دكتوراه عن “الجغرافيا الثقافيَّة” في روايات عمار علي حسن

نوقشت بكلية الآداب جامعة الإسكندرية رسالة الدكتوراه المقدمة من الباحثة والأديبة سارة محمد قويسي في موضوع “المكان وأبعاده الدلالية في أعمال عمار علي حسن الروائية .. دراسة من منظور الجغرافيا الثقافية” والتي أشرف عليها السعيد الورقي أستاذ الأدب الحديث بالكلية، وشارك في مناقشها أستاذ النقد ورئيس قسم اللغة العربية بالكلية نفسها زين الدين الشيخ،  وأستاذ النقد الأدبي الحديث بكلية الألسن جامعة عين شمس عاطف بهجات.

وقالت الباحثة إن المكان وبعد أن كان مجرد عنصر هامشي، يساعد الأبطال على التواجد داخل العمل، ولا يظهر له ملامح، تطور في السنوات الأخيرة في نظر النقد ونظرياته حتى أصبح جزءا أساسيا في بناء النص، وظهرت لنا شخصية واضحة لعنصر المكان.

وأضافت الباحثة إنها قد وقع اختيارها على أعمال عمار نظرا لأنها “تحتوي على تجربة فريدة من نوعها تمزج بين المكان وتأثيره على الأبطال وتداخل هذا مع العالم الصوفي والإبداع في مزيج مدهش”، موضحة أن الكشف عن تطور المكان في الأعمال الروائية هو ما سعت الدراسة إلى توضيحه من خلال قراءة وتحليل خمس روايات للكاتب هي: “شجرة العابد” و”جبل الطير” و”بيت السناري” و”خبيئة العارف” و”باب رزق”، وهي الروايات التي برز فيها حضور المكان بشكل لافت.

وتعد هذه الدراسة محاولة كشف عن نقاط التحول في معالجة الروائيين للمكان الروائي من منظور الجغرافيا الثقافية، ودراسة الاستحضارات المتعددة لمثل هذا المكان النوعي، وأثره في تغيير الحياة، وفي تكوين العادات والتقاليد، وفي فهم الإنسان ووعيه، وفي بناء الأفكار، وتحليل اللغة الفنية وأدواتها، وكيف ساهمت في بناء عالم من التفاصيل الذي لا ينفصل عن الواقع لكنه يرصده ويجسده، ويحافظ على خصوصية المكان داخل النص.

كما سعت الدراسة إلى الكشف عن النتاج الثقافي والتشكيل الفني للرواية، والذي يأتي هذا تزامنا مع التشكيل الجغرافي في مصر المتعلق بالتغيرات الطبيعية والمناخية من ناحية والثقافية، وذلك من خلال البحث في الروايات المنتمية إلى مناطق جغرافية مختلفة أو متعددة.

وررصدت الدراسة تأثير الأماكن الجغرافية على الإنسان، من خلال الثقافات التي تكونت في كل المنطقة والجغرافيا التي تنتمي إليها، وتظهر من خلال حياة الأبطال، وانتمائهم لهذا المكان.

وتناول الفصل الأول “المكان والسرد المعلوماتي في رواية شجرة العابد” حيث تتبعت الباحثة العادات والتقاليد التي ارتبطت بالبيئة المحلية المصرية في فترة حكم المماليك لمصر، من منطلق أن هذه الرواية أظهرت تأثير البيئة على الناس في مثل هذا الزمن. وناقش الفصل الثاني “الحضور الثقافي للمكان في رواية جبل الطير” ليظهر الأثر الديني لدى المصريين، والذي يتشابه مهما اختلفت الفترات الزمنية وتعاقبت أطوار الحضارة، حيث يتوارث المصريون عبر الزمن كثير من العادات الدينية المشتركة.

أما الفصل الثالث فجاء عن”شخصية المكان في رواية بيت السناري” وفيه ناقشت الباحثة فترة حرجة من تاريخ مصر، حيث الاحتلال الفرنسي، وصراع المماليك ونهبهم للبلاد وترقب الإنجليز على الحدود، والتدخل العثماني في شؤون مصر، ومقاومة المصريين للاحتلال، وانتظار الفرصة السانحة للقضاء عليه، كما رصدت كيفية تعامل أهل مصر مع الصراعات التي كانت تدور حولهم. 

ويتطرق الفصل الرابع إلى “مدن الفطر في رواية باب رزق” حيث ظهرت قسوة المدينة وصراعتها التي لا تنتهي ولا ترحم أحد، وما يمكن أن تفعله بقاطنيها.  وفي الفصل الخامس كانت “رحلة الإمام محمد ماضي أبو العزائم في رواية خبيئة العارف، حيث ناقشت فيه الباحثة طمع الإنسان في أخذ المزيد من الأشياء التي لا تخصه، والحياة اليومية في ظل الاحتلال.

ومن خلال هذه الروايات اهتمت الباحثة باكتشاف دور المكان في حفظ الذاكرة، وأهمية جغرافية المكان الروائي في حفظ التراث الإنساني، ودور البيئة الجغرافية في تشكيل الواقع الثقافي، والكشف عن الدور الذي تلعبه الجغرافيا الثقافية في تشكيل هوية الأفراد داخل المجتمع، والوقوف على الهوية الثقافية من خلال اللغة واللهجات المحلية.

وطرحت الباحثة عدة أسئلة حاولت الإجابة عليها في دراستها هذه وهي: هل يمكن رصد الهوية الثقافية للشعب المصري من خلال الروايات؟ وهل يؤثر المكان على تشكيل الإنسان وبناء ثقافته على نحو ما؟ وإذا كانت اللغة هي الوعاء الوسيط بين البشر، فهل تعبر اللغة المستخدمة داخل الروايات محل الدراسة عن البيئات التي خرجت منها داخل المجتمع المصري؟

وقدمت الباحثة تحليلا للروايات المذكورة في ضوء الجغرافيا الثقافية، لاسيما عنصر المكان، ومدى تأثيره على سير الأحداث داخل النصوص المختارة، وتأثيره كذلك في البشر، وتتبع حفظ المكان للذاكرة، في ظل رؤية تكشف عن دور الجغرافيا الثقافية في تشكيل ذاكرة الإنسان المصري منذ فجر التاريخ وحتى اليوم.

واستعانت الباحثة في دراستها بالمنهج التحليلي النقدي، الذي يتابع الظواهر السردية ويردها إلى المكونات الثقافية، ويقوم بتحليلها تحليلاً نقديًّا في ضوء معطيات الدرس النقدي الحديث والجغرافيا الثقافية، مع استخدام الإجراءات التأويلية الكاشفة عن الروابط غير الظاهرة للمكان والمنتج الثقافي.

كما اعتمدت الباحثة على منهج الجغرافيا الثقافية لإعادة فتح النص على آفاقه الثقافية بعد أن أغلقته المناهج اللغوية كالبنيوية والأسلوبية وعزلته عن أنساقه الثقافية، وذلك نظرا لأن الجغرافيا الثقافية معنية برصد الثقافة التي ينتجها المكان ويترك أثرها على العنصر البشري الذي يعيش فيه.

وقالت سارة قويسي إن “شغلها الشاغل في هذه الدراسة هي رصد الأثر الثقافي للمكان والذي يستتر خلف حاجز من التفاصيل التي قمت بتحليلها والكشف عنها، بوصف النص حاملًا للثقافة”.

وأضافت “روايات عمار علي حسن تعطي المكان شخصية مؤثرة في بناء الأحداث والشخصيات، وهي تبتعد عن المباشرة والتقريرية في تناول الواقع، إلا في بعض المواضع التي قدم فيها تفاصيل تاريخية موثقة، كما انعكست رؤية الكاتب على الأحداث. ورصدت نصوصه التطور الاجتماعي للقرية والمدينة والمنطقة العربية التي تتغير خريطتها كل يوم”.

وتابعت أن أعمال الكاتب مزجت بين الأدب والتاريخي والواقعية العجائبية والجغرافيا والثقافة في خط درامي متصاعد، يخدم الهدف الذي ينشده الكاتب من رواية الأحداث، كما تناولت التطورات التي حدثت للشخصية المصرية في جميع المحافظات من المدينة إلى الريف مرورا بالصحراء والسواحل، وبينت أن  اللغة المستخدمة في مصر منذ سنوات طويلة لم تتغير، بل حافظت عليها المدن والقرى.

وتفتح هذه الدراسة المهمة الباب واسعا أمام دراسات عديدة مماثلة على الأقل في محاولتها تناول الجغرافيا الثقافية والأدب، كما أنها تضع بين يدي الباحثين استراتيجيات جديدة لتحليل النص الروائي في ضوء الجغرافيا الثقافية.

يذكر أن سارة قويسي هي باحثة في الدراسات الأدبية وقاصة وناقدة من الإسكندرية، تناولت أطروحتها للماجستير، التي نالتها من الكلية نفسها، موضوع الخطاب السردي في الدراسات النسوية، ولها كتاب بعنوان “صندوق مريمة” ونشرت العديد من المقالات حول شؤون المرأة والأعمال الأدبية والظواهر الثقافية والسينما والمسرح، كما لها كتاب قيد النشر بعنوان “تقارير إلى السيدة راء”.

يشار إلى أن هذه الرسالة تأتي ضمن عشرين أطروجة جامعية أعدت وتعد حول أعمال عمار علي حسن الروائية والقصصية في جامعات داخل مصر وخارجها، فضلا عن العديد من أبحاث الترقية التي أعدها أساتذة جامعيون حول أعمال الكاتب الأدبية، وعشرات المقالات النقدية في الدرويات والمجلات والصحف.

كما يشار إلى أن الروايات الخمس التي تناولتها الباحثة وهي: شجرة العابد، وجبل الطير، وبيت السناري، وباب رزق، وخبيئة العارف، تأتي ضمن ما ألفه الكاتب من أعمال روائية منها أيضا: حكاية شمردل، وجدران المدى، وزهر الخريف، وسقوط الصمت، وآخر ضوء، وصاحب السر، وأربعون وجها للص واحد، فيما يستعد لصدور رواية جديدة في معرض القاهرة الدولي للكتاب المقبل، فضلا عن سبع مجموعات قصصية ومسرحية وديوان شعر وسيرة ذاتية.

وسوم:

اترك رد

جديدنا