أسئلة المجتمع وأشجان الحبّ في “المرأة التي في الأعلى” للقاص عبد الجليل الشافعي

تقديم

المجموعة القصصية “المرأة التي في الأعلى” هي الإصدار الأول للقاص عبد الجليل الشافعي، وهي تضم عشرين قصة مرتبة كما يلي: حلم قديم، المرآة، السيمو، كوب قهوة، المحكمة، حين غدر القدر، هي وهو، قاهابيل، المرأة التي في الأعلى، صرع، امرأة على الرصيف، رجاء، ورطة، صبيب الأنترنيت، أوديب المغربي، تردد، كبوة حصان، بْرْيلْ، وصية جد، إنسان للبيع.

وإذا كانت النصوص السردية نصوصا إيحائية ورمزية ومشبعة بالمعاني والدلالات، وإذا كان الأدب عموما لا يستهدف الإمتاع اللفظي والوجداني فحسب، بل له رسالة في الحياة ويسعى إلى معالجة العديد من الإشكالات التي يعيشها الإنسان داخل المجتمع، فإن قراءتنا لهذه المجموعة القصصية سترتكز بالأساس على رصد الدلالات والمعاني والمضامين الكامنة في طيات الألفاظ والعبارات، وستقف عند مختلف القضايا والإشكالات التي يطرحها ويثيرها القاص عبد الجليل الشافعي في نصوصه القصصية، سواء كانت قضايا وجودية وميتافيزيقية، أو قضايا سياسية واقتصادية، أو قضايا أخلاقية واجتماعية، أو قضايا عاطفية ووجدانية، أو حالات ووضعيات بشرية.

وقبل الإبحار في العوالم القصصية للكتاب، للكشف عما عزمنا رصده من دلالات ومعاني وقضايا، سنقف أولا وقفة تأملية عند عتبات الكتاب.

أولا؛ العتبات

1-عتبة العنوان

عنوان هذه المجموعة القصصية للقاص عبد الحليل الشافعي هو “المرأة التي في الأعلى”. وإذا نظرنا في هذا العنوان سنجده يتحدث عن موضوع المرأة التي، كما نعلم، هي نصف المجتمع؛ فهي الجدة والأم والأخت والزوجة والصديقة والخليلة…الخ. ويرتبط مدلول المرأة هنا بمعاني العلو والسمو، والذي قد يدل من جهة على المكانة المميزة للمرأة في الحياة البشرية عامة، مما يقتضي الاهتمام بها ورعايتها وتقديرها وتمتيعها بحقوقها الأساسية التي تضمن لها كرامتها الإنسانية وتجعلها تقوم بدورها الطبيعي على أحسن وجه داخل المجتمع. كما قد يدل لفظ “الأعلى” من جهة أخرى على الابتعاد والانفصال والانصرام، وما يخلفه لدى الذات الطامعة في القرب من شوق ووله وعذاب ورغبة في اللقاء.

فالمرأة إذن هي نصف الرجل، إذ لا تكتمل حياته إلا بها. وهي تقوم بأدوار أساسية في المجتمع، بحيث لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بها. ومن هنا فهي تستحق التقدير والاحترام وتمتيعها بحقوقها الطبيعية المشروعة، وجعلها في المكان “الأعلى” الذي تستحقه.

لكن حاجة الرجل إلى المرأة ورغبته فيها تجعله أحيانا يعيش ألوانا من العذاب والمعاناة حينما تبتعد عنه، وتصبح قابعة في برجها العاجي، ولا يجد سبيلا للوصول إليها والظفر بها. ولعل هذا الأمر يحدث بصفة خاصة في حالة الحب والعشق والهيام، فتجد المحب يهيم بمحبوبته ويشتاق إلى معانقتها واللقاء بها دون أن يتمكن من ذلك، إما بسبب الملابسات والظروف الواقعية والاقتصادية والاجتماعية، أو بسبب العوامل النفسية والوجدانية المتمثلة في تمنع المرأة وعدم مشاطرتها الرجل نفس الحب والعشق والهيام.

2-عتبة الإهداء

إذا كان عنوان المجموعة القصصية يرتكز على تيمة المرأة، فإنه يمكن القول من خلال قراءة أولى أن الإهداء يتوجه أيضا إلى المرأة، من خلال استخدام لفظ “إليكِ”. فالقاص إذن يهدي المجهود الذي بذله في إبداعه السردي إلى المرأة، كدلالة على الحظوة التي تحتلها في ذاته، والمحبة التي يكنها لها في فؤاده. ونحن نعلم أن الإهداء من الهدية، وهذه الأخيرة لا نقدمها إلا لمن نكن له المحبة والتقدير.

بيد أن هذه المرأة التي يهدي لها القاص باكورة إبداعه هي امرأة تجتمع فيها مفارقة البعد والقرب؛ فهي بعيدة جدا وقريبة جدا في الآن نفسه! فكيف يمكن تفسير اجتماع البعد والقرب معا في شخص المرأة؟

لعل من بين التأويلات التي يمكن تقديمها في هذا السياق، هو القول بأن البعد مكاني والقرب وجداني. فالمرأة قريبة من عقل الرجل وقلبه، ومتغلغلة في كيانه لاسيما أن الإهداء لا يجعلها قريبة فقط بل قريبة جدا. ومعنى ذلك أنها توجد داخل الكيان ومتجذرة في ثنايا الذات والوجدان. لكن برغم تجذرها وقربها على مستوى الفكر والفؤاد والوجدان، فإنها بعيدة على مستوى الفضاء الجسدي والمكاني. وهي ليست بعيدة فحسب، بل إنها بعيدة جدا؛ مما يجعل من الصعب الظفر بها وتملكها والتمتع بسعادة الاتصال والاتحاد بها. ولعل اجتماع القرب الشديد والبعد الشديد في هذه العلاقة المنسوجة بين الرجل والمرأة، يجعلنا أمام مشهد مأساوي يطبعه الشوق والحزن والهيام والحنين؛ إذ لا يطرح الشخص البعيد عنا عقليا ووجدانيا أي مشكل إذا ما كان بعيدا عنا مكانيا وجغرافيا، بينما نجد على العكس من ذلك أن الشخص القريب منا على مستوى العقل والوجدان يخلق لدينا مشكلا حقيقيا، سماته القلق والتوتر والحرمان، حينما يكون بعيدا عنا على مستوى الجغرافيا والمكان.

ومن خلال قراءة ثانية، يمكن القول بأن الإهداء لا يتوجه إلى المرأة فحسب، بل يتوجه إلى كل ما يرغب فيه القاص ويطمح إلى الحصول عليه، نظرا لمنزلته الهامة في ذاته، دون أن يتمكن من الظفر به والحصول عليه بشكل فعلي. ويمكن القول بأن الأمر ينطبق هنا على أشياء مثل العدالة والسعادة والكرامة وما شابهها. فنحن مثلا نحب العدالة ولكن لا نجدها متجسدة بما يكفي على أرض الواقع، كما نحب أن نكون سعداء ومتمتعين بالكرامة ولكن تتدخل عوامل وعوائق تحول بيننا وبين ما نطمح إليه ونسعى إليه. فالقيم النبيلة والفضائل السامية عموما هي قريبة منا جدا، إذ أن الإنسان بحكم طبيعته البشرية خلق لكي يتمتع بها، لكن إكراهات الواقع ومعيقاته تجعلها بعيدة المنال بالنسبة إلينا، ونظل دائما نسعى إلى تملكها والظفر بها دون أن نتمكن من ذلك على النحو الذي نريد.

ثانيا؛ الإعلاء من قيمة الكتابة والتأكيد على الحق فيها

يحمل القاص عبد الجليل الشافعي في كتاباته القصصية هموم الكتابة وهواجس الأدب، ويسعى إلى التأكيد على أهمية الكتابة والإبداع في حياة الإنسان. ولذلك نجده يخصص قصتين في هذه المجموعة هما قصة ʺحلم قديمʺ وقصة ʺوصية جدʺ من أجل التشديد على الحق في الكتابة، وإبراز قيمتها كممارسة إبداعية ذات فوائد جمة بالنسبة لصاحبها وبالنسبة للمجتمع.

ففي قصة “حلم قديم”، وهي القصة الأولى في المجموعة القصصية “المرأة التي في الأعلى”، نجد القاص يعالج حلم تلميذ في أن يصبح كاتبا. وقد حدث ذلك حينما سأل معلم، يدرس بإحدى المؤسسات التعليمية بقرية من قرى سهل الغرب بالمغرب، تلامذته عماذا يريدون أن يصبحوا حينما يكبرون؟ فأجاب التلاميذ إجابات مألوفة ومتوقعة، وهي المتمثلة في أنهم يريدون أن يصبحوا إما شرطيا أو طبيبا أو عاملا أو ما شابه ذلك من المهن. وحينما قدموا تبريرات لاختياراتهم وأحلامهم كان المبرر دائما هو خدمة الآخرين؛ إما حمايتهم أو تطبيبهم أو ما شابه ذلك. لكن أحد التلاميذ قدم إجابة غير متوقعة فاجأت معلمه، حينما صرح أنه يريد أن يصبح كاتبا. وعندما سأله المعلم: لماذا؟ أجابه: لأني أحب ذلك. ومن هنا فقد قدم هذا التلميذ تبريرا يختلف عن المبررات التي قدمها زملاؤه؛ إذ ارتكز تبريره على رغبة نابعة من الذات وصادرة عن قناعة وحب، في حين كانت مبررات باقي التلاميذ متجهة إلى الآخرين إما من أجل خدمتهم أو لمجرد تقليدهم.

إننا في هذه القصة أمام مرافعة فكرية تدافع عن الحق في الكتابة، وتريد أن تعيد لها الاعتبار كممارسة لها دور في الحياة البشرية، مثلها مثل باقي الوظائف والمهن، لاسيما أن تصريح التلميذ برغبته في أن يصبح كاتبا، قد قوبل بالضحك والاستهزاء من طرف زملائه في الفصل الدراسي. وهذا الحق في الكتابة يبدأ كحلم في الصغر، ثم ينمو تدريجيا لكي يتحقق في الكبر. ويبدو لنا أن هذه القصة القصيرة هي سيرة ذاتية مكثفة للقاص عبد الجليل نفسه؛ إذ نجازف بالقول بأن التلميذ صاحب الإجابة الأخيرة في القصة هو القاص نفسه. خصوصا وأننا نعرف أن عبد الجليل الشافعي ولد وترعرع في إحدى القرى بسهل الغرب، ودرس هناك تعليمه الابتدائي، وقد كان ذا ميول أدبية منذ صغره جعلته يحلم في أن يصبح كاتبا، وها هو مع هذا الإصدار القصصي الأول “المرأة التي في الأعلى” يحقق حلمه القديم بأن أصبح كاتبا بالفعل، بعدما كان الأمر مجرد حلم في الصغر. ولهذا لا نملك سوى أن نبارك له هذه الجهود التي بذلها طيلة سنوات لكي يحقق حلمه هذا. ونشاطره فرحه وسروره بتحقق هذا الحلم القديم.

إذا كانت قصة ʺحلم قديمʺ تتضمن الحلم بالكتابة، فإننا نجد قصة أخرى في المجموعة هي قصة ʺوصية جدʺ تتضمن نصيحة بممارسة فعل الكتابة، أوصى بها الجد لحفيده الطالب الجامعي وهو يحتضر، نظرا لما وجده عنده من مؤهلات وميولات للقراءة والكتابة. فقد أوصاه بأن يكتب من أجل أن يحيا ومن أجل أن يخلد. فالقراءة والكتابة تجعلان صاحبهما يعيش حيوات متعددة، كما يجعلان أفكاره تبقى خالدة بين الناس بعد أن يفنى جسده.

من هنا، نجد الكتابة قضية رئيسية لدى القاص الشافعي، يحتفي بها في مجموعته السردية، ويعالجها إما كموضوع رئيسي في بعض القصص، أو تتمظهر في صفات وأحوال شخصيات توجد في بعض القصص الأخرى.

ثالثا؛ قضايا المجتمع وهواجس السياسة

غني عن البيان أن الأديب لا يستهدف في أعماله السردية الحكي من أجل الحكي، كما أنه لا يوظف اللغة من أجل الإمتاع الوجداني والجمال اللفظي فحسب، وإنما يستهدف أيضا إثارة مجموعة من القضايا الفكرية والاجتماعية والعمل على معالجتها والتساؤل عنها. فالأديب، والحالة هاته، يحمل رسالة اجتماعية ويطمح إلى الإصلاح والتغيير، ويثير تساؤلات حول ما يعايشه من مشاكل وظواهر ثقافية واجتماعية وسياسية. لكنه بطبيعة الحال يعبر عنها بالصورة الأدبية التي تعتمد أساسا على التخييل والرمزية والإيحاء.

انطلاقا من هذا الاعتبار، سنعمل على تقصي اللغة السردية في المجموعة القصصية “المرأة التي في الأعلى” لعبد الجليل الشافعي، لكي نرصد مجموعة من الدلالات والمعاني ونقف عند القضايا والإشكالات الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي عالجها القاص باعتماد الأسلوب السردي التخييلي.

في قصة “حلم قديم”، يعالج القاص الشافعي قضية الكتابة كقضية رئيسية، لكن مع ذلك فإن التأمل في هذه القصة يجعلنا ندرك أنها تثير قضايا أخرى على سبيل الإشارة والتلميح، نذكر منها ما يلي:

1-“السهل الصعب” أو صعوبة الحياة في قرى سهل الغرب

تدور أحداث هذه القصة في مدرسة بقرية توجد في سهل الغرب بالمغرب. وقد استغل القاص حديثه عن هذا “السهل” الجغرافي لكي يقرنه بما هو “صعب”، في نوع من المفارقة التي تثير السخرية والعجب في الآن ذاته. فهذه القرية «تصعب الحياة فيها وإن كانت على السهل. سهل وصعوبة، صعوبة على السهل!!». هكذا، نجد القاص الشافعي يطرح، من خلال تلاعبه اللفظي بكلمتي الصعب والسهل، قضية اجتماعية واقتصادية تتمثل في معاناة البدويين القاطنين ب”سهل الغرب” في حياتهم من التهميش وهشاشة البنية التحتية، وضعف الموارد الاقتصادية التي تسمح لهم بالعيش الرغد والحياة الكريمة، خصوصا وأنه يصفهم بأنهم «أناس عادية أحلامهم». فهم يعيشون إذن في عالم آفاقه محدودة في نطاق الأعمال الفلاحية التي يزاولونها، ومحصورة في إطار الطقوس الاجتماعية التي تميز أنماط عيشهم البدوي الخشن. ولعل حلم بطل القصة في أن يصبح كاتبا هو تكسير لهذه الأحلام العادية والمألوفة، لدى البدويين عامة ولدى أطفالهم على وجه الخصوص، ورغبة أكيدة في الخروج من الأفق الضيق لحياة البدو إلى الآفاق الرحبة التي تتيحها الكتابة لصاحبها.

2-السبورة المعطوبة أو البنية المهترئة للمؤسسة التعليمية

حينما كان الأستاذ يسجل على السبورة أحلام تلامذته، يذكر السارد أن الأمر يتعلق ب «سبورة معطوبة تتخللها ثقوب من كل جانب». وفي هذا الأمر إشارة إلى ضعف وهشاشة البنية التحتية للمدارس والمؤسسات التعليمية في البوادي المغربية، من أقسام ومرافق وتجهيزات ووسائل تعليمية.

3-الوطن المعطوب

يشبه القاص عطب السبورة بعطب الوطن؛ فقد كان الأستاذ يكتب على «سبورة معطوبة تتخللها ثقوب من كل جانب، كما الوطن…». وفي هذا الأمر إشارة ذكية وخاطفة إلى الاختلالات والمشاكل التي يعاني منها المواطنين، على كافة المستويات الاقتصادية والصحية والتعليمية والاجتماعية. فهناك أعطاب على طول خارطة الوطن ينبغي التصدي لها، والبحث عن سبل لإصلاحها.

وفي قصة “السيمو”، أو الصامت الحكيم، نجد الراوييحكي عن متسكع اسمه “السيمو”، أو هكذا كانوا يلقبونه. وقد كان رجلا صامتا، يجوب الطرقات بلا ملل، عاش في الرصيف ومات في الرصيف، ولم يكن ينطق بأي كلام وكأنه أبكم، سوى بعبارة “كلنا نسعى في هذه الدنيا”. وقد كانت هذه العبارة بمثابة رصاصة الرحمة التي يبعث بها إلى قلوب الناس وعقولهم.

لم يكن “السيمو” ينطق من الكلام، وهو يجوب الطرقات ذهابا وإيابا، سوى تكرار عبارة “كلنا نسعى في هذه الدنيا”. فقد كانت هذه الجملة القصيرة هي كل رأسماله الرمزي في هذه الحياة، بحيث كان يلقي بها في وجه كل من يكلمه أو يسخر منه.

إذا تأملنا في هذه الجملة، فإننا نجد صاحبها يحاول أن يساوي بين وضعيته ووضعية باقي الناس. فإذا كان هؤلاء يشفقون لحاله أو يسخرون منه أو ينظرون إليه نظرة دونية، فإنه يقول لهم إننا نتساوى جميعا في مسألة جوهرية، وهي أننا “نسعى في هذه الدنيا”. فبحكم أن السيمو كان متسكعا يهيم في الطرقات، بدون أهل ولا مأوى ولا عمل، فقد كان مضطرا لتلقي العون من الآخرين حيث يأخذ منهم بعض الدراهم أو أصناف من الأكل يسد بها رمقه. ولذلك فقد كان السيمو يجد نفسه في موضع ضعف وعوز وهشاشة، لكنه مع ذلك يهمس للناس في عبارته تلك بأنهم أيضا ضعفاء ومحتاجون إلى بعضهم البعض، ومحتاجون إلى قوة عليا لكي ترحمهم وتقف إلى جانبهم، مادام أن كل واحد من الناس يحس بالنقص، أو يعيش البؤس والفقر، أو يعاني من المرض، أو يخاف من الموت. فالسيمو إذن يساوي بينه وبين الناس، ولا يرى أنهم أحسن منه حالا سوى في الدرجة، بل قد يكون حاله أحسن من بعضهم ممن يعيش الألم الناتج عن مرض فتاك، أو من يعيش عذاب الضمير من فرط ما ارتكب من آثام وشرور في حق الآخرين، أو من يعتصره الجرح الناتج عن غدر صديق أو خيانة حبيب.

إذا كان “السيمو” يشعر الناس بضعفهم ونقصهم في عبارته تلك، فإنه يشعرهم أيضا فيها أنهم عابرون وزائلون وغير خالدين ودائمين في هذه الدنيا. ففعل “يسعى” في تلك الجملة قد يدل على ما يسمى باللهجة العامية ب “اسعاية”؛ أي حال المتسول الذي يطلب الصدقة والعون من غيره. ولهذا فقد أراد “السيمو” أن يقول للناس أنني لست وحدي من يطلب العون ومن يعيش حالة العوز، بل أنتم أيضا تعيشون أحوالا كثيرة من الضعف والنقص والعوز تكونون محتاجين فيها إلى بعضكم البعض، أو محتاجين إلى خالقكم ورازقكم.

كما قد يدل فعل “يسعى” في تلك العبارة على “السعي إلى…”؛ أي التوجه أو السير نحو شيء ما أو مكان ما. وبالفعل فالناس في هذه الحياة الدنيا عابرون ومسافرون، وليسوا باقين وخالدين. فالموت هي الغاية التي يسعى نحوها الجميع، يستوي في ذلك الغني والفقير، الحاكم والمحكوم، المقيم أو المتسكع. ولذلك كان السيمو يساوي بين الناس على هذا المستوى، ويشعرهم بفنائهم وانصرامهم، وينصحهم بعدم الاطمئنان والارتكان إلى ما لديهم من ممتلكات وما يرفلون فيه من خيرات ومتع، ماداموا سيتركون كل ذلك ويرحلون ذات يوم.

وإذا كانت الحكمة تأخذ من أفواه المعتوهين والمجانين، فإن عبارة “السيمو” التي لم يكن يمل من تردادها كانت بمثابة حكمة تؤرق مضجع الناس، وتشعرهم بهشاشتهم وتفانيهم، وتلقي بهم في دوامات الحيرة وتأنيب الضمير. فصحيح أننا جميعا، على حد تعبير السيمو، نسعى في هذه الدنيا، ولهذا علينا أن نأخذ بوصية النبي المصطفى: «كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل.» (حديث نبوي)

فضلا عن طرح قصة السيمو لجملة من المعاني العميقة التي تضمنتها عبارته ʺكلنا نسعى في هذه الدنياʺ، فإنها هذه القصة تميط اللثام أيضا عن مجموعة من الأمراض النفسية والاجتماعية، كما تطرح مجموعة من التساؤلات للتأمل والنقاش، من بينها ما يلي:

4- العزلة القروية ومعاناة التلاميذ

يصف السارد حال “السيمو” بطل القصة بأنه «لم يكن يتعب من الذهاب والإياب في تلك السبيل المتربة الرابطة بين الطريق المعبد والقرية النائية، القرية التي لا ترصدها خرائط الدولة، ولا مصالحها، ولا حتى نظام GPS …».

هنا، نجد تلميحا ذكيا من القاص للعزلة التي تعيشها بعض القرى والبوادي عن المدن والحواضر، مما يجعلها تعيش الهشاشة والتهميش على مستوى البنية التحتية، وعلى كافة المجالات والمستويات الصحية والتعليمية والرياضية والثقافية والاجتماعية. ويعاني من هذه العزلة التلاميذ أيضا، إذ يضطرون إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة، خصوصا مع المسالك الوعرة والطرق غير المعبدة أو نصف المعبدة. ويزداد الأمر خطورة واستفحالا في أيام فصل الشتاء، حيث يضطر الكثير من التلاميذ قطع مسافات طويلة في حلكة الظلام وتحت قسوة برد الطبيعة وأمطارها. وفي هذا الإطار نجد السارد يقول: «في الطريق النصف معبدة، الطريق الطويلة مثل وجع الفقراء، والتي كنا نقطعها، نحن أطفال القرية بشكل يومي شتاء وصيفا، حرا وبردا، أثناء توجهنا للمدرسة».

5-أمراض في العلاقات الإنسانية؛ “التوكال”، العنصرية، الغدر

كان “السيمو” الشاب المتسكع يعيش في عالم الصمت المطبق، إلا من عبارته التي يرددها من حين لآخر “كلنا نسعى في هذه الدنيا”. وقد كان أمره محيرا، ويثير العديد من التأويلات لدى الناس وهم يبحثون عن الأسباب التي أدت به إلى هذه الحالة. وقد ذكر السارد ثلاث حكايات رئيسية نسجت حول قصة “السيمو”؛ الأولى هي أنه سحر ب “التوكال” من طرف امرأة كانت تحبه ولم يبادلها نفس الحب، والثانية أنه أقصي بشكل عنصري من طرف مدرب إحدى فرق كرة القدم رغم أنه كان موهوبا فيها، والثالثة هي أن أخاه غدر به وسيطر على كل ماله، فأصيب بالاكتئاب من جراء ذلك.

انطلاقا من هذه الحكايات الثلاث التي تروج حول قصة المتسكع “السيمو”، رصد لنا القاص عبد الجليل الشافعي ثلاثة أمراض اجتماعية تتجسد في السلوكات البشرية وهي: السحر والعنصرية والغدر. فالسحر يسود أكثر في أوساط النساء، ويستخدم أكثر للإيقاع بالرجال، وهو يرتبط بظاهرة الشعودة وسيادة الجهل والخرافة والأمية في أوساط شرائح واسعة من المجتمع المغربي. أما العنصرية فترتبط بالحقد والكراهية وإقصاء الآخر وعدم الاعتراف بمواهبه وقدراته، مما ينعكس سلبا على الشخص الموهوب، فيؤدي إلى إقبار موهبته، ويمنعه من التألق ومعانقة أحلامه وطموحاته، كما ينعكس سلبا أيضا على المجتمع، فيحرمه من عطاءات الشخص الموهوب ويحول بينه وبين التنمية والازدهار المنشودين. وبخصوص الغدر، يمكن القول أنه آفة خلقية ناتجة بشكل خاص عن الحقد والحسد أو الجشع والطمع، وهي أمراض نفسية تعمي البصيرة وتدفع بصاحبها إلى الإيقاع بالغير وإلحاق الأذى به.

6-التفاوت الطبقي ونهب ثروات الوطن

كان بطل قصة ʺكوب قهوةʺ يحدث نفسه، وهو جالس في المقهى، قائلا: «أعيش على فتات مائدة الوطن، مائدة الأسُود الذين لا يشبعهم لا سمك ولا فوسفاط ولا ذهب ولا… ولا الشبع نفسه.» ثم يردف قائلا: «جميعنا نعيش حقوقا مسلوبة، ثروات مسروقة، ويتحكم في مصائرنا، في شعرنا وشعورنا، شرذمة مستبدة تتوارث خيرات الوطن، وكأنه خرفان زريبة مسيجة، سجينة…».

هكذا، يثير السارد هنا إشكالات اجتماعية واقتصادية وسياسية متداخلة ومتشابكة يعاني منها المواطنون؛ تتعلق بالفقر، والجشع ونهب الثروات وعدم التوزيع العادل لها بحيث القلة القليلة هي المستفيدة من الثروات الطبيعية، في حين تعيش الغالبية العظمى الفاقة والعوز والحرمان. كما يثير مسألة التسلط والظلم والاستبداد والتحكم في رقاب العباد، وسلب الحقوق سواء كانت حقوقا اقتصادية أو سياسية أو فكرية أو غيرها.

7- اللاعدل والمحسوبية في المجتمعات العربية

كان عمر بطل قصة ʺالمحكمةʺ ينفر من دراسة القانون لأنه يسمع عن لاعدل المحاكم، فضلا عن ميولاته الأدبية التي جعلته يدرس الأدب العربي بالجامعة، رغم إلحاح أبيه ورغبته في أن يصبح ولده محاميا. ولم يكن يرغب عمر أبدا في ولوج المحاكم، إلا أن الأقدار ساقته يوما إلى الدخول إلى إحدى المحاكم، حينما ألح عليه أحد الفلاحين أن يرافقه إلى المحكمة لمساعدته على قضاء بعض الأغراض الإدارية، والتي تمكنا من قضائها في آخر المطاف بعد جهد جهيد.

تتضمن هذه القصة قضيتين اجتماعيتين وسياسيتين رئيسيتين:

– قضية اللاعدل والتشبث بكراسي السلطة في المجتمعات العربية:

حيثيطرح السارد في هذه القصة إشكالية الظلم والاستبداد واللاعدل في المجتمعات العربية، فيذكر عن البطل عمر أنه «طالما سمع عن لاعدْلِ المحاكم في بلده، من خلال الشكاوى التي لا تنتهي، أو من خلال ما يقرأه في الصحف.» ولم يكن عمر يستغرب هذا الأمر «لأن اللاَّعدل صفة عربية…   هكذا تكونت لديه قناعة راسخة رسوخ حكام العرب على كراسي السلطة.» وهكذا يشير القاص إشارة ذكية إلى إشكالية سياسية تتعلق بطبيعة الحكم السائد في العديد من الدول العربية؛ إذ يتميز بتشبث الحكام بكراسيهم في الحكم وسيطرتهم على مراكز القرار داخل الدولة، بالرغم من إجراء الانتخابات السياسية التي تظل شكلية وتغيب فيها الديمقراطية الحقيقية. وكل هذا يؤشر على سيادة الاستبداد والقهر والظلم والتسلط والتوزيع غير العادل للثروة المادية وللسلطة السياسية.

-قضية الوساطة والمحسوبية في قضاء المآرب الإدارية:

يصور لنا السارد أحوال الناس الذين يلجون فضاء المحكمة من أجل قضاء أغراضهم بمكاتبها، بأنهم يعيشون عذاب الانتظار نظرا لبطء المساطر وتعقيد الإجراءات ورداءة الخدمات. وأثناء ذلك أشار إلى اللامساواة في التعامل مع المواطنين، حيث يتم إعطاء الأولوية في الخدمة الإدارية لأصحاب المقامات الرفيعة وذوي المكانة الاجتماعية على حساب الفقراء والبسطاء وعامة الشعب. ومن هنا، قدم القاص نقدا لاذعا للفساد الذي ينخر الإدارة في هذا الوطن، والذي يتجلى في الرشوة والمحسوبية واللاعدل بين المواطنين.

8- قضايا المدينة؛ التشجير، النقل، الأحياء القصديرية

بالإضافة إلى معالجة قصة ʺقاهابيلʺ لإشكالية الصراع الأبدي بين الخير والشر، فإننا نجد هذه القصة تثير بعض  القضايا الأخرى ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ مثل مشكلة التشجير والاخضرار في المدينة، إذ افتقد الناس أشجار البلوط بعد أن اجتثتها البلدية وجعلت بدلها عمارات إسمنتية ضيقة. وأيضا الوضعية المتردية للتنقل عبر الطوبيس، حيث نجد السارد يشير إلى أن الطوبيس تأخر «كعادته التي لا يحيد عنها إلا لماما، وكأن تأخره قانون طبيعي»، وأنه يتابع «سيره البطيء، مثل متقاعد معتور الروح والجسد، ويستمر الناس في الصعود، على الرغم من امتلائه!». وأيضا تثير القصة مشكلة الفقر والبؤس في الأحياء القصديرية؛ حيث كان أحمد «يعيش في حي فقير، بيوته من خشب وقصدير، لا تنتهي به المعارك ولا السرقات…». وبطبيعة الحال فظروف الفقر والهشاشة تفرز سلوكات وظواهر اجتماعية سلبية، مثل العنف والمخدرات والسرقة وʺالحريكʺ وغير ذلك. ولذلك يحكي الراوي عن شباب الأحياء الفقيرة قائلا: «أما أغلب الشباب، فهم إما اختاروا “الْحْرِيكْ” أو امتهنوا السرقة، ودخلوا بعدها السجن، وحين خرجوا، اشتروا دراجات نارية ثلاثية العجلات، حين تركبها، تركب في كف عفريت، وتضع مكانا شاغرا بجانبك لملك الموت. كثرتْ تلك الدراجات، بسرعة خيالية، حتى شوهت المدينة وزادت من فوضاها».

صور لنا القاص الشافعي أيضا، في ʺقصة أوديب المغربيʺ، تصويرا بديعا الظروف المزرية التي يعيشها سكان الأحياء الصفيحية، وبين مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية، ونتائجها على مستوى أنماط العيش والسلوك. فقد «تكدس الناس، بين ليلة وضحاها، وكلهم فقراء، في بَرَارِيكَ مبنية من بقايا خشب وكرتون وحجارة، مسقوفة بقصدير مهترئ صدئ، لا يقي من قَرِّ البرد شتاء، ولا من حرِّ الشمس صيفا، بل يصير في الصيف كسفا من الجحيم. أحياء بشعة تُقْذي عين الناظر إليها، بلا مجاري صحية ولا ماء صالح للشرب ولا كهرباء، أحياء بلا كرامة…».

9- مشكلة عقوق الوالدين

تعالج قصة ʺامرأة على الرصيفʺ مشكلة اجتماعية وأخلاقية تتعلق بعقوق الوالدين والتخلي عنهما في أرذل العمر؛ حيث تحكي عن أم تخلى عنها ابنها بسبب أنها لم تعد تروق لزوجته، وتركها هائمة في الشواع وتائهة في رصيف الحياة لوحدها، تعاني من قساوة العيش ومرارة التسكع والتسول. وشاءت الأقدار ذات يوم أن ارتكب الابن المهندس حادثة سير مميتة، وتجمهر حوله الناس في الشارع وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة. وتزامن وقوع هذه الحادثة مع مرور الأم المتسكعة المتخلى عنها بجانب مكان وقوعها، فقادها إحساس الأمومة إلى الانسلال بين الناس والتعرف على ابنها الذي يحتضر. فأخذت تندب حظها وتبكيه بكاء شديدا، وهي التي كان بها شوق شديد إلى لقائه رغم ما فعله بها. من هنا، فقد «شرعت العجوز من ألمها، في نتف شعرها وتمزيق ملابسها وشج وجهها بأظافرها الطويلة المتسخة، وحين هدَّها التعب، الوجع، الفقد المضاعف، سقطت على الأرض وبدأت في عويل يقطع نياط القلب… ظن الكل أنها حمقاء، دعوا لها بالشفاء وتركوها وحيدة على رصيف الشارع، رصيف الحياة».

هكذا يصور لنا القاص الأحوال الاجتماعية المزرية للأمهات المتخلى عنهم من طرف الأبناء، كما يعبر لنا بدقة طبيعة الأحاسيس المختلطة والمتناقضة التي تحسها الأم تجاه ابنها العاق؛ حيث تعاتبه وتصب سخطها عليه من جهة، وتشفق عليه وتحن إلى لقائه ومعانقته من جهة أخرى. وتبين القصة المصير المأساوي والمحتوم الذي ينتظر كل من يتخلى عن والديه، لأي سبب من الأسباب. ولذلك فلا مفر للمرء إذا ما أراد السلامة والفلاح، في الدنيا والآخرة، من البر بوالديه والإحسان إليهما في الكبر كما ربياه في الصغر.

10- الهاتف  ومشكلة القراءة

قرر بطل قصة ʺورطةʺ  أن يوقف تشغيل الهاتف لأنه يمثل عائقا أمام قراءة الكتب، فقد كان الهاتف الذكي يشعره بالغباء، بينما تجعله قراءة الكتب أكثر ذكاء وتألقا من الناحية الفكرية.

11-قضايا سياسية راهنة

كان رشيد وصديقه ياسين، أستاذ الفلسفة، يناقشان قضايا سياسية يعرفها المجتمع المغربي المعاصر، مثل حراك الريف، انتفاضة جرادة، استبداد السلطة، عدم اكتراث الساسة لهموم الشعب، هشاشة الدكاكين السياسية التي تخلت عن مبادئها وفقدت مصداقيتها. ولذلك نجد الراوي يقول: «لا خير في اليمين، صدقوني، أقصد اليمين السياسي، ولا في اليسار أيضا، أقصد اليسار الذي مسخ». أضف إلى ذلك إشارة القاص إلى مشكل تهريب الأموال وتحويلها إلى بنوك سويسرا وباناما من قبل ناهبي المال العام.

12– مشكل الانتظار في الإدارة المغربية

تثير قصة ʺصبيب الأنترنيتʺ موضوعا يتعلق بهشاشة وبطء الخدمات في الإدارة المغربية، سواء كانت عامة أو خاصة. فالراوي يشير إلى مشكلة قلة الكراسي المخصصة للانتظار في المؤسسة البنكية، وهو الأمر الذي ينطبق أيضا على مؤسسات أخرى، مما يجعل الأكثرية تنتظر واقفة على أرجلها، وما يرافق ذلك من تعب وملل. خصوصا إذا انقطعت الخدمة لسبب من الأسباب، كما حصل في هذه القصة حيث انقطع صبيب الأنترنيت وتعطلت معه مصالح الناس؛ إذ تعبوا من الانتظار واضطروا للعودة إلى حال سبيلهم بخفي حنين.

13– ظاهرة زيارة الأضرحة

تصور لنا قصة ʺإنسان للبيعʺ ظاهرة زيارة الأضرحةمن طرف النساء بشكل خاص، بحيث يتم الاعتقاد أن لكل ضريح وظيفة تخصه؛ «فهناك من يشفي من المس، وهناك من يطرد النحس والعنوسة، وهناك من يجلب الرزق ويطرد العقم…الخ». ولذلك اضطرت أم سعيدة من أجل حمايتها، وهي لازالت في بطنها، أن تزور أضرحة كثيرة، حيث «زارت “سيدي إدريس” نواحي مكناس البعيدة، “ومولاي بوسلهام” الذي يتوسط الضاية والبحر في الغرب القاصي عنا، شدت الرحال إلى ضريح “مولاي التهامي” بوزان… وزارت ضريح “سيدي بوشعيب الردَّاد” هناك، في سلا القريبة من الرباط. زارت كل الأضرحة والأولياء…».

14-ظاهرة تزويج القاصرات في القرى الأطلسية النائية

يعالج القاص الشافعي هذه الظاهرة الاجتاعية في قصة ʺإنسان للبيعʺ، التي تدور أحداثها في قرية من قرى الأطلس النائية، حيث ستأتي سعيدة إلى هذا الوجود بعد ولادة صعبة زهقت على إثرها روح أمها. وبعد ذلك سيتزوج أبوها، وستعاملها زوجته معاملة قاسية وغير لائقة، وسيقوم أبوها بتوقيفها عن الدراسة، وتزويجها من عجوز ثري يسكن بالدار البيضاء، وهي لم تتجاوز سن الثالثة عشر بعد. وستعامل معاملة فظة وعنيفة من طرف زوجها العجوز السكير، الذي حاول ذات ليلة عرضها على أحد أصدقائه في ليلة خمر أسبوعية. وحيث أنها استغربت الأمر ورفضته، فقد تسللت ليلا من المنزل وتاهت في الطرقات إلى أن وجدت نفسها بين أحضان محطة القطار. وبعدها ستتجه نحو نزل طلبا للعمل وهروبا من قسوة الشارع، لتجد نفسها بين مخالب أيدي بشرية سترمي بها إلى بيع جسدها وأحلامها وإنسانيتها بدراهم معدودة.

هكذا، نجد هذه القصة تعالج قضية اجتماعية رئيسية تتعلق بالوضع الصعب الذي تعيشه الفتاة الأمازيغية في الأطلس النائي. ففضلا عن الأشغال الشاقة التي تقوم بها بشكل يومي كجلب الحطم والماء والرعي، فإنه يتم توقيفها عن الدراسة بمجرد إتمام دراستها الابتدائية، إذ يعتبر من العار أن يدع الرجل ابنته تسافر إلى المدينة لإتمام دراستها. كما يتم تزويجها بالقوة في سن مبكرة، حيث تم تزويج بطلة القصة سعيدة وهي قاصر في سن الثالثة عشر من رجل في عمر جدها، لا لشيء إلا لأنه يملك المال. ومن هنا فقد تم بيعها له بدون أية وثيقة زواج، ليتصرف فيها كما لو كانت سلعة يمتلكها دون مراعاة لكرامتها الإنسانية. والغريب في الأمر أن زوجها أيضا حاول عرضها للبيع لأصدقائه في جلساتهم الخمرية، من أجل مآرب يريد تحقيقها. وبعد أن هربت من زوجها الفظ والاستغلالي، وجدت نفسها ترتمي مضطرة في أحضان الدعارة، من أجل بيع جسدها وكرامتها بأبخس ثمن.

15– العزلة والتهميش في جبال الأطلس البعيد

فضلا عن قضيتي الانقطاع عن الدراسة والتزويج المبكر الذي يغتصب طفولة الفتاة ويبيعها في سوق المال، نجد قصة ʺإنسان للبيعʺ تثير مشاكل اجتماعية وظروف معيشية صعبة تميز أنماط عيش سكان الأطلس البعيد، من بينها العزلة والتهميش اللذين تعيشهما قرى الأطلس في المغرب؛ فقد ولدت سعيدة «في قرية أطلسية لا تكاد ترصدها الخرائط، ولا تتبيَّنها أعين السلطات، قرية كأنها تعيش خارج الزمن، خارج التاريخ»، وقد كان الناس في هذه القرية يقتاتون «على ما تجود به الطبيعة، ولا تختلف طريقة عيشها عن عيشة الإنسان البدائي إلا قليلا. لا ماء صالح للشرب غير مياه العيون، لا كهرباء، ولا سبيل للدفء فيها، إلا خشب الأرز الذي يَقِيهَا شراسة برد سيبيريٍّ لا يرحم!». 

كما تفتقر هذه القرى الأطلسية إلى المرافق العمومية الأساسية، إذ يذكر الراوي أن أم سعيدة «ماتت لأنها لم تجد مستشفى قريبا تلد فيه، ماتت لأننا لم نستطع أن نذهب بها إلى المدينة، لبعدها، ولانقطاع الطريق بسبب الثلوج التي حاصرتنا عام ذاك كما لم تفعل من قبل.» أما المدرسة فتوجد في مكان قصي «تحتاج لمهارة متسلق جبال محترف كي تصل حجراتها، عفوا، حجرتيها الوحيدتين».

رابعا؛ هواجس الحب ولوعات الشوق

مثلما توجد في المجموعة القصصية ʺالمرأة التي في الأعلىʺ قصص تعالج قضايا اجتماعية وسياسية، فإن فيها أيضا قصص تعالج قضايا عاطفية ووجدانية. ويمكن إبراز ذلك من خلال الوقوف عند القصص التالية:

1- قصة “كوب قهوة”؛ الإحساس بالعزلة والشوق إلى الحبيبة

تصور لنا هذه القصة شابا يجلس وحيدا في إحدى المقاهي، فيطلب من النادلة “كافي كريم”. وحينما شرع في وضع طوبات السكر في الفنجان، تذكر حبيبته التي افتقدها واكتوى فؤاده بلهيب شوقها، فهي التي كانت تمنعه من الإكثار من السكر، لأنه مضر بصحته، وكانت تكتفي بشرب القهوة خالية تماما من السكر، مما جعله هو أيضا يدمن شرب القهوة بعد ذلك بقليل من السكر. لقد ذكره فنجان القهوة إذن بحبيبته، وتبين له أنه فعلا يحتاجها، وأن الشوق إليها موجع وقاسي.

هكذا، وبالرغم من أن زمن القصة هو فقط لحظة شرب كوب قهوة في المقهى، فإنها تعالج موضوعا عاطفيا يتعلق بالإحساس بالعزلة من جراء فقدان الحبيبة والشوق الشديد إليها، وما يصاحب هذا الشوق من آلام نفسية وعذابات وجدانية.

2- قصة ʺالمرأة التي في الأعلىʺ؛ الحب المستحيل

تصور لنا قصة ʺالمرأة التي في الأعلىʺ شابا يجلس في مقهى ʺالنخوةʺ بالمدينة القديمة، وهو  يدخن ويحتسي قهوة سوداء، ويقرأ رواية. وبينما هو شارد البال أبصر في إحدى غرف العمارة المقابلة للمقهى امرأة فاتنة أسرت فؤاده، وصفعه جمالها الذي في الأعلى حد الدوخة. لقد ظهرت له المرأة في صورة فتاة أحلامه، وأحبها حد الجنون. لكنها ستختفي من شرفة الغرفة وستتلاشى عن أنظاره بعد أن ينطفئ نورها، لتجعله يعيش نوعا من التوتر وقلق الضمير؛ فقد «فكر، ربما تكون متزوجة، ربما تكون أما؟ ومن النخوة ألا تنظر لما متع الله به غيرك… استيقظ ضميره واشتغل نظام التبكيتِ الذي يعكر عليه أي شيء يريد أن ينعم به ويندغم فيه حتى النهاية». وبعدها غادر المقهى وهو يحدث نفسه بضرورة زيارة الطبيب.

إننا إذن أمام حب مستحيل، ترك في نفس صاحبنا اللوعة والشوق والرغبة المقموعة وعذاب الضمير، مما يجعل الأمر يتطلب نوعا من الاستشفاء النفسي والروحي، بحثا عن الهدوء والسكينة التي قد تأتي ولا تأتي!!

3- قصة ʺرجاءʺ؛ البحث عن الحب الحقيقي المفقود

تروي لنا هذه القصة حكاية خالد الشاب الوسيم، الذي كان ينعت بزير النساء، وكان يوقعهن في فخاخه بحلو كلامه، وكان لا يعرف للحب وفاء، وينتقل من متعة إلى أخرى دون أن يتمتع بسعادة الحب الحقيقي العذري والطاهر، حتى وهو بين أحضان أجمل النساء. حدث له هذا حينما كان مراهقا ثم طالبا، وبعد أن أصبح بعدها شابا موظفا يتقاضى راتبا شهريا. فرغم الشباب والجمال والمال والمغامرات العاطفية، كان خالد يفتقر إلى سعادة الحب الحقيقي. لكنه سيشعر بهذه السعادة حينما سيعود ذات يوم إلى البادية حيث مسقط رأسه، لحضور حفل عرس أحد أصدقاء طفولته. هناك في البادية سيرمق بجانب الوادي إحدى الفتيات القرويات الجميلات والطاهرات، والتي سينجذب إليها انجذابا شديدا، وستشعره بطعم السعادة التي كان يفتقدها سابقا، إلى درجة أنها ستجعل الكرى لا يجد إلى مقلتيه سبيلا!

إذا تأملنا في هذه القصة وجدنا أن صاحبها ينتقد ضمنيا حياة المدينة الصاخبة، ويعتبر أن «المدينة، بصخبها وسرعتها وأنانيتها، تيبس ماهية الإنسان ونضَارة دواخله…». ولذلك فهي لم تمنح بطل القصة خالد السعادة والحب الحقيقيين، وسوف لن يجدهما إلا في العيون البريئة لتلك الفتاة القروية الجميلة، وفي أحضان البادية التي ترمز هنا إلى الطهر والصفاء والسكينة وطمأنينة الروح. كما يحاول القاص أن يبرز أن التهافت وراء اللذات الحسية والمتع الصاخبة والمحمومة ليس هو من يمنح للإنسان الشعور بسعادة الحب الحقيقي، بل لا بد له أن يبحث عن ذلك لدى شخص طاهر وبريء وصادق في أحاسيسه وسريرته الداخلية.

لكن هل البادية التي يصورها القاص عبد الجليل في مخيلته السردية هي نفسها البادية الموجودة فعلا على أرض الواقع؟ ألا يمكن القول بأن المدينة اختلطت بالبادية، بفعل انتقال عادات وسلوكات الأولى إلى الثانية؟ ثم هل البادية المغربية اليوم هي رمز للطهر والحب والبراءة وصفاء النفس؟ ألا نجد أفعال الغدر والخيانة وأحاسيس الحقد والكراهية وما شابهها موجودة في البادية أيضا؟

4- قصة ʺصبيب الأنترنيتʺ؛ اللقاء بالحب الأول

ذهب أمجد الذي يشتغل معلما في منطقة نائية إلى الوكالة البنكية، من أجل أن يسحب أجرته الشهرية. لكن انقطاع صبيب الأنترنيت جعله ينتظر طويلا داخل المؤسسة البنكية. وأثناء لحظات الانتظار الصعبة داخل المؤسسة البنكية، التقى بوفاء التي مثلت حبه الأول أثناء دراسته الثانوية قبل عشر سنوات. وقد جرى بينهما حديث تعرفا من خلاله على بعضهما البعض، واعترف كل واحد للآخر بأنه لا زال يحبه، وأنهما مستعدان لتخليد حبهما من جديد.

هكذا، كان انقطاع النيت بالمؤسسة البنكية قد خلق لدى أمجد ولدى باقي الزبائن قلقا وتذمرا وضررا، بسبب تعطل مصالحهم وعدم قضاء مآربهم المالية. لكن كما يقال ʺرب ضرة نافعةʺ، ولذلك فقد كان هذا الضرر نافعا بالنسبة لأمجد، لأنه جعله ينتظر قدوم عشقه الأول ويظفر بلحظة سعادة حب جارف افتقده منذ عشر سنوات، وهو يسعى الآن إلى استعادته من جديد.

من هنا، فقد كان انقطاع الأنترنيت بالنسبة لأمجد وصلا؛ إذ مكنه من التواصل من جديد مع حبيبته، هذا الوصل الذي حول قلقه وتذمره فرحا  وسعادة. ولذلك فقد ذهب قبل خروجه من البنك إلى الموظفة ليشكرها، بل ليشكر على وجه الحقيقة صبيب الأنترنيت!

5- قصة ʺكبوة حصانʺ؛ الحب من أول نظرة

يسبر القاص في هذه القصة أغوار الأحاسيس المصاحبة للوقوع في الحب من أول نظرة، من ارتباك وهيام واشتياق شديد إلى المحبوب، كما حصل مع طالب الفلسفة يوسف الذي أغرم بالتلميذة الجميلة المراهقة حفصة التي كانت تدرس بالسلك الثانوي. وقد بذل يوسف مجهودا كبيرا للظفر بودها، إلى أن تأتى له ذلك. لكن القاص سيجعلنا نقف عند أحاسيس وطباع وحالات نفسية ستؤدي إلى انصرام العلاقة بين المحبوبين؛ من أهمها الزهو والغرور والدلال والاعتزاز بالنفس، والغضب الشديد والأنفة الزائدة التي تجعل الاعتذار للطرف الآخر أمرا صعبا. وهكذا سيحصل الفراق بين يوسف وحفصة بعد أن هجرته وتمنعت عن اللقاء به بسبب خطإ بسيط ارتكبه في حقها. وقد استغلت إحدى الطالبات خصامه مع حبيبته وبعده عنها وتشتت مشاعره، فتقربت منه وأغوته إلى أن أخبرته ذات يوم أنها حبلى منه. وسيكون هذا الحمل بمثابة الخطأ الذي ارتكبه يوسف في حالة ضعف، وقد يشكل عائقا أمام عودته إلى أحضان حبه الأول.

6- قصة ʺبْرْيلْʺ؛ عوائق الحب

يعالج القاص عبد الجليل في هذه القصة جملة من العوائق التي تقف بين الحبيبين، وتمنع حبهما من الاستمرار، ويتعلق الأمر هنات بثلاثة عوائق رئيسية هي الإعاقة وكبر السن ومرض السرطان. فقد نشب حب بين باحثين أكاديميين هما عبد الله الذي «كان حينها طالبا في سلك الدكتوراه، وصاحب مجموعة قصصية يتيمة»، وبسمة التي كانت أستاذة محاضرة في الأدب العربي. وقد كانت بسمة امرأة أربعينية من أصل تطواني، وكانت عمياء البصر، وفضلا عن ذلك كانت مصابة بداء السرطان دون أن يتمكن هذا المرض من إظهار أعراضه على جسدها الذي ظل فاتنا وأخاذا. وفي جلسة رومانسية بينها وبين حبيبها عبد الله، بإحدى مقاهي أصيلا الجميلة، ستخبره بأن مرضها الملعون وإعاقتها البصرية وكبرها عنه سنا هي حواجز تجعل علاقتهما وزواجهما مستحيلا. ورغم تشبثه بحبها، فإنها بذلت مجهودا كبيرا للابتعاد عنه، ولم تعد ترد على رسائله الكثيرة التي كان يبعث بها إليها. وحينما أصابه اليأس قرر السفر بعيدا إلى أمريكا، لمحاولة نسيان حبه لها. وقبل سفره كتب لها رسالة جاء فيها: «كنتِ نصا مُلغزا، نصا مدهشا لا يُقرأ إلا عن طريقة بْريل، كنت قصيدة سُومَرية العُمْرِ عصية على التلقي… أنت أيتها الواضحة الغامضة، البسيطة المركبة… أنت، يا قريبة مني حدَّ الالتصاق، يا بعيدة النوال حد الاستحالة، كما القمر…!».

هكذا، بين عبد الله العاشق في هذه الرسالة أن حبيبته بسمة هي إنسانة اجتمعت فيها المتناقضات؛ الوضوح والغموض، البساطة والتعقيد، القرب والبعد. فقد كان جمالها وفكرها واضحين يدركهما كل من نظر إليها أو استمع إلى محاضراتها، لكنها كانت في الوقت ذاته تحمل أفكارا وأحاسيس غامضة ناتجة عن الإعاقة البصرية والإصابة بمرض السرطان. وبقدر ما كانت بسيطة ومتواضعة وهادئة على مستوى الظاهر، فقد كانت تعيش أحاسيس مختلطة ومتضاربة من جراء الإعاقة والمرض. وهكذا ساهم كل هذا في جعلها بعيدة المنال من عبد الله، رغم قربها منه على مستوى الفكر والوجدان. فهي إذن تلك ʺالمرأة التي في الأعلىʺ (لنتذكر عنوان المجموعة)، وهي التي قدم لها الإهداء قائلا ʺ إليكِ، أيتها البعيدة جدا، القريبة جدا…ʺ. ولذلك اعتبرها نصا ملغزا وطلسما غامضا لا يدرك إلا عن طريق بْريل، في إشارة إلى الطريقة المعتمدة من طرف المكفوفين في القراءة والكتابة. وكأنه يتعين على عبد الله أن يكون مكفوفا ومتقنا للغة بْريل، لكي يحل لغز شخصية حبيبته الغامضة والمتمنعة والهاربة!

خامسا؛ قضايا الفكر والأدب والتعليم

1- إشكالية القضاء والقدر

في قصة “حين غدر القدر” يعالج هذه القاص عبد الجليل الشافعي إشكالية القضاء والقدر، حيث نجد في أعلى القصة بيتا شعريا للشريف المرتضى يقول فيه:

كن كيف شئت فما الدنيا بخالدة      ولا البقاء على خلقٍ بمضمون

بين أن هذا البيت الشعري يؤكد على حتمية الموت، ويعتبره قضاء وقدرا يتجاوز إرادة الإنسان وحريته. وفكرة الموت، كقضاء يعصف بأحلام الأحبة دون إرادة منهم، هي التي ترخي بظلالها على مجريات أحداث هذه القصة؛ حيث تحكي عن أحمد وهناء اللذين كانا يحبان بعضهما البعض، وانتظرا سنوات لكي يتوج هذا الحب بالزواج، إلا أن القدر شاء عكس ذلك، إذ مات أحمد وهو عائد من باريس إلى الرباط في حادثة انقلاب الطائرة التي كان يركبها، وهو ما خلف الجرح الغائر والألم العميق في نفس هناء، التي كانت تعقد آمالا كبيرة على زواجها من أحمد.

هكذا، حاول القاص من خلال هذه الحكاية معالجة إشكالية فكرية وفلسفية، تتعلق بتأرجح الفعل الإنساني بين الحرية والحتمية أو بين الجبر والاختيار. فهناك أفعال تصدر عن إرادة الإنسان وحريته ويكون مسؤولا عنها، سواء كانت خيرا أو شرا، لكن هناك بعض الأحداث الطبيعية أو الميتافيزيقية التي يتعرض لها الإنسان دون حول أو قوة منه. ولعل الموت هو من بين تلك الأحداث التي تقع للإنسان بشكل حتمي وفجائي ودون سابق إنذار، خصوصا إذا كان موتا مأساويا  وعلى حين غرة، كما هو الحال بالنسبة لموت أحمد الناتج عن انقلاب الطائرة. وبطبيعة الحال، فقد حاول القاص أن يظهر آثار ومخلفات مثل هذه الأحداث الناتج عن القضاء والقدر على حياة الأشخاص، فتبعثر أوراق حياتهم وتقلبها رأسا على عقب، فضلا عما تخلفه من آلام وجروح غائرة في الأنفس.

2- صراع الخير والشر في النفس البشرية

يدمج القاص الشافعي اسمي ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل في عنوان إحدى قصص المجموعة، لكي يحصل على ʺقاهابيلʺ. ونحن نعلم أنهما إسمان يرمز أحدهما للخير والآخر للشر، ولذلك فإن الغاية من الدمج بينهما تكمن في التعبير عن حضور الخير والشر في النفس البشرية وصراعهما الأبدي في حياة الإنسان. فقد قام أحمد بطل قصة “قاهبيل” بعمل بطولي وخير، حينما جازف بحياته من أجل استرجاع حقيبة الشابة الجميلة الثرية الموجودة في الطوبيس، من يد السارق الذي انتشلها وكاد يفر بها خارج الطوبيس. لكن هذا البطل نفسه سيثور ضد الرجل الذي جاء مع هذه السيدة إلى المقهى حيث يشتغل، وسيضربه ضربة قوية ومميتة لأنه أهانه، وبدل أن يشكره كما حاولت السيدة اعتبر أنه شريك للص في فعلته. وبعد أن أردى البطل الكهل الثري على الأرض طريحا بأن ضربه بقنينة فارغة، أخذ يسب صاحب المقهى الاستغلالي ويسب كل الأغنياء ويلعنهم.

إننا هاهنا أمام إنسان يتصارع الخير والشر في ذاته؛ فهو يفعل الخير بدافع إنساني خالص، ورفضا للظلم والشر في حد ذاتهما، ولكن في نفس الوقت يمارس العنف ويرتكب الشر دفاعا عن كرامته من جهة، واستجابة لحقد دفين تجاه الطبقة الغنية، وهو المنحدر من طبقة فقيرة ومهضومة الحقوق.

لعل هذا الحدث يثير إشكالية الخير والشر في النفس البشرية؛ إذ في الوقت الذي ذهب بعض الفلاسفة، كطوماس هوبز، إلى القول بأن الإنسان شرير بطبعه وأن الشر متأصل في النفس البشرية، ذهب آخرون، مثل جون جاك روسو، إلى القول بأن الإنسان خير بطبعه وأن الظروف التاريخية والاجتماعية هي التي جعلته يرتكب أفعال الشر.

وإذا تأملنا في قصة ʺقاهابيلʺ، فإننا نجد اللص يرتكب أفعال الشر بسب الفقر والظروف الاجتماعية. لكن بالرغم من أن بطل القصة يعيش نفس الظروف الاجتماعية، فإنه رفض السلوك الشرير الذي قام به اللص وقاومه بدافع إنساني، وانتصر إلى الوازع الخير الذي يقبع في ذاته. ولعل هذا يعني أن أسباب الخير والشر متداخلة ومتشابكة ونسبية، تختلف درجتها من شخص إلى آخر، وتقف وراءها العوامل الفطرية والمكتسبة معا.

3- إشكالية التوظيف السياسي للدين

تثير قصة ʺقاهابيلʺ أيضا مسألة أخرى تتعلق بتوظيف الدين لغايات سياسية تتعلق بالسيطرة والحكم، أو توظيفه من أجل استغلال الناس وتحقيق المكاسب والمنافع المادية والاجتماعية. فهناك أناس جعلوا من أنفسهم خلفاء الله في أرضه، يسرقون ويفسدون ويسلبون ويستغلون الناس في الأرض باسم الشرائع السماوية. فحينما كان ينتظر بطل القصة الحافلة، أشار الراوي إلى أنه كان «ينتظر، كبقية خلق الله، الذين يعذبهم خلق آخر لله، يصلبونهم، يسرقونهم، ويسلبون كرامتهم باسم الله، ويدَّعون أنهم خلفاءه على هذه الأرض، ويصورون الله، على أنه ملك لإمبراطورية مديدة الأطراف، احتاج أن يجعلهم خليفته في مقاطعة أو ولاية، تسمى الدنيا، ويقومون بشؤونها بدله…!».

نحن نعلم أنه بالفعل يتم استثمار المخيال الديني للأفراد من أجل تجييشهم لخوض المعارك السياسية والإيديولوجية، التي تخدم مصالح جماعات الإسلام السياسي، أو مصالح الأنظمة الحاكمة. ولذلك، فإن  استغلال الدين من أجل تحقيق مثل هذه المصالح الضيقة، غالبا ما يقود إلى أشكال من العنف والإرهاب والظلم والاستبداد الذي يسيء إلى الإسلام كدين سماوي، جاء لتحرير الإنسان وصون كرامته الإنسانية.

4- قضايا أدبية

تتعلق بنقاشات كانت تجري بين رشيد وياسين، في قصة ʺورطةʺ حول الرواية والقصة والشعر والقصة الومضة، وجودة الأدب بين المشرق والمغرب…

5- قضايا التعليم

كان الصديقان يناقشان أيضا المستوى المتدني الذي أصبح عليه التلاميذ، والذي له علاقة بالمشاكل المتردية والمتأزمة التي تعرفها المنظومة التربوية في المغرب، والمتعلقة أساسا بعدم نجاعة البرامج التعليمية والطرائق البيداغوجية المعتمدة في التدريس، نظرا لأنها برامج وطرائق مستوردة وغير نابعة من الواقع الحقيقي للمجتمع المغربي، ولذلك فهي لا تعطي الثمار المرجودة ولا تحقق الأهداف المنشودة من الإصلاح التربوي والتعليمي.

سادسا؛ وضعيات بشرية

تدعونا هذه المجموعة القصصية أيضا إلى التأمل في بعض الطباع والأحوال الإنسانية والوضعيات البشرية التي تعيشها فئات بشرية مختلفة، ويمكن إبراز بعضها من خلال ما يلي:

  1. مفارقة الصامت الثرثار في قصة ʺالسيموʺ

 مات “السيمو”، الرجل المتسكع في طرقات سهل الغرب، فجأة ورحل في صمت، مثلما عاش في صمت أيضا. ولم يترك مالا ولا ولدا ولا أي شيء، سوى عبارته التي كان لا يمل من تردادها في وجه كل من يخاطبه؛ “كلنا نسعى في هذه الدنيا”. لقد كانت هذه العبارة هي التركة التي خلفها، أو هي الرأسال الرمزي الذي كان يملكه، وخلفه في ذاكرة الناس الذين تعرفوا عليه وعايشوه.

لكن المفارقة هنا تكمن في أن صمت السيمو كان ثرثارا ومدويا؛ فقد كانت حالته الصامتة وهو يهيم في الطرقات تبعث برسائل كثيرة، يتلقاها الناس وتؤثر في عقولهم ونفوسهم. لقد أشفقوا لحاله، واستغربوا لسلوكاته، وطرحوا حول وضعه أسئلة عديدة، ونسجوا حول قصته حكايات متضاربة ومتناقضة. لقد كان صمت السيمو إذن مدويا ومزعجا، يذكر النفوس بأمراضها وعاهاتها، ويزرع القلق في الضمائر الحية التي تشفق عليه وترثي لحاله. ويكفي صمت هذا المتسكع ثرثرة وعمقا أنه كان يزعج الناس ويذكرهم، من خلال العبارة اليتيمة التي كان يرددها، “كلنا نسعى في هذه الدنيا”، بأنهم ضعفاء ومحتاجون إلى بعضهم البعض، ومحتاجون إلى الله، وأنهم عابرون وراحلون، مثلما كان هو عابر سبيل، ثم رحل دون سابق إنذار.

  • لباس النادلة في قصة ʺكوب قهوةʺ

 حينما طلب بطل القصة من النادلة أن تأتيه ب”كافي كريم” في “الطاس”، استرعاه لباسها الشفاف الذي يثير التقزز ويبعث على الشفقة أكثر مما يثير المتعة ويبعث على الاهتمام. وهنا أخذ يحاور نفسه متسائلا عن الدافع الذي جعل النادلة تلبس لباسا متبرجا ومنافيا للحياء والحشمة، وما إذا كانت مخيرة في ذلك أم مجبرة؟ ويبدو أنه مال إلى القول بأنها مجبرة على ارتداء ذلك اللباس وليست مخيرة، حيث يقول: «ما يدريك أنها تلبس لكي تثير، ما عرَّفك أنت إن كانت مجبرة أم مخيرة…؟!».

هكذا، تمكن القاص عبد الجليل في جملة واحدة أن يطرح علامات استفهام حول وضعية النادلات، اللواتي تضطرهن الظروف المادية والاجتماعية الصعبة إلى العمل في المقاهي، حيث يستلزم عملهن لباسا يسمح بخلق الإثارة والانجذاب لدى الزبائن. وغالبا ما يكون ارتداؤهن لمثل هذا اللباس صادرا عن الجبر والضرورة، وليس على الاختيار وحرية الإرادة. إنه شرط للحصول على لقمة العيش، ومقاومة الحاجة والفقر.

  • فقدان الرغبة في الحياة والإقدام على الانتحار

 نجد هذا الأمر في قصة ʺصرعʺ حيثتحكي عن حمان الذي ولد في إحدى القرى النائية، وسقط وهو في السابعة من عمره من أعلى شجرة تين عملاقة، جعلته بعد ذلك يصاب بنوبات صرع من حين إلى آخر، وكان حينها يصاب بجروح على وجهه. كما كان أبوه يعامله بقسوة وأوقفه عن الذهاب إلى المدرسة. أما الناس فقد كانوا ينادونه بالأحمق، والفتاة الوحيدة التي أحبها وأحبته رفض أهلها تزويجه بها، وفوجئ بعد ذلك بتزويجهم لها لابن الجيران.

هكذا، اجتمع لدى حمان دفعة واحدة المرض المزمن وقسوة الأب والحب المستحيل وسخرية الناس، فجعله كل هذا يفقد الرغبة في الحياة ويقدم على فعل الانتحار.

  • الوقوع في ورطة فقدان مفتاح المنزل

 نجد ذلك في قصة ʺورطةʺ التي تعالج حالة إنسانية حرجة عاشها بطل القصة رشيد، تتمثل في فقدانه لمفتاح المنزل بعد عودته من المقهى حيث قضى بعض الوقت مع صديقه الحميم ياسين أستاذ الفلسفة، يحتسيان القهوة وكؤوس الشاي ويخوضان في نقاشات أدبية واجتماعية وسياسية. وقد حاول صاحبنا بشتى الطرق فتح الباب، لكن محاولاته باءت بالفشل، وبدأ يفكر في طريقة ما لتكسير الباب، خصوصا وأن المفتاح الآخر المنقذ يتواجد الآن في مكان يبعد عنه بأكثر من مسافة 300 كيلومتر. وقد زاد الطين بلة أن تزامنت ورطة فقدان المفتاح مع هطول جنوني وشديد للأمطار. ولحسن الحظ فالورطة ستنفرج وستجد طريقها للحل مع الظهور المفاجئ للجار الأصلع قصير القامة، والذي اقترح عليه حلا عجيبا جعل الباب خادما مطيعا!

  • أوديب المغربي أو الرغبة في قتل الأب

 يستثمر القاص عبد الجليل الشافعي في عنوان ʺقصة أوديب المغربيʺ رمزية أوديب الملك كدلالة على قتل الطفل لأبيه. فكما نعلم، فقصة أوديب هي أسطورة يونانية قديمة تحكي عن أوديب ملك طيبة الذي قتل أباه وتزوج أمه وأنجب منها أطفالا، دون أن  يعرف ذلك. وبعد أن علم ذلك نفى نفسه من بلاده ليخلصها من الوباء، وعاش طريدا من الأرض والسماء.

يستثمر القاص الدلالة الرمزية لهذه الأسطورة الشهيرة ليتحدث عن أوديب مغربي، وهو الطفل أنور الذي سيحلم بأنه قد قتل أباه، كرغبة دفينة ولاشعورية موجودة لديه في قتل أبيه فعليا. فقد عاش الطفل أنور في أسرة فقيرة بأحد الأحياء القصديرية المحيطة بالمدينة، حيث الفقر والبؤس والجريمة والمخدرات وكل الموبقات الأخرى. وكان يتابع دراسته بإصرار وفي ظروف جد صعبة، حيث كان يضطر بعد عودته من المدرسة إلى الذهاب إلى الشارع من أجل بيع السجائر أو مناديل الورقة، وبيع ʺالميكاʺ في السوق الأسبوعي يوم الأحد. وقد كان أبوه عاطلا وكسولا وسكيرا وعنيفا، إذ لطالما أذاقه وأمه أشكالا وألوانا من الضرب والعذاب لأتفه الأسباب، خصوصا حينما تلعب الخمرة بعقله. ولذلك «لطالما تمنى أنور الموت لأبيه، بل لطالما تخيل نفسه قد صار قوي البنية، ويرد على أبيه عنفا بعنف، حتى ينتقم من كل العذابات التي عاشها، وعاشتها أمه معه.»

هذه الرغبة الدفينة لدى الطفل في قتل الأب، هي التي جعلته يقتله في واقعة عاشها وهو نائم في الحلم. فقد شرب الأب الخمر كثيرا حتى الثمالة، في ليلة من ليالي الصيف. وحينما خرج ليتبول خارج “البراكة”، إذ لم يكونوا يملكون مرحاضا، أطفأت زوجته “اللامبة” من أجل الاقتصاد على الغاز، وأبقت فقط على الشمعة، مما جعل النور في “البراكة” يخفت ويؤدي إلى سقوط الزوج الثمل وإصابته  بجروح في وجهه. وهنا أخذ صاحبنا يرعد ويزبد ويرفس الزوجة بكل ما أوتي من قوة، حتى أسقطها مغمى عليها فوق الحصير. وقد أخذت البنت الصغيرة زهرة ذات الأربع سنوات تصرخ من هول ما رأت، وهو ما أغضب الأب وجعله يحمل هراوة ويهم بضربها بها، لولا تدخل أنور الذي خشي على أخته من الهلاك، فانقض على سكين كان مرميا على الأرض ووجه لأبيه طعنة قوية صرخ على إثرها صراخا مدويا، أيقظ أنور من حلمه المزعج، وقد تصبب جبينه عرقا.

من ناحية أخرى، بين لنا القاص من خلال حلم الطفل رغبته المكبوتة في قتل أبيه، دفاعا عن كرامة أمه من جهة، وقتلا رمزيا للظلم والتسلط والعنف الصادر عن الأب تجاه الأسرة ككل من جهة أخرى. فقتل الأب هنا في الحلم، هو رغبة في تقويض المجتمع الذكوري وإعادة الاعتبار للمرأة، كما أنه تعبير عن ثورة ضد ظروف البؤس والفقر والعيش المزري التي تعيشها الطبقة الكادحة في المجتمع، والتي تعد من الأسباب الرئيسية التي تقف وراء التعاطي للخمور والمخدرات وفساد السلوك البشري، مما يؤدي إلى ممارسة العنف والتسلط وإهدار كرامة الكائن البشري.

  • وضعية تردد عجوز شمطاء

 يدعونا القاص الشافعي في قصة ʺترددʺ إلى التأمل في حالة إنسانية هي حالة التردد عن فعل شيء ما، والتي تحدث للكثير من الناس. وإذا كان القاص يستهل هذه القصة ببيت شعري للخليفة أبي جعفر المنصور يدعو فيه إلى عدم التردد في إبداء الرأي، حيث يقول: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ≈≈ فــــــــــــــــإن فســـــــــاد الرأي أن تتــــرددا، فإن عدم التردد في هذا البيت الشعري مشروط بالتوفر على الرأي السديد والموثوق به. لكن هذا لا ينطبق على السيدة العجوز بطلة هذه القصة، إذ لم تكن تملك الرأي السديد والأكيد الذي من شأنه أن يجعلها تملك العزيمة والقوة على الإقدام على قطع طريق شارع محمد الخامس بمدينة القنيطرة؛ فقد ظلت تراوح مكانها على حافة الطريق، إذ ما إن تضع رجلها ببطء وحرص شديد في الطريق من أجل قطعه حتى تتردد وتعود القهقرى إلى الوراء. وحيث أن العجوز كررت هذا الفعل مرات عديدة خوفا من أن تدهسها إحدى العربات التي تجوب الشارع، فإن هذا المشهد المفارق والمحير أدهش رجلا كهلا كان يجلس في مقهى “لاسيكون” القديمة، الموجودة في الرصيد الآخر المقابل للرصيف الذي كانت تعيش فيه العجوز ترددها السيزيفي. فقد استغرب هذا الرجل لهذا التردد الملغز في قطع الشارع من طرف العجوز، وهو ما دفعه إلى النهوض من المقهى والذهاب إلى مساعدتها، خصوصا وأنها لم تتلق أي مساعدة من الناس الذين كانوا يمرون بمحاذاتها. وحينما وقف الرجل على الرصيف المقابل للعجوز، انتظر إشارة الضوء الأحمر الذي يعلن عن توقف السيارة، وبعدها أخذ يعبر الطريق باطمئنان وبدون تردد متجها صوب العجوز المترددة، لكن المفاجأة هي أنه «حين أوشك على الوصول إلى المرأة، صك أذنيه صراخها الحاد مختلطا بصوت كبح عجلات مجنونة، ثم لم يعد يسمع بعدها شيئا…». وهكذا كان تردد العجوز حكيما، وكان خوفها نجاة، بينما إقدام الرجل وعدم تردده جلب له الموت المحتوم، بالرغم من أنه تصرف تحت ضمانة إشارات المرور الحمراء، التي لم يحترمها السائق الذي كان يسير بسرعة مجنونة، أردت الرجل الكهل قتيلا.

هكذا، جعلنا القاص نتأمل في حالة التردد، وبين أنه بقدر ما يكون عدم التردد في إبداء الرأي أو الإقدام على الفعل مطلوبا حينما يكون المرء واثقا من الخطوة التي سيقدم عليها، فإن التردد يكون مطلوبا حينما لا نكون واثقين من أفكارنا ومن النتائج التي سيفضي إليها إقدامنا على فعل ما.

كما يبين التردد الذي طبع سلوك العجوز أثناء محاولتها لعبور الشارع، أنها كانت تملك حدسا قبليا بخطورة هذا العبور، خصوصا وأنها سقيمة الجسد ومنهوكة القوى، ولم تتلق أي مساعدة من الآخرين، وربما كانت بتجربتها لسنوات طويلة تدرك تهور بعض السائقين الذين يسيرون بسرعة جنونية، ولا يرحمون الضعفاء والعجزة، كما لا يحترمون قوانين السير. فحق لها أن تتردد وتتردد درء للخطر المحتمل!

  • الشعور بالرتابة والملل بعد انقضاء البدايات

 نجد كشفا لهذه الحالة النفسية والوجودية في قصة ʺوصية جدʺ، حيث يتعلق الأمر بحالة يعيشها الكثير من الناس، تتمثل في أنماط العيش العادية والمتكررة التي تضعف خلالها أو تنعدم المتعة أو السعادة التي كان يشعر بها العاشقان أو الحبيبان أو الزوجان في بداية لقائهما. ولذلك نجد الجد يوصي حفيده قائلا: «استغل ما تتيحه البدايات حتى الوصول إلى النشوة، لأن ما بعد البداية، لا يوجد إلا العادي والتعود، ثم يليه الرتيب الممل، لتعقبه النهاية..!».

نحن هنا، أمام ما يشبه النصيحة الأبيقورية التي تدعو إلى اغتنام الفرص لاقتناص أكبر قدر من اللذات والمتع. وما دامت الرتابة تطغى على ما بعد البدايات، فإن ما يطبع سلوك الناس خلال فترة الما بعد هاته هو التظاهر والتصنع والنفاق الاجتماعي والتصرف الرتيب الذي تحكمه العادات وضرورات العيش، مثلما يحصل بين الأزواج والأصدقاء وزملاء العمل وغيرهم.

خلاصة

بعد استمتاعنا بقراءة العشرين قصة المكونة لهذه المجموعة القصصية، المرأة التي في الأعلى، وغوصنا في ثنايا القضايا التي عالجتها والأحاسيس التي صورتها والوضعيات البشرية التي سلطت الضوء عليها، يمكن أن نخلص إلى تسطير النتائج التالية:

1- نحن أمام قاص واعد نتنبأ له بمستقبل زاهر في مجال الكتابة السردية، لما لمسنا لديه من قدرات رائعة في التعبير ورؤية ثاقبة للمشاهد والأحاسيس والحالات الإنسانية التي اتخذها كموضوع لقصصه. خصوصا وأننا أمام إصداره القصصي الأول، ونعلم بحكم الصداقة التي تجمع بيننا أنه أنهى كتابة عمل روائي، ويعزم أن ينشره قريبا، كما أن له العديد من القصص القصيرة المنجزة.

2- لم تركز قراءتنا لهذه المجموعة القصصية على الجانب الشكلي المتعلق بالأسلوب واللغة، بل ركزنا على جانب المضمون فقط. لكن يمكن القول بأن القاص عبد الجليل الشافعي يعتمد طرقا وأساليب خاصة في التعبير، تمنح لكتابته التميز والتفرد عما عداها من أنواع الكتابة القصصية. وأهم ما يميز كتابة الشافعي هو أنها تعتمد الإيحاء والترميز والاختصار في التعبير، بحيث يتمكن القاص انطلاقا من جملة أو جملتين أن يثير قضية من حجم كبير. كما ترتكز على أساليب التشبيه الكثيرة التي يستخدمها والتي تزيد عباراته جمالا ورونقا.

3- معظم قصص المجموعة تدور وقائعها في منطقة سهل الغرب في المغرب. ولذلك فهذه المنطقة تسكن ذات القاص، لأنها مسقط رأسه، فيها نشأ وترعرع. وهذا الأمر هو الذي جعله يخلدها في قصصه، ويمتح من طبيعتها ودواويرها ونهر سبو الذي يخترقها، ومشاكل ناسها وأنماط عيشهم، مواضيع سلط عليها الضوء في كتابته القصصية.

4- يكتب القاص الشافعي بحس نضالي ونفس ثوري، يلمسه القارئ من خلال فضحه في قصصه للكثير من مظاهر الفساد والتسلط والظلم الذي تعيشه شرائح كثيرة من الناس، كما يعري على العديد من الاختلالات التي يعرفها الواقع المغربي، داخل المؤسسات والإدارات وفي أنماط العيش وفي تدبير الشأن العام. كما يجعله حسه النضالي ينحاز إلى قضايا البؤساء والفقراء والمظلومين والمستغلين، ويعالج أوضاعهم في قصصه.

5- يحتفي القاص عبد الجليل الشافعي بفعل الكتابة، وبفعل القراءة أيضا نظرا للارتباط الوثيق الموجود بينهما، ويمنحها القيمة والمكانة التي تستحقها وتميزها عن باقي الأفعال البشرية الأخرى. وهذا ناتج عن ولعه بالقراءة وحبه لفعل الكتابة، وإدراكه لأهميتهما بالنسبة للفرد والمجتمع. فنحن نجده يعالج موضوع الكتابة كموضوع رئيسي في قصتين هما ʺحلم قديمʺ وʺوصية جدʺ؛ حيث يدافع في الأولى عن حق الحلم بالكتابة، ويبين في الثانية أهمية الوصية بالكتابة، لأنها تجعل صاحبها يعيش أكثر من حياة، وتثري مداركه العقلية، وتكسبه الخلود الذي تتوق إليه كل نفس بشرية.

6- تحتل تيمة الحب مكانة هامة في هذه المجموعة القصصية، إذ يصور لنا القاص عبد الجليل الشافعي الأحاسيس المصاحبة لعاطفة الحب، ويصف لنا الوضعيات والحالات التي يعيشها الحبيبين، وطبيعة العلاقات التي تربط بينهما. وقد حضرت تيمة الحب كموضوع رئيسي في ست قصص في هذه المجموعة؛ حيث عالج الشافعي في قصة “كوب قهوة” طبيعة الإحساس بالعزلة والشوق إلى الحبيبة، وصور لنا في قصة ʺالمرأة التي في الأعلىʺ وضعية المرء حينما يكون أمام حب مستحيل، وفي قصة ʺرجاءʺ جعلنا نتبين أحاسيس شخص يبحث عن الحب الحقيقي الذي افتقده رغم مغامراته العاطفية الكثيرة. كما أبرزت لنا قصة ʺصبيب الأنترنيتʺ مشاعر الفرح والسعادة باللقاء بالحب الأول، في حين جعلتنا قصة ʺكبوة حصانʺ نعيش المشاعر القوية والمتدفقة التي تعقب الحب من أول نظرة، وإن كان هذا الحب غالبا ما يصطدم بالظروف والإكراهات الواقعية. ولهذا، نجد جملة من العوائق التي تعترض الحب الحقيقي، وتمنع حصول الزواج بين المحبين، وقد جعلتنا قصة ʺبْرْيلْʺ نقف عند بعض تلك العوائق، وهي الإعاقة وكبر السن والمرض الخبيث.

7- بالإضافة إلى الحس الأدبي الرفيع الذي يكتب به القاص عبد الجليل الشافعي، فإننا نلمس لديه أيضا ميولات فكرية وثقافية، تبين عن اطلاعه الواسع على مجموعة من القضايا التي عالجها في مجموعته القصصية، وهي قضايا فكرية وسياسية وأدبية وتربوية، مثل إشكالية القضاء والقدر وإشكالية الصراع الأبدي بين الخير والشر، وإشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، وقضية الأدب العربي بين المشرق والمغرب، وقضايا الشعر الحر والقصة الومضة، بالإضافة إلى القضايا المرتبطة بالتربية والتعليم.

لعل اجتماع كل هذه الخصائص والعناصر التي أشرنا إليها في الكتابة القصصية عند عبد الجليل الشافعي، تجعلها ولاشك كتابة تستحق كل التقدير والتشجيع، خصوصا أننا أمام إصداره الأدبي الأول، مما يعني أن ممارسته الإبداعية قابلة للصقل والتطور مع ازدياد وتنامي تجاربه في القراءة والكتابة. وإن كان القاص الشافعي يستحق التكريم، فإن أحسن تكريم له هو أن تخضع كتاباته القصصية للنقد والتداول والنقاش بين الدارسين والنقاد.

____________
*بقلم: محمد الشبة.

وسوم:

اترك رد

جديدنا