السمفونيَّة المغربيَّة تعيد الاعتبار لموسيقى المهمّشين

السمفونيَّة المغربيَّة

أولا: الفيلم السينمائي والواقع المغربي

 ما الغاية من إنتاج كم هائل من الأفلام والمسلسلات في القنوات المغربية المتنوعة والمتعددة من حيث الأشكال والأهداف والغايات؟  

إن الناظر في الشارع العام المغربي سيجد أن المجتمع المغربي مصنف إلى شرائح اجتماعية كثيرة، منها من لا يهتم  بالفيلم ولا بالسينما،  ويعتبرها وسيلة  للدعة والترف والتسلية، ومنها من هو شغوف بالاستماع بما تبثه التلفزة المغربية في قنواتها العديدة،  ولا شك أن مواقف المهتمين بالسينما والجماهير المشاهدة لهذه الأفلام والمسلسلات.

ستختلف وجهات نظرها لهذه الإنتاجات التلفزيونية،  فهناك فئة ترى أن هذه الأعمال السينمائية تنقسم إلى أعمال جيدة ومتوسطة ورديئة، فالجيد منها ما لقي استحسانا كبيرا من لدن المشاهد العادي الذي يكتفي بالمتعة في الفرجة، والمشاهد الباحث السينمائي الذي يسلط الضوء على العمل في أبعاده الجمالية التصويرية والصورية أي الجمالية من جهة، وعن الرسائل المتضمنة فيه التي ينبغي أن تطرح بدائل عملية  تشفي جراح المجتمع ومشاكله وأتراحه. من هنا تتحدد مزايا الفيلم وتعددت، بل وبإمكاننا في هذا المقام تأكيد دوره الفعال في التعبير عن هموم المجتمع، والتفكير في الأفق العميق المتمثل في إيجاد حلول ناجعة لا شك أنها ستساهم في زوال المعاناة وعودة الأمور إلى التوازن والاستقرار.

من هنا تتحدد أهمية الفيلم المغربي الجيد الذي هو في حقيقة الأمر أداة فعالة مهمة تسعى إلى التفكير في حلول جديدة وجدية تكون نتائجها محمودة، تفي بالغرض المطلوب، الذي يعيد المجتمع إلى رشده ويخلصه من آلامه وأحزانه.

إن الحديث عن الفيلم يجعلنا نستحضرالباحث السينمائي المغربي محمد اشويكة في مقاله الموسوم ب” السينما والسوسيولوجيا أي علاقة ممكنة؟ فهو الناقد المغربي الذي استطاع أن يرسم لنفسه طريقا منيرا في مجال السينما والفنون، وفي حديثه عن الفيلم فإنه  يراه وثيقة تؤرخ للسيرورة الاجتماعية للشعوب في واقعها اليومي، عبر تصويرها لكل ما يحدث في حياتنا اليومية، لذا فلا عجب إذا اعتبره وسيلة تعبير جماهيرية نابعة من الإنتاج والتوزيع والعرض، وإشارته إلى الجمهور يعنى إقرار الصلة الوثيقة الموجودة بين المنتوج ومن يتلقاه، فالسينما فن جماهيري إلى أبعد الحدود، ويعزى ذلك إلى اللغة البسيطة العامية التي يتبناها الفيلم، والتي يعرفها الجمهور بتعدد فئاته و شرائحه، وهذا سر انجذاب الجماهير للأفلام المتصلة بها؛ لأنها تنقل الأشياء المحسوسة بواقعية لا نظير لها، بطرق وأدوات فنية تيسر على المتلقي أمر فهمها واستكناه جوهرها، وبالتالي فالفيلم يعد محصلة الفنون جميعها؛ نظر للآليات الموظفة فيه والتي تتبين في العناصر الصوتية والصورية والموسيقية فالسمعية والبصرية.

لا شك أن إنتاج الفيلم السينمائي يحتاج إلى عدة ثقافية كبيرة بالموسيقى والفن، فلا يكاد يخلو أي عمل سواء كان فيلما أم سلسلة من  شذرات موسيقية تظهر في بدايته التي تعرض منتجي العمل من المخرج والمصور وكاتب النص وغيرها من المساهمين في إخراجه إلى الوجود الفني، مع ذكر ممثليه وعنوانه الرئيس، كما أنها تظهر أيضا في بعض مقاطع الفيلم وأثناء نهايته، ومن هنا يتبين الدور الفعال الذي تؤديه الموسيقى أيضا في عمليتي التبليغ والتعبير باعتبارهما وظيفتين هامتين ينشدهما الفن السينمائي.

ثانيا: أحداث فيلم السمفونية المغربية.

يعتبر الفيلم السينمائي المغربي السمفونية المغربية الذي أنتجته القناة الثانية المغربية أهم الأعمال التي كانت الموسيقى موضوعها الرئيس ، لمخرجه الفنان الموسيقي كمال كمال، فالفيلم هو منتوج سينمائي درامي، تطلب إنتاجه ثلاث سنوات اكتمل عام 2006، مثل أحداثه ثلة من  الوجوه السينمائية المغربية التي لها كفاءة وقدرات  فنية مهمة، لتمثيل وتصوير الواقع المغربي في كل تناقضاته وإشكالاته، فمعظم ممثليه يشكلون الفرقة الموسيقى التي أسست لسمفونية مغربية، وهم: الأستاذ المسن الخبير كافي الذي يدرس الموسيقى والكلمات والألحان في معهد الموسيقى، وكذا عمر وحسن وحبيبة الذين يعزفون على آلة الناي القديمة والعصرية، والفنانة الكندية ربيكا التي تتقن العزف على آلة الكمان، بالإضافة إلى مصطفى، وطبيب الأسنان وسائق سيارة المجموعة الموسيقية ، ولا ننسى كذلك الشابة الحسناء أحلام صاحبة الصوت الرائع، وعازفة آلة الكورديو.

يحكي فيلم السمفونية المغربية  سيرة الفنان الموسيقي المغربي يونس مكري الذي أدى دور حميد في الفيلم، والذي شارك في حرب لبنان وعاد إلى المغرب، وأضحى متشردا بئيسا، ورغم ذلك فتولدت لديه رغبة جامحة في تكسير الجدران والعوائق الاجتماعية التي تشكل شوكة في حلقة كل من أراد الظهور والذيوع في الفن، وخاصة وأنه مثقف فقير ينتمي إلى الفئات الاجتماعية التي لا تملك أدنى شروط العيش، التجأ إلى السرقة واللصوصية ليجد مخرجا لهذه المعاناة التي تنخره وباقي المهمشين في مدينة الدار البيضاء، الفضاء الشاسع الصاخب الذي لا يترك أدنى فرصة للبسطاء في الظهور، فهو صاحب مشروع ثقافي موسيقي متمثل في تكوين مجموعة تأسس لسمفونية مغربية تغني الموسيقى الكلاسيكية الأوركسترا المغربية، والذي استعان بزملائه الذين ينتمون كلهم إلى العالم المهمش، في فضاء قريب من السكك الحديدية للقطار، يدعى باللغة العالمية المغربية ” لافيراي ” المليء بحديد وسائل التنقل من السيارات والدراجات العادية الهوائية والنارية، فهو فضاء يفتقر إلى أبسط ضروريات العيش، فرغم هذه هذا الحلم العظيم الذي طالما راود أعضاء المجموعة، فإنها ستواجه صعوبات عسيرة كادت أن تجهض الحلم قبل بروزه، ويتمثل ذلك في عدم توفر المجموعة أدوات العزف والغناء حتم على حميد اللجوء إلى سرقة الكورديو وإرغام صاحب محل بيعها بذلك، بعدما صعب أمر اقتنائها بالثمن الخيالي الذي يعادل سبعة ملايين سنتيم مغربية، هذا إضافة إلى الصراع الذي نشب عن مصطفى المشاكس وأحد ضيوف الحلفة التي أقيمت في منزل الجنرال، بعدما وافق بحضور مجموعة السمفونية إلى السهرة الليلية، فقد دافع مصطفى عن صديقه الأبكم الطيب حسن، وهكذا وتفاقمت الصعوبات التي كادت أن تعصف بحلم المجموعة، فكاد القطار يضع حدا لحياة حبيية بسبب تصرفاتها وسلوكاتها الطائشة والمتهورة والتي تمنت الموت في أقرب الآجال، إلا أن مسعى الفنان حميد والأستاذ كافي تحقق، فقد تمكنوا في تكوين سمفونية مغربية ضخمة لقي الإعجاب والإقبال لدى الجميع الذي وقف لهم تقديرا واحتراما لهم ولثقافته الموسيقية العميقة، وأدائهم الرائع في خشبة قاعة الثقافة والفنون.

إن موضوع فيلم السمفونية المغربية عمل سينمائي يتناول المشهد الموسيقي المغربي خاصة، والثقافي الفني عامة، وهو بذلك يطرح تساؤلات عديدة عميقة تحتاج إلى تأملات نقدية أعمق، حيث كان من أهمها ما علاقة الهامش بالموسيقى؟ وما موقف المغاربة جميعهم من الموسيقى؟ وأية موسيقى، إنها في الفيلم موسيقى المهمشين المنبوذين في مجتمع لا رحمة ولا شفقة فيه، ولذا إنهم يعتبرون الموسيقى وخلاصا يزيلهم من حالة التعاسة والشقاء والبؤس إلى حالة اجتماعية وثقافية وكذا اقتصادية أفضل.

ثالثا: علاقة المهمش بالثقافة والفنون.

يعرض الفيلم السينمائي مشاهد تصور لنا وبشكل أدق صورة الإنسان المغربي الغني البورجوازي  حول الموسيقى والفن، فقد تمت معاتبة المسؤول عن المشروع الفني لمجموعة السمفونية المغربية حميد من قبل الجنرال الذي تحسر وندم ندما شديدا حين دعا المجموعة الموسيقية لحميد للحضور في منزله ليعرضوا منتوجهم الفني، وانتقدهم نقدا لاذعا ونعتهم بالمتشردين والمقموعين، واعتبرهم بأنهم بعيدون عن  الفن والموسيقى، وفي مقابل ذلك فإن الموسيقى الصاخبة المعروضة في البارات والحانات الليلية تلقى إقبالا جماهيريا كبير من لدن الشباب والشابات، وأغلبهم ينتمون إلى الأسر الغنية، التي تتوفر على أموال طائلة، مقابل قدرات فنية دون المستوى المطلوب، ومن هنا يتبين وبجلاء مظاهر الصراع الطبقي الذي يزكي أسسه أصحاب المال والفيلات فالسيارات الفاخرة، عبر احتقارهم لهؤلاء البؤساء الذين لم تسعفهم ظروفهم المادية والاجتماعية البئيسة في فرض وجودهم على الساحة الفنية والثقافية، وأمام هذه السيول التي تجهد نفسها محاولة ترسيخ ثقافة المركز والمهمش، تتوهج أفئدة المنسيين وتلتهب، وتتولد لديها رغبات جامحة في الظهور في المجال الفني والمشهد الثقافي في كل ألوانه، وفي هذا السياق بالذات نتذكر المفكر المغربي عبد الكريم غلاب في حديثه عن الحرية التي تعد المطلب الإنساني الرئيس لدى كل الضمائر الحية قبل كل شيء، ويوضح ذلك قائلا: ” الحرية تحقق الخبز، والخبر قد لا يحققها “، إيمانا منه بالسمو والمكانة العالية التي تحظى بها هذه القيمة الأخلاقية الذهبية لدى البشرية جمعاء، إلا أن سعي الفئات المعوزة (البؤساء)  في المجتمع إلى الحرية والاستقلال يكون أقوى وأعنف من نضال البورجوازية إليها، وهذا ما يرسخ وشيجة المقموعين بالقيم النبيلة، وحبهم للفنون الثقافية عامة، والموسيقية على وجه التحديد، وقد سبق لنماذج من الفئات المهمشة والبئيسة في المجتمع وأن ظهرت بشكل كبير في المجال الأدبي الروائي، واعتبرت من ألمع الوجوه الأدبية العالمية، فمحمد شكري ذاع صيته في النقد الأدبي الأمريكي والياباني فترجمت الخبز الحافي إلى الإنجليزية من لدن الفنان الأمريكي بول بولز، وإلى اليابانية من قبل المستعرب الياباني نواباكي نوتوهارا، )عن رواية في الصيف والخريف فقط، لمحمود عبد الغني(.

رابعا: الثقافة المغربية والموسيقى.

أشار الفنان يونس مكري في مقال له في مجلة الصحراء بعنوان ” نحن لسنا بروليتاريا حتى تتوزعنا النقابات الموسيقية ” إلى أنه رغم نجاح تجربة السمفونية المغربية، باعتبارها عملا سلط الضوء على مجموعة من المهمشين أعادوا الاعتبار للموسيقى الجميلة والجيدة التي تفصح عن هموم الشعب وقضاياه الإشكالية، فلا زالت الساحة الفنية السينمائية المغربية تواجه صعوبات بالغة في استثمار الموسيقى في الأفلام، بداعي انعدام الإمكانات المادية، وأقر بعدم اقتناع السينمائيين بدور الموسيقى التصويرية التي تشكل مكونا رئيسا من عناصر العملية السينمائية، القضية نفسها نجد لها أثرا عند الروائي المغربي محمود عبد الغني الذي وضح هو الآخر عدم وجود ثقافة الاهتمام بالموسيقى ذات الطابع الأندلسي والمغربي الأصيل في المغرب، حيث لقيت الإهمال التام ونعتت بموسيقى المتوحشين من لدن المغاربة في طنجة، فيما لقيت اهتماما كبيرا من لدن الفنان الأمريكي المقيم بطنجة، ويوضح الكاتب ذلك بقوله:

“كان بولز منشغلا بتسجيل الموسيقى المغربية. وقد كان يستغرب كيف أن المغاربة أنفسهم أطلقوا عليها ” موسيقى المتوحشين”. ولذلك اعترض العديد من مثقفيهم. على ما كان يقوم به بولز. واستعان لإنجاز عمله بشخص يدعى محمد العربي الجيلالي …”. )عن رواية معجم طنجة، لمحمود عبد الغني، منشورات المتوسط، ص65).

بناء على ما سبق ذكره، نخلص إلى أن متابعة الفيلم السينمائي السمفونية المغربية لم تكن يوما ما على سبيل الفرجة والمتعة لتزجية الوقت فقط، بل هو أداة فعالة كشفت المسكوت عنه في المجتمع وبينته بكيفية بارزة، ولم تقف عند التصوير والتمثيل فقط، بل سعت إلى تقديم بدائل عملية  تشفي غليل الكثير من هؤلاء المهمشين المثقفين الذين اعتبروا الموسيقى الهادفة شرطا لا غنى عنه، ومسألة ثقافية كونية ووجدانية في عواطفهم ستجعلهم يخرجون إلى عالم الفن والموسيقى والوجود الحضاري والثقافي عامة.

____________
  *إدريس جبور: خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، يعمل أستاذا للغة العربية بالتعليم الثانوي الإعدادي، شارك في كتب جماعية في مجلات محكمة، وله مقالات علمية ونقدية في المجال الأدبي منشورة في منابر إعلامية، ونصوص إبداعية سردية.

وسوم:

اترك رد

جديدنا