حضور اللُّغة في كتب علم أصول الفقه

image_pdf

تقديم:
 

-تحضر اللُّغة  بقوَّة في المدونة الأصوليَّة، وأحيانا بشكل واسع، وهذا الحضور يقف عنده  كل من تيسَّر له الاطِّلاع على المدونة الأصوليَّة فيما تحمله من نقول وشواهد ونصوص  تنتمي في معظمها  إلى المجال اللغوي.

لكن الجهة الغالبة التي تظل حاضرة بقوَّة  في مدارسة الأصوليِّين للغة،هي جهة الدلالة، وأعني جهة الألفاظ في علاقتها بالمعاني بجميع مستوياتها الورقة هذه  هي  محاولة أوليَّة للتعريف بالمجال اللُّغوي عند الأصوليِّين.

مركزيَّة النصّ القرآني

لقد تمخَّض عن مركزيَّة النص القرآني، ومحوريته في فضاء الثقافة العربيَّة الإسلاميَّة، أن قامت شبكة متكاملة ومتداخلة من العلوم لخدمة هذا النص في مستوى البيان والاستمداد والفهم والتفسير، وهذه العلوم تنعت بالعلوم الآلة، أوالعلوم المسدِّدة للفهم، والمعينة على البيان.

وعلم أصول الفقه تصدَّر قائمة العلوم التي اشتغلت على النصّ في جهة الاستمداد والبيان والتفسير، في المحور المعروف بمحور”الدلالات” .

فمن أبرزالمحاور العلميَّة المشكِّلة لهذا العلم، المحور اللغوي البياني والدلالي؛ حيث إن الاستدلال على الأحكام الشرعيَّة، وتمثِّل المعنى اللغوي والشرعي من النص، يتوقَّف على التحكُّم وضبط اللُّغة العربيَّة، والتمكُّن من علومها، والتحقُّق  من معارفها وفروعها وجهاتها.

إضافة إلى التحقُّق من ألفاظ النص من حيث الوضع، والاستعمال، ومن حيث التحوُّل الدلالي الذي يطرأ على هذه الألفاظ تبعا للسياق والمقتضى الذي ترد  فيه تلك الألفاظ  المختلفة، أعني المجال السياقي، لما له من أثرفاعل في تعيين المعاني المتعدِّدة، والفصل بين ما هو أصلي وما هو تبعي.

فالمعرفة باللُّغة العربيَّة لمتفهِّم النص، هي نتيجة لازمة لهذا المقتضى المعرفي والمنهجي، والمحدَّد في مقتضى عربيَّة الشريعة الإسلاميَّة في نصوصها وخطابها، ونزولها وفق مقاصد العرب في تخاطبهم وتفاهمهم وتحاورهم، فإنَّه من الواجب على من قصد الفهم والبيان والتفسير، أن يكون عارفًا مدركًا ومتمكِّنًا من ضوابط اللُّغة العربيَّة،ومن قواعدها الاساسيَّة[1].

فالدرس اللغوي عند الأصوليين اتجه إلى التركيب والدلالة والمعجم والسياق، ويراد بالسياق  المقتضيات المحيطة بالخطاب[2].

قال الإمام الرازي  (ت606هـ) في كتابه المحصول: “لما كان المرجع في معرفة شرعنا إلى القرآن والأخبار، وهما واردان بلغة العرب ونَحْوِهم وتصريفهم؛ كان العلم بشرعنا موقوفًا على العلم بهذه الأمور”.[3]

وبالتالي فبحكم عربيَّة الشريعة الإسلاميَّة في تراكيبها وتعابيرها، فإنَّ من الواجب على من اختار التفسير وباشر الفهم للنص الشرعي أن يكون على معرفة باللُّغة العربيَّة،ضابطا لقواعدها، وتمكّنا من سننها في التخاطب،لأنَّها هي السبيل  والطريق إلى فهم الخطاب الشرعي.

وهو ما يعني أن الاجتهاد في الأحكام يستلزم منه الاجتهاد في اللُّغة، وأن الضعف  والتقصير في طلب اللُّغة العربيَّة، أو الإعراض عن علومها، عادة ما  يجنب المستدل الصواب، ويعرضه للخطأ، ويجعل استدلاله على الأحكام عرضة للانحراف والزلل؛ بحيث تغيب عن هذا الاستدلال المقاصد العليا  الحاكمة التي جاءت بها الشريعة الإسلاميَّة.

هذا الإشكال  المتعلق بحضور اللُّغة في مدونات  وكتب علماء الأصول، هو الذي جعل جزءا من مباحث علم أصول الفقه تتجه نحو المباحث  اللغويَّة عامة، والدلاليَّة خاصة “فالسلطة المرجعيَّة في علم أصول الفقه كانت للبحوث اللغويَّة، والمحور الرئيس الذي ينتظم هذه البحوث هو علاقة اللفظ بالمعنى”[4].

فالبناء المشيد لعلم أصول الفقه هو قيام هذا البناء على اللُّغة العربيَّة، وطرق دلالة ألفاظها على المعاني .

جاء في البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي (ت794هـ) :”معرفة الإجمال والتبيين والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، ودلالة الأمر والنهي، وما أشبه ذلك. ويخص أكثر هذا الوجه بجزء الأحكام  من القرآن،ويؤخذ هنا من أصول الفقه، ومعظمه في الحقيقة راجع لعلم اللُّغة”.[5].

وعليه نقول إن  البناء  العام  الذي يقوم عليه  بناء علم أصول الفقه، قائم على العلم باللُّغة العربيَّة ،وعلى طرق دلالة ألفاظها ومعانيها وعباراتها، لأن هذا  العلم عبارة عن منهج اجتهادي، والاجتهاد لا يحصل إلا بالمعرفة باللُّغة العربيَّة والتمكُّن من علومها ….[6].

علاقة  علم أصول الفقه واللُّغة العربيَّة:

إن التقارب المعرفي والمنهجي بين اللُّغة العربيَّة وعلم أصول الفقه تشهد له وتجسّده مختلف الكتب والمدونات الكبرى المؤلفة في علم أصول الفقه، خاصة الكتب التي تعد من  قبيل الأُمَّهات مثل: البرهان لإمام الحرمين (ت 487هـ), والمستصفى للإمام الغزالي (ت505هـ), والمعتمد لأبي الحسين البصري (ت436هـ), والعمد للقاضي عبد الجبار الهمداني (ت415هـ), وإحكام الفصول لأبي الوليد الباجين484ه, والأحكام في أصول الإحكام لابن حزم الأندلسي (ت456هـ), والمحصول للإمام فخر الدين الرازي (ت606هـ), ونفائس الأصول للقرافي (ت684هـ), والبحر المحيط للزركشي (ت794هـ)، وتقريب الوصول إلى علم الأصول لابن جزي الكلبي الغرناطي (ت741 هـ)،والموافقات للإمام الشاطبي الأندلسي (ت790هـ).

فهذه المؤلفات الأصوليَّة وغيرها كثير، تحضر فيها اللُّغة بشكل قوي إلى درجة أن أغلب المباحث  في هذه المدونات هي مباحث لغويَّة ودلاليَّة، تدور في محور الألفاظ، وهو المحور المعروف بمحور الدلالات.

فمن أهم التوجهات المنهجيَّة في التفسير والبيان للنص، إقدام الأصوليين على مدارسة اللفظ، ومتابعته في مختلف الجهات والزوايا راصدين جهة الوضوح والخفاء بشكل أكثر.

على هذا الاعتبار المذكور، فقد رصد علماء الاصول  معاني الالفاظ  ودلالته من جميع المستويات، بحيث يتعذر ضبط جميع هذه المستويات، وكانت هذه المتابعة من أول وضع الواضع إلى آخر فهم السامع.

ومن العلوم التي شدَّد عليها علماء الأصول، باعتبارها من الأدوات المعينة  والمساعدة على التفسير علم النحو، وهو من العلوم الأساسيَّة  في فهم الخطاب الشرعي، واستجلاء الدلالة وإظهار المعنى، ومن ثم “ففرض على كل فقيه أن يكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن”[7]، فهو من العلوم الضروريَّة للمفسرومتفهم النص كما أشار إلى ذلك ابن حزم “بحيث لو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن الكريم”[8].

اللفظ  والمعنى عند الأصوليين

واللفظ عند الأصوليين وسيلة إلى تحقيق الفهم، وأداة لإبلاغ المعنى مع مراعاة السياق والقصد من التخاطب. وهذه العناية باللفظ داخل التركيب مع مراعاة جانب الاستعمال والسياق،يعود على أن  العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني وإنما الألفاظ  هي أدوات وأوعية حاملة لتلك المعاني[9]، وهذا مظهران من أبرز المحاور المشيدة للمكون اللغوي في علم أصول الفقه هو محور اللفظ في علاقته بالمعنى،وهو المسمى والمنعوت بمحور الدلالات،لأن الدلالة هي النسبة الجامعة بين اللفظ للمعنى، أوهي العلاقة الجامعة والمتبادلة بين الألفاظ والمعاني في مختلف المستويات.

فالاشتغال على المعنى من حيث التحصيل والاستمداد، كان قاسما مشتركا بين اللغويين والأصوليين، إلا أن الملاحظ أن مباحث الدلالة عند اللغويين قد تأثرت بمباحث الأصوليين في تقعيدهم لفهم النص.[10]

وحضور مبحث اللفظ  بشكل قوي في مباحث الأصوليين يعود –كما قال الدكتور طه عبد الرحمان-إلى أن المباحث اللفظيَّة من أهم  المداخل الأساسيَّة، والمقدمات المنهجيَّة التي بها  يمكن من معرفة مضامين النصوص ومقاصدها، والوقوف على أساليب الاستدلال وضوابطه المنضوية تحته، فبدون معرفة قوانين اللُّغة ومنطقها في العبارة،لا يمكن الوصول إلى هذه المضامين والأساليب.

بهذا الاعتبارات المشار اليها، فالدخول إلى النص طريقه ومفتاحه هو معرفة الألفاظ والعبارات وتحصيل معانيها ووجوهها، ومقاصدها،وهذا الدخول مشروع بل هو أمر واجب على  الراغب في تفسير النص بصفة عامة”[11].


[1]منهج الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي للدكتور عبد الحميد العلمي منشورات وزارة الاوقاف المغربيَّة:2002. ص223

[2]–التصور اللغوي عند الأصوليين للسيد عبد الغفار مكتبات عكاظ-ط-1- السنة:1418ه . ص32

[3]-المحصول لفخر الدين الرازي تحقيق طه جابر العلواني :1/26

[4]-بنية العقل العربي لمحمد عابد الجابري:ص57:

[5]-البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي:ص:1/15

[6] -الخطاب الشرعي وطرق استثماره  للدكتور ادريس حمادي : 476

[7]– الإحكام لابن حزم: 5/126.  

[8]– رسائل ابن حزم تحقيق احسان عباس : 3/162.

[9]-مصطلح اللفظ عند الأصوليين للدكتور عبد الحميد العلمي. : .مجلة الدراسات المصطلحيَّة والعلوم الإنسانيَّة. منشورات كليَّة الآداب فاس ساس السنة 2000.  ص232: 

[10]– الدلالة ومباحثه في التراث العربي لعبد الجليل  منقور:ص15

[11]-الحوار افقأ للفكر لطه عبد الرحمان:ص164.

وسوم:

اترك رد

جديدنا