المحطات الكبرى في التربية
من الفلسفة اليونانية إلى علوم الاستقلال: قراءة في صيرورة التربية وحضورها في التراث الإسلامي

مرت التربية بعدة مراحل وقطعت عدة أشواط إلى أن صارت تخصصا مستقلا بموضوعه منفردا بمنهجه ، له مفاهيمه الخاصة التي يتميزبها عن غيره من العلوم،وهذا المقال هو توصيف لأهم المحطات التي مرت منها التربية .
المرحلة الفلسفية
تعد المرحلة الفلسفية من أهم المراحل التي قطعتها ومرت منها التربية،وقبل هذه المرحلة كانت التربية من حيث الممارسة والفعل والحضور يغلب عليها البعد التلقائي العفوي، لأن المعارف التي يحصل عليها الإنسان، ويكتسبها في الفضاء الذي يعيش فيه أو اتجاه ذاته أو نفسه، و في احتكاكه وتواصله مع الغير، عادة ما تكون معارف تلقائية بسيطة ،يحصل عليها الإنسان تلقائيا ويتلقاها عن طريق الاحتكاك العفوي، أو عبر العمل اليومي في الوسط الذي يعيش فيه .
فالتربية بهذا التوصيف عادة ما تختزل في الخبرة الذاتية المكتسبة في السلوك اليومي بشكل تلقائي، يحافظ عليها الإنسان وينقلها إلى غيره لتحقيق ذاته و إثبات كينونته وصيانة تراثه وهويته ليستمر هذا التراث بين الحضارات الإنسانية .
لكن التربية بهذا المفهوم أعني البعد التلقائي والعفوي لم تستمر طويلا،فانتقلت إلى مرحلة أكثر نضجا وارتقت إلى مستوى آخر،بحيث سيتحقق للتربية الاندماج والاحتضان الفعلي مع الفلسفة.
ففي البحوث الفلسفية اليونانية كانت لفلاسفة اليونان أفكار تربوية ،وإن كانت وجهتهم هو تفعيل لدور التربية في صناعة وإعداد الإنسان المثالي الحامل للقيم العليا .
فعلى سبيل المثال كان مقياس الذكاء عند فلاسفة اليونان هو التمكن والمعرفة من علم الرياضيات والتفوق في فروعه وتخصصاته المختلفة ، وحل معادلاته بدرجاتها المختلفة ، فأفلاطون أخرج من جمهوريته غير المؤهلين و المتمكنين من علم الرياضيات،وأطلق شعاره المعروف والخالد:”من ليس برياضي لا يدخل إلى جمهوريتنا ،ويجب عليه الخروج والانسحاب منها”.
فالفلسفة اليونانية بهذا الوصف كانت تؤمن بشكل قطعي بأحادية الذكاء الإنساني ،وتختزله في الذكاء الرياضي والمنطقي ،فالرياضيات كانت هي نموذج الفكر الإنساني الراقي .
فالفيلسوف اليوناني أفلاطون كان يصرح : Il faut cinquante ans pour faire un homme » disait Platon. Mélangeant classicisme et une modernité parfois étonnante, ce philosophe grec élabore dans son Académie un programme d’étude pantagruélique, réservé aux âmes bien nées de la cité.
مرحلة العلوم الإنسانية
لكن أكبر طفرة تحققت لعلوم التربية هو اندماجها وتداخلها وتواصلها مع العلوم الإنسانية، بحيث تطورت الممارسات التربوية بشكل كبير في الآونة الأخيرة، بفضل التطور الواسع والانجاز الكبير الذي تحقق في ميدان العلوم الإنسانية والتي وجهت بحوثها نحو الوجهة التطبيقية الميدانية ، فاستفادت التربية من هذه الثورة المعرفية ،ومن الطفرة العلمية التي عرفتها العلوم الإنسانية في فروعها المتعددة ،بعد انفصالها واستقلالها الكلي عن الفلسفة، ما يعني مبدئيا وبشكل صريح ، بعناية العلوم الإنسانية واهتمامها بالقضايا التربوية تنظيرا وتطبيقا وممارسة وتوصيفا. .
فعلم النفس التربوي قارب كثيرا من القضايا التي هي من قبيل القضايا التي تنتهي إلى منهن التربية والتكوين مصل الخوف ،الطفولة ،المراهقة ،الخجل ،التعثر،مشكل التوافق المدرسي. . .
والذي يؤكد هذا الاحتضان والتقارب المشترك بين التربية والعلوم الإنسانية،هو حضور المباحث والقضايا التربوية في ثنايا البحوث والدراسات التي تنتمي إلى العلوم الإنسانية .
وهو الاعتبار الذي أشار إليه الباحث الدكتور محمد جسوس*عندما قال لا توجد علوم تربوية بالمعنى العام ،و إنما توجد علوم إنسانية استحضرت المجالات واشتغلت على القضايا التي لها صلة مباشرة بمجال التربية وبمهن التدريس.
فرغم أن العلوم الإنسانية تختلف فيما بينها في موضوع دراستها وفي مقاربتها لشخصية الإنسان في أبعاد المتعددة ،فإن المشترك بينها هو استحضارها للإنسان ،ودراسته من هو موضوعا قابل للمقاربة النفسية والاجتماعية والثقافية واللغوية والتربوية والتاريخية.
ومن أبرز العلوم الإنسانية ذات الاهتمام والصلة بالتربية:علم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي -علم الثقافة- والاقتصاد واللسانيات التطبيقية -.
ولا نعني بهذا الكلام بأن العلوم الإنسانية بمفردها هي التي اتجهت إلى الاشتغال على التربية واستحضرت قضاياها دون أن تكون لباقي العلوم الأخرى مشاركة أو مساهمة فعلية في هذا الاشتغال، لكن نقول كان للعلوم الحقة والعلوم الطبيعية ،وعلوم الحياة هي الأخرى نصيبها من هذه المشاركة في تطور البحث في علوم التربية .
وما يعزز هذا الاختيار أن كثيرا من أعلام التربية المشهود لهم بالمشاركة الرائدة و المساهمة الفعلية ومن الحضور الوازن والمتميز في الميدان التربوي ، دخلوا إلى هذا العلم –علم التربية – واقتحموا مباحثه الكبرى من غير أبوابه المعهودة ، وإنما كان ولوجهم إلى علوم التربية من أبواب أخرى غير معهودة ولا مألوفة ، أعني أبواب العلوم الإنسانية مثل علم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات وعلم الانثروبولوجيا .
يعني هذا الكلام أن أعلام البيداغوجيا الكبار الذي تركوا آثارهم وبصماتهم في هذا العلم كانت اسبقيتهم العلمية هو تخصصاتهم الأولى التي اشتغلوا فيها و اشتهروا بها ، قبل أن يختصوا في علوم التربية مثل العالم البيولوجي :جون: بياجي ” Jean Piaget) الذي كان في بادئ أمره عالما بيولوجيا قبل أن يكون مربيا وعالم النفس ،وهو من مؤسسي المدرسة البنائية .
إن هذا الحضور الواسع للتربية في كثير من التخصصات العلمية والمجالات المعرفية ،والفضاءات التربوية مؤشر واضح على مدى تداخل المعارف و العلوم الإنسانية والحقة في التأسيس العلمي لعلوم التربية .
فالتكوين السيكولوجي للمعلم وتمكن والمدرس من علم النفس ،القصد منه هو تمكين هذا المدرس بمجموعة من المعلومات حول سيكولوجية الطفل والمراهق ،وهذا يساعده على المعرفة بشخصية المتعلم وإدراك حاجياته ، وتمكينه من ممارسة عملهم ومهنتهم .
مرحلة الاستقلال
ستنتقل العلوم التربوية إلى مرحلة ومحطة أخرى أكثر تقدما وارتقاء ،لتستقل بموضوعها وبمناهجها وتختص بلغتها المفاهيمية ،لكن قبل أن يتحقق لها هذا الاستقلال عن العلوم الإنسانية والحقة ، فقد مرت التربية بامتداد تاريخي طويل وقطعت عدة مراحل ومرت بعدة أشواط ، وتخطت عدة حقب .
وهو المعطى الذي جعل من التربية تنال موقع الصدارة في جميع المشاريع الإصلاح ،وفي جميع المجتمعات البشرية….
بحيث ساهم في هذا الاستقلال في تداخل كثير من العلوم مع التربية وكان لها الفضل والفعل في تشكل هذا العلم الجديد المسمى بعلوم التربية . .
فابرز ما شهدته التربية في الفترة المعاصرة -كما قال الباحث محمد الدريح- كان هو السعي نحو التمحور حول المتعلم .وهو ،ما يعني أن هذا المتعلم هو الذي ينبغي أن يشيد تعلماته ،وان يتيقن أن لا احد يعوضه في هذه العملية التربوية التي يجب أن يباشرها بذاته …
وبعبارة مختصرة وموجزة ” الانتقال مما يقوله المعلم إلى ما يقوم به المتعلم أي الانتقال من محتوى التعلم إلى كيفية التعلم ”..
وعلى الإجمال نقول إن البيداغوجيات الجديدة تجعل المتعلم في قلب الاهتمام والتفكير والفعل، من خلال مشاركته في بناء العملية التربوية التكوينية، حتى ينهض بوظائفه الكاملة مع مختلف المتدخلين التربويين والإداريين بالمؤسسة التربية التي يدرس فيها .”
-التربية في الفضاء الإسلامي
تحتل التربية موقعا متميزا وخاصا في فضاء العلوم الإسلامية، وهو ما تؤكده مؤشرات التأليف، و تزكية دلائل التصنيف في هذا التخصص المتعلق بعلوم التربية ،وهي مؤشرات مظهرة و علامات مؤكدة على مدى حضور الممارسات التربوية في الفكر التربوي الإسلامي.
ومن المشترك العام والجامع بين تعاريف علماء الإسلام للتربية، هو اتفاقهم المبدئي في كون التربية هي التنشئة المستمرة على الخصال والقيم الحميدة والنبيلة ..
وبالتالي لابد من الاعتراف المبدئي بمساهمة وريادة علماء الإسلام في تطوير الفكر التربوي بجميع فروعه ،وهو المعطى الذي يؤكد بأن التربية شكلت أحد مشاغل واهتمامات علماء الإسلام قديما وحديثا ، فرغم اختلاف اختيارات وتوجهات علماء الإسلام، وتخصصاتهم العلمية ومنازعهم المعرفية وانتماءاتهم المذهبية،فان حضور الممارسات التربوية ظلت راسخة وحاضره متأصلة عندهم بشكل قوي وبحضور كبير.
ومن أبرز التجليات الدالة على مدى حضور الممارسات التربوية في الحضارة العربية الإسلامية هو تلك المؤلفات والمدونات والمصنفات التي الفت في هذا العلم ،والتي تدل على مدى قوة اشتغال علماء الإسلام على التربية وعلى طرق التدريس والتعليم.
ومن هذه المؤلفات الدالة على مدى حضور الممارسات التربوية في التراث العربي الإسلامي كتاب” أعلام التربية العربية الإسلامية” وهو موسوعة شاملة وواسعة و ضخمة ، إذ عمل مؤلفوه على استحضار أهم الأعلام والمفكرين التي اشتغلوا على التربية في الحضارة العربية الإسلامية في امتدادها التاريخي ،فهو كتاب حافل وغني بالنصوص والنقول والشواهد والمصنفات والنماذج ،والشخصيات التي ساهمت من قريب أو بعيد في تطور الفكر التربوي الإسلامي.
ومن الكتب الأخرى التي نسوقها مثالا وشاهدا للتأكيد على مدى اشتغال علماء الإسلام على التربية كتاب :الفكر التربوي الإسلامي عبر النصوص لمجموعة من الباحثين تحت إشراف الدكتور محمد الدريج وهو من إصدار مجلة علوم التربية ،وكانت سنة الإصدار هي: 1992.
هذه القوة التي كانت لعلم التربية في الحضارة العربية الإسلامية تعود أن المرجع والمدار المؤسس للتربية في الإسلام كان هو القرءان الكريم والسنة النبوية ، إذ شكل القرءان الكريم بجانب السنة النبوية مرجعا دينيا راسخا و اختيارا ثابتا للمسلمين في ممارسة التفكير، وفي إعمال النظر في هذا الكون الذي سخره الله للإنسان حتى ينتفع به .
وللوصول إلى تحقيق هذا المبتغى النبيل ،كانت التربية في الإسلام رافدا موصلا لتحقيق وتأصيل القيم العليا التي تتوقف عليها حياة المجتمع البشري ،والعمل على ترسيخها وإشاعتها بين الفرد والمجتمع، لان القيم عادة ما تختزل في السوكات الضابطة للفرد والمجتمع وهي الموجهة للإنسان في سلوكه .
استنتاج
لكن رغم هذا الاعتراف المبدئي بحضور الممارسات التربوية في التراث التربوي الإسلامي بشكل كبير ووازن ، فإن النقاش بين الباحثين مازال مستمرا ،وأحيانا حادا ومفتوحا حول القيمة العلمية والمعرفية للتراث التربوي الإسلامي ومدى تفاعله مع القضايا الكبرى في التربية ،وهو النقاش التي اتجه إلى المحور المتعلق بالقدرات المعرفية والإمكانيات العلمية لهذا التراث حتى يساهم في حل المشاكل التربوية ويخفف من الاكراهات البيداغوجية والديداكتيكية التي تمر منها المنظومة التربوية اليوم في العالم العربي الإسلامي.
محمد بنعمر
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


