامي ناتج عن ظهور الإسلام السياسي

تجمع بعض الأراء أن محمد أركون لا ينحاز لمذهب ضد المذاهب الأخرى و لا يقف مع عقيدة ضد العقائد الأخرى فمشروعه تاريخي أنثروبولوجي في آن واحد و كان محاولة دمج العملية النقدية للفكر الديني الإسلامي في عملية نقدية أكثر عمومية للفكر الديني، فمحمد أركون كان يركز على الظواهر اللا مفكر فيها، خاصة الظاهرة الإسلامية وما هو مرتبط بعلوم الإنسان و المجتمع و تطبيقها على المجتمع الإسلامي، ضمن الإطار الأنطولوجي التاريخي، أي تاريخية الفكر و علاقته بالراهن الاجتماعي و السياسي، فنقد العقل الإنساني عند محمد أركون لا يعني نفي الموروث أو هدمه أو التقليل من دوره التاريخي أو نفي قدسية القرآن، بل تفكيك ما أصّله العقل في الماضي و استنطاق المسكون عنه، فهو يبين الخطابات الإيديولوجية السائدة و يؤكد على تاريخية القرآن
الإسلاموفوبيا.. الإسلاموقراطية .. الإسلامولوجيا و القرآنولوجيا ، مصطلحات تتعلق بالفكر الإسلامي و الحركات الإسلامية ، لكنها أخذت أبعادا سياسية في ابتكارها هذه المفاهيم و التعريف بها ، حيث تم توظيفها سياسيا من قبل الفرق الإسلامية و حتى التنويريين ، فوقع صدام بين الأصوليين و الحداثيين أي بين التقليد و التنوير، بين النقل و العقل، و غيرها من الأفكار، و كثيرا من يستعمل هذه المفاهيم في اللقاءات العلمية دون ذكر مصدرها الأصلي، و المتأمل في هذه المصطلحات و أواخر الحروف التي أضيفت إليها (راطية.. لوجيا) تبيّن أن هناك من يدعوا إلى دمقرطة الإسلام، و آخرون يجعلون من الإسلام أو القرآن إيديولوجية ليس إلا، خاصة الخلافات التي وقعت بعد وفاة الرسول و بداية تدوين آيات الله في كتاب ، و قوع صراع حول الشفهي و الكتابي، فأزمة التخلف التي يعيشه العالم الإسلامي على جميع المستويات جعلت المسلمين مختلفين و منقسمين إلى تيارات ، و لرفع حالة التخلف إلى حالة التقدم ظهر المشروع الحضاري النهضوي العربي منذ القرن التاسع عشر، و في كل الخطابات العربية ظهرت قضية الدين و الدولة و الهوية، و تطبيق الشريعة الإسلامية، و هي كلها قضايا ذات طابع سياسي ، اجتماعي ثقافي، يندرج تحت إشكالية الحداثة و الأصالة، من هنا ظهر المشروع الأركوني يتمثل في برنامج نقدي شامل يدرس صلاحية المعارف التي انتقدها العقل العربي، استطاع محمد أركون فرزه و وضع نظامه و نطاقه، رغم أنه مشروع لا يستطيع فردُ أن ينجزه لوحده، كونه يحتاج إلى مؤسسات بحثية علمية و فريق من المفكرين و المؤرخين و اللسانيين و الأنتروبولوجيين.
و الحقيقة عندما نقرأ لمحمد أركون فإننا نقف على كثير من اهتموا بفكره و أطروحاته، فيهم من يقف إلى رؤيته و يتناولونها بالنقد البناء، و فيهم من ينتقدونه إلى حد أن يتهموه بأنه خارج عن الإسلام، و اتهموه بالكفر، و هذا لتعدد منهجه في مقاربة القرآن كما يشير إلى ذلك الدكتور محمد الطاهر حمازة الذي وصفه بالمفكر المجدد المنتقد، في كتابه ” تعدد المنهج في مقاربة القران اركون مجددا منتقدا “الذي صدر عن دار الأصالة للنشر الجزائر، خاصة ما تعلق بقضية التاريخ و التاريخانية، من خلال أعمال عبد الله العروي، و الاختلاف الذي وقع بينه و بين العروي ، إن كانت كتابة التاريخ يراد بها التاريخ البشري أم التاريخ السماوي المقدس، يقول محمد الطاهر حمازة إن أركون يبدو أنه معجب بطرح فيكو حيث يقول هذا الأخير أن البشر يصنعون التاريخ و ليس القوى الغيبية ، و فيكو له رؤية خاصة لنشأة الإنسان، إلا اننا هنا نركز على ما جاء في كتاب الدكتور إسماعيل عراب الذي عنونه بـ: “النقد في فكر محمد أركون” من ضرورة حتمية إلى مشروع حضاري، الصادر عن دار الأيام للنشر الأردن طبعة 2024 تناول فيه تاريخ نشأة النقد منذ الفترة اليونانية و ظل يمارسه حتى العصر الحديث
و كما جاء في هذا الكتاب ، فالنقد يُعَبِّرُ عن روح كل مرحلة في تاريخ الفكر ، و في مختلف النصوص و المواضيع التي لها علاقة بالطبيعة البشرية، مثل موضوع السياسة و الدين و التاريخ و الأخلاق و الأفكار، ( العلمانية و الداروينية و الفكر الإسلامي)، و كل القضايا التي تتعرض للإسلام كدين و كفكر و كثقافة، و الإسلام الذي يستعمل اليوم، حيث تم توظيفه في النزاعات و الصراعات وكلُّ ما لم يفكّر فيه في الفكر الإسلامي المعاصر ، في ظل انغلاق الأقليات على المجتمع الإسلامي و تفتحها على ثقافة العرب و أخرى تأثرت بالخطاب “الطائفي”، فيكفي اليوم النظر إلى الكيفية التي يتم بها التفكير في قضايا الفكر العربي المعاصر، من طرف الإسلاميين و الحداثيين، في تطبيق المناهج العلمية العقلانية و الإصلاحات التي سار عليها التيار الإسلامي، فالفكر النهضوي و الحديث بشقيه الإصلاحي و العلماني وصل إلى حالة انسداد و هو الآن في مواجهة مستمرة أمام ضغوط العالم الخارجي
هناك من يقف إلى جانب الدكتور إسماعيل عراب، في فكرة “الأنسنة” التي دعا إليها محمد أركون في أطروحاته، فهذا صراع فكري موجود في الساحة العربية و الإسلامية ، لكن رغم ذلك ففكر أركون لم يُفْهم فكره سواء على المستوى العربي أو الغربي، أو على كمستوى افسلاميين أو الحداثيين، لأنه كانت له رؤية خاصة لمشروع النهضة بحيث يرى أن مشروع النهضة ظل ناقصا و غير مكتمل، و لابد من نقد هذا المشروع، خاصة بعد هزيمة حرب 1976، فمحمد أركون ارتبط عمله بالتراث الإسلامي، فهو على سبيل المثال ، ظل يدعو إلى إحياء الفكر المعتزلي، لأن هناك حضارة غربية يستفاد منها ماديا و فكريا ، ثم أن هناك من يؤكد أن مشروع النهضة فاشل و مُجْهَضًا قبل ميلاده، لأن الخطاب في عالم المعنى لم يكن بريئا، و عندما نقول المعنى يعني عالم الأفكار، يشير صاحب الكتاب إلى الفرق بين فكر محمد أركون و المفكر علي حرب، فالنقد عند علي حرب يتعلق بنقد الممارسات الفكرية، و ذلك من أجل تحقيق خصوبة للفكر وغناه و حيويته و فاعليته، و لتحقيق هذه الفاعلية وجب تجديده أي النقد و هذا ما سعى إليه محمد أركون في نقده العقل الإسلامي.
يقول إسماعيل عراب أن محمد أركون لا ينحاز لمذهب ضد المذاهب الأخرى و لا يقف مع عقيدة ضد العقائد الأخرى فمشروعه تاريخي أنثروبولوجي في آن واحد و هو محاولة دمج العملية النقدية للفكر الديني الإسلامي في عملية نقدية أكثر عمومية للفكر الديني ، كان محمد أركون يناظر رجال دين ضمن مجموعة باريسية حول قضايا الإسلام و المسيحية من بينهم الأب كلود جيفري و المستشرق جان لامبير، فمحمد أركون كان يركز على الظواهر اللا مفكر فيها، خاصة الظاهرة الإسلامية وما هو مرتبط بعلوم الإنسان و المجتمع و تطبيقها على المجتمع الإسلامي، ضمن الإطار الأنطولوجي التاريخي، أي تاريخية الفكر و علاقته بالراهن أو الواقع، خلاصة القول أن محمد أركون أراد تحريك الفكر الإسلامي الجامد بسبب العقل الفقهي الذي جمّد عملية التفكير الإسلامي بصفة عامة، و أراد خلخلة البنية الفكرية التي يعاني منها المسلم إلى يومنا هذا، أمام عالم متطور حضاري، ما جعل محمد أركون يهتم بالعقل الإسلامي لاختفاء النزعة الإنسانوية من ساحة الفكر الإسلامي ، أي تحرير المسلم من التخلف الحضاري و الأصوليات بمختلف أنواعها و قد أشار إلى ذلك في كتابه ” نزعة الأنسنة في الفكر العربي”، و مشروعه الأنسنة تحول إلى نقد العقل الإسلامي ، خاصة بعد ظهور الإسلام السياسي في بداية التسعينيات، و اللجوء إلى العنف في مواجهة الدولة، و لذا نجد التيار الإسلامي ينتقد محمد أركون، و قد وجد أركون نفسه محاصرا داخل وطنه و في فرنسا بعد أن انتقد كتاب سلمان رشدي ( آيات شيطانية) و في نفس الوقت قال أنا ضد الفتوى في رده على الإسلاميين .
علجية عيش
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



