تهافت علم الجمال الإسلامي؛ رؤية نقدية

تصدر دور النشر العربية كتب عديدة فأفتش فيها للبحث عن قضية تطرحها أو مناقشة أو جدل يمكن أن يقوم عليها فلا تجد، ووقع بين يدي كتاب من هذه الكتب النادرة في الثقافة العربية المعاصرة، قد أتفق معه وقد أختلف، لكنه أثار اعجابي، الكتاب هو (تعافت علم الجمال الإسلامي ) من تأليف الدكتور سعيد توفيق أستاذ الفلسفة في جامعة القاهرة، صدر الكتاب عن الدار المصرية اللبنانية، يطرح المؤلف رؤيته على أنه ليس هناك معنى للحديث عن علم جمال إسلامي، طارحا تساؤلا حول إمكانية أن يقوم علم جمال إسلامي؟

إذن، نحن أمام جدليَّة يطرحها الكتاب، لقد أصبح من المستقر عليه الآن أنَّ علم الجمال ليس هو العلم الذي يبحث في الفن بإطلاق، لأن هناك أنماطا أخرى عديدة من الكلام العلمي الذي يمكن أن يقال عن الفن، ولكنه لا يدخل في باب علم الجمال بمعناه الفلسفي الدقيق،وذلك من قبيل البحث الذي يرد في سياق سيكولوجيا الفن التجريبية، والدراسات السوسيولوجية والأنثربولوجية عن الفن، وعلم تاريخ الفن .. الخ .

يري الدكتور سعيد توفيق أن علم الجمال يركز انتباهه في ذلك الجانب الجوهري من الفن الذي به تتحقق ماهيَّة الفن بوصفه فنا، وهو ما يسمى ( الإستطيقي ) الذي يعني ( الجميل المعطى من خلال الفن ) وهذا هو الجمال الذي يجعلنا ندرك إبداع وتذوق ونقد كل ما هو جميل في إطار كلي، فعلم الجمال ينصرف إلى دراسة جماليات النمط الفني دراسة خالصة من موطنه و عصره وتقنيات صناعته، هنا هو يتناول دراسة المبادئ الجمالية المميزة لنمط فني ما في سياق نظرية علم الجمال .

كل ما سبق في طرح المؤلف جعله يؤكد عبر صفحات كتابه أنه لا وجود لعلم الجمال الإسلامي في تراثنا، وأخذ يحلل عدد من كتابات من ذهبوا إلى ذلك ليؤكد أنه تم تحميل النصوص التراثية ما لا تحتمل من الدلالات والمعاني، ويذهب إلى أن الكتابات النقدية في تراثنا الفكري لا تنتمي إلى علم الجمال، ولا إلى النقد الفني بمعناه الدقيق، وإنما إلى علوم البيان، وبوجه خاص علم البلاغة وعلم البديع .

المؤلف مع خاتمة الكتاب نرى طرحا جديرا أن يبنى عليه إذ يرى أنه من الضروري أن نلاحظ أننا لا نقصد أنه لا وجود لعلم جمال إسلامي فعلا أو إمكانا، فإننا لا نقصد بذلك أننا كمسلمين لا يمكننا أن نبدع في علم الجمال، والمؤلف يرى أنه لتحقيق هذه الغاية لا بد أولا أن نبدع في مجال جماليات الفن الإسلامي، ثم أن نبدع في مجال النظريات الجمالية وفي هذه الحالة سيكون هناك تشبعا بوحينا وطابعنا الخاص .

هذا الكتاب علي صغر حجمه لكن ما يطرحه يدفعنا إلى القول بأنه كان هناك إسراف في العقود الأخيرة في العديد من العلوم الإنسانية بالبحث عن جذور لها في التراث الإسلامي دونما تدقيق وتمحيص فثورة العلوم الإنسانية في عصرنا غيرت الكثير، لكن علينا أن نكون منتجين للمعرفة طبقا لمعطيات عصرنا ولا نحمل الماضي ما لا يتماشي مع سياق عصره.
____________
*دكتور خالد عزب.

اترك رد

جديدنا