في محراب الوهج التنويري للمفكِّر العربي ماجد الغرباوي

image_pdf

يرتجف القلم… فتتصادم أبراج الحروف وتتلجلج الكلمات وتهتز المعاني وتموج الدلالات عندما تقف في المحراب النقدي للمفكر الكبير ماجد الغرباوي بوحاً بالقيمة الإنسانية والعلمية لقامة فكرية يندر مثيلها في الفضاء الفكري والثقافي العربي المعاصر.

وقد لا أجامل ولا أبالغ إذا قلت إنّ مفهوم الثقافة والمثقف قد ارتبط عندي باسم الغرباوي الذي غمر الفضاء الفكري العربي بفيض متدفق من المقالات والأبحاث والكتب والأعمال الفكرية التي اتسمت بالطابع النقدي التنويري لمختلف وضعيات الحالة الراهنة للفكر العربي بمعطياته الثقافية والحضارية. ولا يخفى على أحد أن الأعمال الفكرية التي قدمها الغرباوي تشكل في تخاصبها مشروعا فكريا تنويريا نقديا متكاملا وضعه للنهوض بالتراث الفكري العربي القديم والحديث لتحريره من عوامل عطالته وجموده وإبراز الجوانب العقلانية الخلاقة التي تكتنفه منذ البدايات الأولى لتشكل العقل العربي في صدر الإسلام حتى يومنا الحاضر. ومن يخوض في الإشراقات الفكرية لمشروع الغرباوي سيجد ومضات فكرية فريدة من نوعها في التناول النقدي الفريد للعقل العربي الإسلامي وفي استكشاف الكثير من الجوانب الإبداعية التي خفيت على كثير من رواد الفكر العربي النقدي ممّن سبقوه في تناول هذا التراث نقدا وتحليلا ورصدا وتفسيرا.

ينتمي الغرباوي فكريا إلى جيل النقاد العمالقة الذين سبقوه أمثال الجابري ومحمد أركون وصادق جلال العظم والطيب التيزيني، وقد تميز برؤيته النقدية الفارقة للتراث والفكر العربي المعاصر في مشروعه المتجدد الذي يزخر بمعطيات منهجية جديدة ورؤية علمية مبتكرة لمختلف قضايا التراث العربي وقضايا الحياة الثقافية الحداثية المعاصرة.

وغني عن البيان أن مشروع الغرباوي الفكري يهدف إلى تحرير العقل العربي من هالته السحرية الأسطورية وتقديم فهم جديد للتراث الفكري الديني يقوم على تأكيد العقل والعقلانية ويسعى إلى تحرير العقل العربي من الدوغماتية القاتلة والمذهبيات العنصرية الخانقة التي يكرسها عقل فقهيّ نصّيّ تقليديّ يحاصر الإنسان ويدمر العقل والعقلانية في مختلف أنماط الحياة والوجود في الحياة العربية الإسلامية. وهو في سياق هذا المشروع يدعو إلى تحرير العقل العربي من أمراض الطائفية والعنصرية والتعصب وإلى تدمير مختلف المظاهر الخرافية والأسطورية التي تحاصر العقل والعقلانية منذ العصر الوسيط الإسلامي حتى اليوم. ويتضح من القراءة المتأنية لأعمال الغرباوي أن مشروعه الفكري يشكل سعيا نقديا متواصلا ومستمرا لتثوير النص الديني وتجديده في ضوء معطيات العصر بما ينطوي عليه من توجهات عصرية حداثية وما بعد حداثية. ويمكننا القول في هذا السياق إنّ مشروع الغرباوي يتميز عن غيره من المشاريع الفكرية العربية بأنّه استطاع أن يقدم رؤية عصرية للتراث وفق أحدث المناهج النقدية المبتكرة، وهي رؤية عميقة لطبيعة التفاعل بين الماضي والحاضر والمستقبل، بين التراث الديني بسلبياته وأوضاع الحضارة الغربية المادية بأمراضها وعفنها. وقد حاول في تناوله هذا العمل على نقد الماضي والحاضر ونقد التراث الفقهي، ومن ثَمَّ نقد الحداثة المعاصرة في تأثيراتها السّلبيّة.

وبين الاتجاهين النقديين عمل على تقديم مشروع نقدي يتميز بالخصوبة، إذ يستكشف فيه العمق الأخلاقي والقيمي للتّراث فيخاصب بينه وبين العمق العقلاني للحضارة المعاصرة. وهو في كل ذلك يسعى إلى تقديم تصور للوضع الاغترابي الذي تعيشه الحضارة الغربية المعاصرة، ويبحث في صدام الحداثة الغربية الموجعة بالقدامة التراثية في مآسيها الأخلاقية والدينية، ويحاول في اتجاه التجاوز الحضاري لأمراض التراث وأمراض الحضارة المادية على السّواء أن يعمل على تقديم تصور لمجتمع عربي يستأنس بالقيم العقلانية للتراث ويخاصب بينها وبين القيم العقلانية التواصلية للحضارة الغربية نأيا عن السلبيات التي تعانيها الحداثة الغربية المعاصرة. وهو في هذا الأمر يؤكد على أهمية النقد والمراجعة النقدية المستمرة من أجل تقديم فهم عميق متجدد للدين، كشرط أساس لأي نهوض حضاري يساهم في ترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة، في إطار مجتمع مدني خالٍ من العنف والتنابذ والاحتراب.

ويتمثَّل مشروع الغرباوي في مجموعة كبيرة من الأعمال الفكرية التي يتناول فيها مختلف قضايا العصر في  ضوء مناهج نقدية جديدة ومتطورة. وإذا كان لنا أن نسرد بعضا منها فإنه ينبغي علينا أن نشير إلى الأعمال التالية التي اتخذت لها عنوانا جامعا : ” متاهات الحقيقة التي يبحث فيها عن المقدس ورهان الأخلاق وتراجيديا العقل التراثي، والمرأة  وآفاق النسوية، وتحرير الوعي الديني، ومضمرات العقل الفقهي، والفقيه والعقل التراثي، ومواربات النص والهوية والفعل الحضاري،  والنّصّ وسؤال الحقيقة، ونقد مرجعيات التفكير الديني، وجدلية السياسة والوعي، وقراءة في تداعيات السلطة والحكم في العراق. ومن يطالع هذه العناوين سيدرك بأن مشروع الغرباوي لم يقف على أعتاب التراث لينغمس فيه، بل تحرك في أعماقه لينطلق منه إلى معالجة مختلف قضايا العصر الحداثي وليبحث في أكثر إشكالياته الفكرية والاجتماعية صعوبة وتعقيدا، ويتجلى ذلك أيضا في تناوله لقضايا الحركات الإسلامية (قراءة نقدية في تجليات الوعي)، والضد النوعي للاستبداد ،واستفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، وتحديات العنف، وقضايا التسامح ومنابع اللاتسامح (فرص التعايش بين الأديان والثقافات) وإشكاليات التجديد. ولا ريب أن هذه الأعمال تشمل معظم القضايا الفكرية والسياسية والأخلاقية التي تفرض نفسها  بدرجة كبيرة من الأهمية في عالمنا المعاصر. ومن الواضح أن الغرباوي قضى حياته مفكرا ومجددا وكاتبا وناقدا لم يتوقف  يوما عن الإنتاج العلمي والفكري على مدى حياته وقد بلغ السبعين عاما من العمر.

ومن الضرورة بمكان الإشارة في هذا المقام إلى أن  العطاء الفكري الغرباوي الغزير يقوم على أسس منهجية عقلانية متجددة. ومما لا ريب فيه أن الغرباوي قد اجترح منهجا فكريا نقديا يتناسب مع تطلعاته  الفكريّة ويتميز منهجه بطابعه النقدي الذي يقوم على الرصد العميق لمختلف القضايا الفكرية التي يتناولها، كما يعتمد على التفكيك المنهجي النقدي للفكر والحفر الأريكولوجي في أعماق القضايا التي يبحثها، وهو يبحث – إذ يبحث – نقديا في أصولها ومضامينها واتجاهاتها الأيديولوجية وفي مستويات تأسيسها. ويمكن القول باختصار  إنّ المنهج النقدي العقلاني الذي نجده  عند الغرباوي يتميز بالأصالة والتفرد وينسجم مع طبيعة القضايا التي يعالجها.

ومن الأهمية بمكان أيضا الإشارة إلى الأسلوب الأدبي الرشيق الذي يتدفق حيوية وجمالا وبساطة، إذ عندما يقرأ المرء أعمال الغرباوي يشعر  بنوع من الانجذاب السحري ويستغرق في قراءة يشعر فيها أنه يتموج على صفحات تدفقات موسيقية شعرية  مفعمة بالدلالات والمعاني.

ومن العطاءات الفكرية التي تسجل  للغرباوي إسهاما لا يمكن أن ينسى في تاريخ الثقافة أنه  شيّد مؤسسة المثقف العربي في سيدني (بأستراليا) التي  كان لها دور كبير في نشر عدد كبير من الكتب والدراسات والأبحاث المهمة في الثقافة والفكر والحضارة الإنسانية. والأهم من ذلك كله  أنّه أطلق صحيفة المثقف التي تعد اليوم واحدا من أهم المنابر الفكرية والثقافية في العالم العربي، وهي تصدر يوميا  متألقة بعدد كبير من المقالات والدراسات الفكرية النقدية في مختلف أنحاء العالم العربي. وقد وجد المفكرون والمثقفون  موئلهم الثقافي للنشر اليومي في “المثقف” التي أصبحت اليوم منارة فكرية وثقافية تومض بعطائها النقدي في العالم العربي.

وفي شهادتنا هذه يمكننا القول  إنّ الغرباوي يشكل اليوم منارة فكرية ثقافية وهو في الوقت نفسه بأعماله وكتاباته الإبداعية وإنجازاته الفكرية يمثل حركة فكرية ثقافية نقدية في العالم العربي، وقد جمع حوله في مركزه البحثي وفي مجلته معظم المثقفين والمفكرين العرب النقديين المتنورين الذين وجدوا التشجيع من قبل الغرباوي للخوض النقدي التنويري في عالم الفكر والثقافة.  وإذا كان لي أن أصف الغرباوي فإنني أراه اليوم وهو يكافح ويناضل أشبه ما يكون ببروميثيوس الذي نزع الشعلة من أيدي الآلهة ليضيء بها  أرجاء الأرض فلا يترك منها ركناً خافياً في عتمة الظلام، وها هو  يومض بقبس من النور ليبدد ظلام التخلف الثقافي والفكري في عالمنا العربي. إنه مثال للمثقف الحر الأصيل النقدي الذي يحدثنا عنه غرامشي، المثقف الذي يرتبط بالمصير ويضحي من أجل الحياة والنقد والتنوير. لقد أرادنا أن نتحرر من أنماط التدين المتوحش، الذي يفترس حياتنا الثقافية ويُكرّس الجهل والخوف في أوصالنا… لقد أراد بمشروعه الفكري أن يجعل من الإنسانية غاية والأخلاق قيمة حضارية وأن يرسخ الإيمان العظيم بالحق والحرية والكرامة الإنسانية، فأراد أن يطهر الثقافة العربية والعقل العربي من غشاوات السحر والخرافة والأوهام وهيمنة الأساطير كي يضعنا على طريق الحق والخير والجمال.

وفي الختام أقول عرفت الغرباوي جيّد المعرفة في تواصلي الفكري معه عبر صحيفة المثقف، ولا أخفيكم أنه قد أذهلني بما هو عليه من خلق عظيم وهو خلق العلماء والأنبياء …. شدني إليه هذا التواضع وهذا الحب الإنساني ….. وعلى الرغم من  علوّ قامته الفكرية بل شموخها فإنك تشعر عندما تتفاعل معه  بأنّه جوهر التواضع ومعدن الحكمة والفطنة ….. وأقولها بصدق ودون مجاملة أبدا  إنّني فخور بالصداقة والمعرفة  اللّتين  جمعتاني بقامته الفكرية الشامخة، وسأعتز بصداقته مدى الحياة …  إنّه رمز من رموز الكرم والتواضع والأخلاق.  وأسمح لنفسي أن أقول فيه ما قاله زهير بن أبي سلمى في الكريم والكرم:

تَراهُ إِذا ما جئتهُ مُتَهَلِّلاً ….. كَأَنَّكَ مُعطيهِ الَّذي أَنتَ سائِلُه

كَريمٌ إِذا جِئت لِلعُرفِ طالِباً ……حَباكَ بِما تَحنو عَلَيهِ أَنامِلُه

وَلَو لَم يَكُن في كَفِّهِ غَيرُ نَفسِهُ …… لَجادَ بِها فَليَتَّقِ اللَّهَ سائِلُه

وأخيرا نسأل الله للمفكر الكبير ماجد الغرباوي العمر المديد، ونسأل الله أن يمده بالصحة والعافية وأن يحقق أحلامه الكبرى في تحقيق مشروعه الثقافي الفكري العظيم.

وسوم:

اترك رد

جديدنا