التنويريمنوعات

كيف تواجه الصيرفة الإسلاميَّة العولمة؟

ليس كل دولة تحصلت على الاستقلال السياسي هي حرة، طالما هي تتغذى على نظام اقتصادي أجنبي، وتعتمد في تجسيد مشاريعها على الخبرة الأجنبية واليد العاملة الأجنبية ( الجزائر نموذجا)، كما أن الرأسمال المالي الأجنبي يستطيع أن يسيطر على الضعيف  ويتحكم فيه في أي قطر كان ، حتى لو كان مستقلا، خاصة إذا كان البلد يعتمد على القروض الأجنبية في حل مشاكله الداخلية ( صندوق النقد الدولي)، فهذا الأخير عندما يضع شروطه يجبر الدول على التنازل السياسي، وهذا له علاقة مباشرة بالتفكير السياسي كما يقال، ومثال ذلك نجد الرأسمال المالي الإنجليزي يعمل في النرويج، والرأسمال المالي الألماني كان يعمل في بولونيا قبل انفصالها عن روسيا، فيما لا نجد الرأسمال المالي الجزائري لا يعمل في أي دولة، الأسباب تعود إلى ظاهرة التهريب وتبييض الأموال، والحقيقة أن الدينار الجزائري مهرب إلى البنوك الأجنبية ( فرنسا، سويسرا وغيرها) بأسماء شخصيات سياسية بعدما حولوه الى العملة الصعبة، وذلك على حساب جهد وكد الشعب الجزائري المضطهد ، والذي وجد نفسه غارقا في الفقر، وكم من مرة تكشف الصراعات السياسية عن الأموال المهربة نحو البنوك الخارجية .

 فالاحتجاجات اليوم والمسيرات السلمية (الحراك الشعبي) من أجل الإطاحة بالأنظمة الدكتاتورية والحكم المطلق والتحرر من التبعية للأخر، نرى صورتها في الثورات العربية التي أعطت مفعولها، حيث كانت دافعا قويا لقيام ثورات أخرى، كانت هذه الثورات بمثابة الحرب الدفاعية، أي دفاعا عن الوطن وثرواته الباطنية، وهذه الثورات برهنت مدى صحة النظريات الاشتراكية، والحديث عن الصراع الطبقي المليء بنكران الذات، لا حالة الطوارئ، وهذا يقود الى ما  ذهب إليه الفكر الإشتراكي (ماركس) عمّا سماه بـ: ” الماهية الواقعية للحرب” وهي وضع حد للاستعباد من قبل أمّة أجنبية، يقول المنظرون الاشتراكيون” إن الحرب هي استمرار السياسة، ولهذا وجب دراسة السياسة قبل الحرب، فإن كانت السياسة امبريالية فإن الحرب ستكون حربا  امبريالية، لكن الشخص العادي لا يفهم مقولة: “الحرية هي استمرار السياسة”، فهو يرى أن العدو غزا بلاده وكفى، ولا يستطيع أن يفهم بأن النظام الذي تتبعه البلاد هو سبب الحرب واستمرارها، وقد يسقطه النظام في الرجعية السياسية، أي الانعطاف من “الديمقراطية”.

من الديمقراطية إلى  الأوليغارشية

 من وجهة نظر اشتراكية فان الاحتكار تقابله الرجعية السياسية، والاحتكار لا يكون في الجانب الاقتصادي فقط ( احتكار السلع ) وإنما من وجهة نظر سياسية احتكار السلطة، ولهذا يري البعض أن “الإمبريالية هي نفي الديمقراطية بوجه عام ” وحتى في المسـألة القومية، أي فيما يتعلق بحرية الأمم في تقرير مصيرها، بمعنى انتهاكها، وحتى يكون الاحتكار شاملا ، كاملا،  لابد من إقصاء المزاحمين من كل الأسواق الداخلية والخارجية، ووفق النظرية الإشتراكية فإن استقلال الأمم السياسي يسمح بحريتها في تقرير مصيرها، لكن الإمبريالية تنزع الى انتهاك هذا المصير من خلال رشوة الموظفين (على سبيل المثال) والحصول على امتيازات من خلال استصدار قوانين ملائمة، كما تسعى الإمبريالية الى استبدال الديمقراطية بما يمكن تسميته بـ: ” الأوليغارشية” بوجه عام، والنظام الإمبريالي لا يسمح للشعوب أن تقرر مصيرها بنفسها وطبيعة نظام اقتصادها، كما أن العديد من الدول التي تدعي أنها “جمهوريات” لا تتبع في الحقيقة النظام الجمهوري، ودول لها برلمان لكنها لا تعمل بالنظام البرلماني، وفي دستورها تقول أن الإسلام هو دين الدولة، لكنها لا تطبق الشريعة الإسلامية، فالشعارات التي ترفعها هذه الدول وأنظمتها  في المناسبات وخارج المناسبات ماهي إلا مُسَكِّنٌ لتهدئ به ثورة شعوبها ، وهي في الواقع تطبق النظام الإمبريالي ( الخَوْصَصَة) وتقنينها، في إطار السُّوق الحُرّ ، والواقع يؤكد ذلك ، وما وجود المعارضة إلا دليل على فساد هذه الأنظمة.

 فحزب العمال في الجزائر كنموذج بقيادة زعيمته لويزة حنون ذات التوجه التروتسكي، والتي أعلنت حربها على الإمبريالية، ترى أن بناء الجمهورية مستحيل طالما الجزائر تطبق النظام الإمبريالي الذي خلق مجتمع الطبقات، وأصبح فيه الغني يمارس سلطته بصورة غير مباشرة ، ولا يسمح للفقير أن يكون في مستواه، نفس الرؤية التي قدمتها  جبهة الإنقاذ الإسلامية ، ولمن من زاوية مخالفة، فالفيس كانت له رؤية إسلامية لمشروع المجتمع الإقتصادي، المبني على العدالة والمساواة ومحاربة الفقر والبطالة،  ولو عدنا إلى وضع البلاد عشية الإستقلال وما خلفته حرب السبع سنوات  من خسائر لوقفنا على سبب اختيار الجزائر للنظام الإشتراكي، كنظام اقتصادي لا كـ: إيديولوجيا، وقد عبّر قادة حزب جبهة التحرير الوطني عن موقفهم  في ذلك ومنهم العقيد محمد الصالح يحياوي  عندما كان أمين عام للحزب، حيث قال:  أن الجزائر ترفض الإشتراكية إن كانت في غير إطار الإنتماء الحضاري العربي الإسلامي.

 فالأزمة حسبه كانت أزمة ثقة لا أزمة منهج، والذين كانوا يحاربون الإشتراكية (كنظام اقتصادي) كانت لهم نوايا وغايات من أجل الاستيلاء على الثروة،  شككوا في وطنية الرّجال دون حجة أو برهان،  وجاءوا بمشروع “الخوصصة”  جعلوا من الإسلام عملية “غوغائية” تدغدغ عواطف الجماهير بعد أن نهبوا ثروات البلاد ، فأسسوا الشركات وفتحوا حسابات في الخارج ، في سؤال وُجّه إليه حول الإسلام كمنهج حياة، قال العقيد محمد الصالح يحياوي رحمه الله : إن الإسلام هو دين العقل، يرفض الارتجال ويُدين التواكل ويشجب الفوضى، وتطبيق الشريعة الإسلامية  يتطلب تظافر كل الجهود وفقا لمخطط علمي  وبرنامج واضح  المعالم ، يتناول كل جوانب الحياة السياسية، الإقتصادية، الإجتماعية والفكرية ، لأنه يعتمد على الشورى، أي الممارسة الديمقراطية بتعبير هذا العصر.

ما هي الرؤية الاستشرافية للصيرفة الإسلامية؟

ففي ظل الانفتاح على السوق الحرة ، ربما حان الوقت لمراجعة كثير من المسائل المختلف فيها بين الاقتصاديين والإجابة على الأسئلة  التي لا تزال تطرح وبإلحاح في الساحة الإقتصادية ، وتشكل هاجسا لرجال المال والأعمال ( الباترونة) كيف تتعامل الأنظمة والحكومات مع  العولمة؟ لاسيما وهذه الأخيرة (العولمة) تعمل على استحداث نظم ومعايير دولية أحادية الطرف، وفرض تبعية المغلوب للغالب والضعيف للقوي والفقير للغني، أمام  التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم ووسائل النقل ، وظهور التجارة الإلكترونية، تداخلت فيها مفاهيم عديدة بين العولة والتغريب وبين العولمة والأمركة، خاصة مع ظهور “الصيرفة الإسلامية”  التي ادرجت مبادئ الشريعة الإسلامية في معاملاتها مع الشركاء ، وماذا حققته؟ وما لم تحققه؟ وماهي رؤيتها المستقبلية ، وهل هناك دراسات استشرافية للدول التي تبنت النظام البنكي  الإسلامي ، أمام هذا الغزو المفاهيمي للعولمة، وهل بإمكانها  محاربة الرّبا والرشوة، وكل الآفات الإقتصادية، في تعاملها مع البنوك الأجنبية؟ ، خاصة وأن العولمة كما يراها محللون تسعى تحت تأثير الشمولية الإقتصادية والمعلوماتية إلى فرض نمط أو نموذج مجتمع يقوم على استراتيجية الهيمنة وفرضه في المعاملات الإقتصادية.

 يقول الدكتور محمد مسلم في تحليله البعد الإقتصادي والإجتماعي للعولمة أن الغرب بقيادة أمريكا يسعي من خلال العولمة إلي نوع جديد من الهيمنة علي الإقتصاد العالمي عن طريق، إحداث الخلل في القدرات المادة والمعنوية للشعوب المستضعفة ليفقدها  قيم العمل وقيم المنافسة وقيم الإتقان وتحسين الأداء، وهذا ما سيؤدي بهذه الشعوب غلي فقدان الثقة في نفسها فتكون لها القابلية لكل اشكال التبعية للأخر، ولذلك نجد الأنظمة الغربية بقيادة أمريكا تتكلم دوما عن “محور الشرّ” l’axe du mal وهي تقصد بذلك  “الإسلام” بالدرجة الأولى، وهذا من منطلق ما أطلقت عليه بـ: سياسة “الصقور”، وهم اليمين المسيحي/ اليهودي المتطرف في أمريكا، وتعمل على استيعاب الأخر من خلال تبني جملة القيم والمعايير الإجتماعية  والثقافية وأنماط الحياة الجديدة، وهذه المعايير والأنماط لا تتوافق طبعا مع القيم التي جاء بها الإسلام ولذلك هي تحاربه وعلى كل الأصعدة والمستويات، وذلك بحجة تحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدان العالم.

___________

قراءة علجية عيش


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد