التلقي في التراث الفكري العربي

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من سلسلة أطروحات الدكتوراه كتاب التلقي في التراث الفكري العربي لخالد عبد الرؤوف الجبر. يقع الكتاب في 392 صفحة. ويشتمل على ببليوغرافية وفهرس عام.

يعالجُ الكتاب التلقّي في التراث الفكري العربي وحدَه، غيرَ مَقيسٍ بالرؤية الغربية للتلقّي لدى مدرسة “كُونستانس”؛ ذلك لأنه يسعى إلى استقصاء الموضوع باستقلالية تؤسِّس لنظرية عربية في التلقّي، حيث تُمكَّن الخُلاصاتُ التي توصّل إليها من عَقْد مقارنة بين الرؤيتين: التراثية العربية، والحداثية الغربية. ثم ينتقل إلى مناقشة أطراف عملية الإبداع: المُبْدِع، والنص، والمتلقّي. ويقدّم خلاصة ما اشتمل عليه التراث الفكري العربي في إنتاج المعنى، وطُرق التلقّي واتجاهاته، وجدلية العلاقة بين الإبداع والتلقي.

الكتاب في الأصل رسالة جامعية لنيل درجة الدكتوراه في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، من الجامعة الأردنية عام 2002، حرص مؤلفه على الانفتاح على مصادر التراث الفكري العربي في حقولها المتنوعة، فامتدت من الأدب والنقد والبلاغة إلى الفلسفة والكلام والفقه والتفسير.

المتلقي والنص

قد يظن ظان أن مفهوم المتلقّي في التراث مقصور على من يتلقى النص بوصفه حاضرًا أمام المبدع، والواقع يوجهنا نحو فهم أشمل؛ إذ إن هذا الصنف من المتلقّين لا يكون إلا حين يوجَّه الخطاب الأدبي إلى متلقٍ مقصود بعينه، ولا سيما في أساليب الإخبار والحوار والمجاذبة؛ بمعنى أن يكون هو المخاطب مباشرةً بالنص، أو هو المقول له. أما بقية النصوص فإنها موجهة إلى متلقٍّ افتراضي، وكأن المسألة افتراضية في كثير من جوانبها، ووسيلة إيضاح حاول النقاد بوساطتها شرح بعض خصائص الأسلوب، وليست مسألةً جوهريةً في صياغة الكلام.

وقد يتوهم أن القوم بلغت بهم السطحية حدًّا جعلهم يتصورون أن المبدع لا يستبطن إحساسه الخاص في كل كلام يصوغه، وإنما تكون عينه على المتلقّي المقصود الذي لا يخلو من أن يكون منكرًا أو مترددًا أو خالي الذهن، أو منزلًا منزلة واحد من هؤلاء، وأنهم لهذا كانوا يدرسون كلام العوام وأخبارهم ومجاذباتهم اليومية، وتكلموا على المخاطب لا المتكلم؛ لأن القرآن من عند الله، والكلام على المتكلم وأحواله وما يعرض له لا يستقيم مع درس القرآن.

ولو حقق النظر في القضية لظهر جليًّا أن الأمر يعود إلى المبدع نفسه؛ لأن النص – حتى في النصوص الإخبارية والحوارية والإقناعية التي يكون فيها المتلقّي مقصودًا – يتأثر بما وعاه المبدع من حال المتلقّي؛ أي إن مقدار تأثير المتلقّي في النص لا يعدو أن يكون مقدار حاله المنعكسة في نفس المبدع، ولا يتأثر الأخير بحال المتلقّي في ذاته حين إنتاجه؛ وبهذا يصبح المتلقّي مثيرًا من المثيرات التي تؤثر في المبدع، وبمقدار ذلك التأثير تطرأ على النص ملامح كان يمكن أن لا تطرأ لولا التأثر بحاله.

المتلقي والمعنى

إنّ الحديث عن اختلاف المتلقّين في تلقّيهم النصّ قد يكونُ بدهيًّا، لما قدّم التراثُ من حتميّة الاختلاف، بيد أنّ الحديث عن الاختلاف في حدّ ذاته لا يعني كونه مُسوّغًا إلا إذا أقرّ هذا التراثُ بقبوله، ولعلّ ظاهر الأمر في التاريخ يُفضي بالباحث إلى الحُكم خطأً بانتفاء ذلك القبول؛ لكنّ السائد في النصوص يجعلُ من العسير اعتسافها، ويُلحُّ على الباحث بأن يتأنّى ويُدقّق قبل الإفضاء إلى النتيجة.

وقد يكونُ أوّلُ الشواهد الحيّة على ذلك الاختلاف في ما تتيحُه النصوصُ من آراء وأحكام وفُهوم، هو هذا الكمّ المتنوّع الذي لا سبيل إلى ردّه من الشروح والتفسيرات، والمصنّفات التي يُباينُ كلّ منها غيره حتّى في القضايا العَقَديّة، وهو دالّ – في ضمن ما يدلُّ عليه – على اختلاف الرؤى والتوجُّهات، وكونه نتيجةً “لتعدُّد الاجتهادات والتأويلات في التراث”.

وإنّ إقرار تبايُن المذاهب الفقهيّة، وتأويلات النصّ الدينيّ – على خطورته – يُسوّغُ إقرار التبايُن في تلقّي نُصوص هي أقلُّ أهميّةً، ويُفسحُ المجال واسعًا أمام تشعُّب المتلقّين في مُقاربتهم النصّ الشعريّ مثلًا؛ إذ لا يمكن أن يُتاح الاختلافُ في الأحكام الشرعيّة المستنبطة من آي القرآن أو حديث الرسول – صلى الله عليه وسلم – ثُمّ يُتصلَّب حيال إمكان الاختلاف في نصّ شعريّ.

إذا صحّ هذا الذي تقدّم، فإنّ قاعدة الاختلاف والتبايُن أصل من أصول نظريّة التلقّي عند العرب، لأنّها ممّا يُمثّلُ جامعًا اشترك في الاتّفاق عليه أكثرُ منظّري التلقّي العرب نُقّادًا ومفسّرين؛ أو هي مُؤتلفُ الاختلاف. ولا ينبغي للباحث أن يُحكم تعليل هذه الظّاهرة بالبحث عن علل لها خارجة عن سياقها؛ إذ يكفي في تعليلها القولُ إنّ قبول الاختلاف في الفهم يُفسحُ مكانًا لكلّ تلك الفُهوم، وكأنّ كلًّا أراد أن يُحافظ على الإطار واسعًا لا ينفي منه غيره، لئلا يُنفى هو أيضًا منه.

اتجاهات التلقي في الفكر العربي

يُمثّلُ النصُّ مفهومًا محوريًّا في التراث الفكريّ العربيّ، وهذا المفهومُ ليس مقصورًا على كتاب الله وحده، بل ذلك شأنُه أيضًا في الأدب والنقد والفلسفة، وإنّ “تغايُر المناهج، واختلاف التوجُّهات النقديّة في درس النصوص الأدبيّة، ليس في جوهره إلا اختلافًا في تحديد ماهيّة النصّ وخصائصه ووظائفه”. وقد يكونُ لهذا المفهوم أثرُه الجليُّ في تعدُّد الرؤى والمقاربات ومحاولة كلّ منها تبنّي نظرة خاصّة إلى النصّ، وأسلوب يُجسّدُ تلك النظرة في معالجتها إياه في إطار كلّيّ، أو جُزئيّ على وفق الجانب الذي يُوافقُ رُؤيتها.

وإذا صحّ هذا، فإنّ ثمّة إشكاليّة أُخرى تُجلّيها المُرونةُ التي توفّرُها محوريّة النصّ؛ ذلك أنّ لكلّ نصّ جوانب عدّة، وقد يكون أحدُها المتحكّم في فهم النصّ، بقطع النظر عن بُدُوّ هذا الجانب للقارئ في صورة ما لا قيمة له، أو كونه سطحيًّا ظاهرًا، أو كامنًا مُحتاجًا إلى التدقيق والنظر. وإنّ أيّ نصّ لهُ مستويات وأهداف قد لا تظهر للعيان دفعةً واحدة، وهو ما يقودُ إلى تعدُّد اتّجاهات تلقّي النصّ الواحد إذا تعدّد متلقّوهُ؛ إذ ينظُر كلّ منهم في النصّ إلى مستوًى مختلف أو جانب محدّد لا ينظُر إليه غيرُه. ولعلّه يُفسّرُ اختلاف موقف المتلقّي نفسه من نُصوص عدّة لمبدع واحد، أو لمبدعين متعدّدين؛ لأنّه إنّما ينظُر إلى مقدار ذلك المستوى، أو وضوح ذلك الجانب، في النصوص، ويستكشفُ بهدي منظومته القيميّة.

وفضلًا عمّا تقدّم، فإنّ ثراء النصّ ومحوريّته، مكّنا من سعة الاجتهاد فيه بُغية فهمه والقبض على مقاصده، وقد فرضت طبيعةُ الاجتهاد، التعدُّديّةُ في ذاتها، تعدُّد الدلالات والخروج على دائرة الفهم الأُحاديّ له. وتحقّق عن ذلك رفض للقول بوجود “حقيقة واحدة مُتعالية” وميل إلى إقرار “حقيقة نسبيّة مُحتملة”. وهو أمر ملموس في اختلافات وجوه التفسير والتأويل للآية الواحدة حينًا، وتبايُنات عبارات المفسّرين والمؤوّلين عن المعنى والمقصد نفسه أحيانًا أُخرى. ولا يُلغي هذا التعدّد تعارُض اتّجاهات أصحابه الفكريّة، واختلافاتُهم العقديّة والمذهبيّة، حين يتركّز في أصل من الأصول التي انبنت عليها اتّجاهاتُهم في العقيدة، أو تأصّلت عليه مذاهبُهم.

وينكشفُ التراثُ الفكريّ العربيّ عن وعي بقضيّة تبايُن اتّجاهات التلقّي، وعُمق دالّ على دقّة تفصيليّة؛ بما يُشبهُ أن يكون نتيجةً منطقيّةً لاشتغال تراكُميّ، وتقليب النظر في عناصرها كلّها: المُبدع، والمتلقّي، والنصّ، وأحوال المتلقّي، وزمن التلقّي، وتلقّي النصّ وحده، أو مقرونًا بغيره في سياق نقديّ … إلخ، ويُمكنُ النظرُ إلى تنبُّه النقّاد لما يطرأ على ذوق المتلقّين من تغيُّر بوصفه جُزءًا من الصورة الكلّيّة لتبايُن اتّجاهات التلقّي.

خالد عبد الرؤوف الجبر: حاصل على الدكتوراه في النقد والبلاغة من الجامعة الأردنية (2002). درّس في جامعات فلسطين والأردن وقطر 25 عامًا، وتولّى رئاسة تحرير مجلة “المشكاة” العلمية المحكَّمة، وسكرتاريا تحرير مجلة “البصائر” العلمية المحكّمة، كما عمل مقرّرًا للّجان الاستشارية العليا والاستشارية والتنفيذية لـ “معجم أدباء الأردن”، وللجنة التفرغ الإبداعي بوزارة الثقافة الأردنية، وأمين سرّ رابطة كتّاب التجديد. أصدرَ عشرين كتابًا؛ منها تسعة محكَّمة علميًا، وخمسة وعشرين بحثًا علميًّا محكَّمًا منشورًا. شاركَ باحثًا مُستَكْتَبًا في موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، كما أعدَّ وقدّم برامج تلفزيونية وإذاعية. التحق بـ “معجم الدوحة التاريخي للغة العربية” خبيرًا لغويًا، وهو عضو الهيئة التنفيذية فيه.
_________
*المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

وسوم:

اترك رد

جديدنا