حاضرة  مدغرة  في  التاريخ

مقابلة إذاعية مع باحثين في التاريخ  والأدب إذاعة مدينة ف.م

مدينة ف.م:  حول منطقة  مدغرة بالرشيدية.

 استضاف فيها الأستاذ عبد الله البلغيثي في برنامج *مقامات*  الباحثين عبد العزيز بلبكري،  وعمر قلعي، وعبد العزيز مليكي،  تدخَّل في بداية اللقاء مقدِّم البرنامج الأستاذ الإعلامي عبد الله البلغيثي وقدَّم بعض المعطيات المصدرية التعريفيَّة، بعدها أعطى الكلمة لضيف الحلقة الباحث عبد العزيز بلبكري،فقدَّم التوضيحات التالية:

تقع مدغرة في جهة درعة تافيلالت،  وهي جزء من إقليم الرشيدية، حيث تعتبر مدغرة  حدود لبلدية الرشيدية إلى جهة الجنوب. وعلى مستوى المصطلح فالكلمة أمازيغية الأصل وتعني إمطغر وإمطغرن أي المستقر والمستقرون،  لذلك اشتهرت قبيلة مطغرة بهذا الاسم، غير أن مطغرة القبيلة كانت تتنقل منذ قرون بعيدة،  بين مجال سجلماسة وتلمسان،  قبل أن تستقر بعض فروعها مع توسعها الديموغرافي وتحركاتها بحثا عن الكلأ أو التجارة، وأحيانا لظروف طبيعية أو سياسية.

وإذا رجعنا إلى مدغرة التي نسعى إلى التعريف بها، فقد برزت كشخصية معنوية، متمثلة في جماعة شكلت جزءا من سجلماسة، ثم بعضا من تافيلالت لاحقا، يتحكم فيها المركز الجهوي،  وتخضع لسلطته عبر قرون.

لقد ذكرت المصادر مدغرة ورسمت اسمها بطرق مختلفة فأحيانا تكتب مطغرة بالطاء وأخرى مضغرة بالضاد وثالثة مدغرة بالدال المعجمة أو المهملة وهي الراجحة الاستعمال الى اليوم، وهذا ما قرره العلامة أحمد بن عبد العزيز الهلالي المتوفى عام 1175هـ حين أشار في شرحه على سيدي خليل إلى غلبة كتابتها بالدال المهملة ( وهو الراجع عند أهل صحرائنا حتى الآن).

 على أن ذلك لا يعني غياب المفهوم والمصطلح قبل الهلالي، لكن استعماله كان محتشما، وممن أشار إليه الجغرافي الحسن الوزان (ليون الافريقي)، الذي كان حيا عام 957هـ، في كتابه (وصف افريقيا)،  غير أن مدغرة لم تأخذ شهرتها وشخصيتها الحضارية إلا خلال القرن 11هـ/17م لأسباب سياسية واجتماعية على الخصوص حيث انتلقت إليها مجموعة من العائلات، قادمة من ضواحي ضريح مولاي علي الشريف السجلماسي في شكل هجرات متوالية،ممَّا أحدث تدريجيا نوعا من التمازج مع العناصر الإثنية الجديدة مع السكان القدامى بالمجال من عرب معقليين وحراطين، أما العنصر الأمازيغي الذي كان حاضرًا بشكل كبير منذ قرون فقد دفعته المجموعات العربية المستقرة نحو الهامش لتستقر هي في مختلف مناطق ضفتي وادي زيز، وهذا ما جعل العنصر الأمازيغي يغيب بشكل كلي لكن مع  استمرار حضوره بشكل آخر، ويتجلى في  أسماء المعالم والأعلام وهو ما تؤكّده الطبونيميا بمنطقة مدغرة، إذ نجد أسماء أمازيغية كثيرة منها مثلا تاوريرت،  بوبكر أو بلحسن التيطافي،  تيطاف،التي هي كلمة مركبة من تيط وآفا أي (عين النار)، تازناقت التي تظهر من خلال رسم الكلمة بالابتداء بتاء التأنيت والختم بها، آيت مسعود …..الخ.

لقد برزت منطقة مدغرة منذ القرن المذكور،كمنطقة ذات بعد علمي وديني كبيرين باعتبار استقرار بعض العائلات ذات النفوذ الروحي الكبير والعلمي الشهير، وهنا نذكر على سبيل المثال:  سيدي عبد الله بن عمرو المضغري بقصر سيدي أبي عبد الله،  الذي كان شخصية كبيرة لعبت دورا مهما في بداية الدولة السعدية،  قبل استقراره بمدغرة،  وأبناؤه الذين استمروا في الحضور الروحي والديني لوالدهم،وقد ترجم لهم العلامة ابن عسكر الشفشاوني في كتابه  (دوحة الناشر لمحاسن من كان بالمغرب من مشايخ القرن العاشر …).

 ومن ذلك أيضا الزاوية الدرقاوية التي اتبعت نهج زعيمها الروحي محمد العربي الدرقاوي المدغري (المتوفى سنة 1309هـ/1892م) مهوى المريدين والزوار من جهات بعيدة،  وقد دفن بقصر كاوز لكن الفضيان الذي ضرب وادي زيز بداية القرن 20م ، قد دمر قبره فنقل إلى خارج القصر المذكور على مرمى حجر منه،وهو مازال ماثلا شامخا حتى الآن،  وفرع زاوية مولاي عبد الله الشريف بقصر مولاي امحمد بأعلى مدغرة وقد صار اليوم ضمن جماعة الخنك بالرشيدية.

تولى الكلمة بعد ذلك، عبر الأثير، السيدان التهامي العميرني، رئيس المجلس الجماعي لشرفاء مدغرة، فعرف بالفضاء المجالي لمدغرة وحدودها من الجهتين وعدد القصور التي تمثلها ثم أوضح أنها جماعة قروية تعاني كغيرها من الجماعات البسيطة من بعض المشاكل في المجال التنموي رغم الجهود المبذولة.

وجاء تدخل الدكتور عبد العزيز مليكي علوي، الباحث في الأدب المغربي، ليلقي الضوء  على تجربة رائدة في مجال الشعر وبالأخص شعر المديح النبوي من خلال شخصية العالم الحافظ الأديب أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر الحسني السجلماسي المتوفى سنة 1042هـ،  وقرأ بصوته الرخيم بعض الأبيات التي منها:

لا تسل عن غرام قيس ليلى/ واستمع سور الهدى كيف تتلى

آية الحب في المحبين وجد/ معه لا ترى الحياة بأولى

أنا صب متيم مستهام/لم يدع لي من أحبه عقلا

يا لقوم من لي بوصف حبيبي/مدحه قد غدا به الذكر يتلى

يا نبي الهدى ويا خير هاد/ بحلي المجد وكمال تحلى

واستطرد الأستاذ البلغيثي في حواره مع الضيف متسائلا عن علاقة الخوارج بالمنطقة في ظل حضور اسم  مطغرة، وميسرة  المطغري والصراع بين هذه المذهبيات التي عمت سافلة زيز خاصة، وقد أوضح الضيف تركز هذه الخلافات السياسية المذهبية في سجلماسة الحاضرة قبل اندراسها وحضور تأثير الخلافة الإسلامية الأموية بشكل غير مستمر وغير واسع مجاليا،خاصة في جهة شمال الوادي الذي تعتبر مدغرة جزءا منه.

وتابع الضيف حديثه عن الدور العلمي للمنطقة بسرد مجموعة من الأسماء التي عرفت بهذا المجال منها الأسرة العبدلاوية التي ترجع إلى الجد الأعلى أبي محمد عبد الله بن علي بن طاهر الحسني المذكور  وأبناؤه،  خاصة أبي الشريف عبد الهادي الذي كان عالما متبحرا  في الفقه والمنطق والشعر.

ومنهم أيضا العلامة عبد الرحمان بن هاشم البوعبدلاوي، نسبة لقصر سيدي أبي عبد الله،  وعبد السلام بن محمد من قصر تازناقت الذي اشتهر بمنظومته في القراءات، ولم تخلُ  قصور القصبة القديمة والجديدة والحيبوس، ذي البقيع، وأولاد الحاج و أسرير  وقصر الجديد وتاوريرت  …من علماء بارزين حافظ أبناؤهم وبلديوهم، أهل البلد، على علمهم وكتبهم بالحفظ منهم  الفقيه الطالب عيسى من بيت ال ابن خالي، من القرن العشرين بقصر القصبة الجديدة في قراءة القرآن والمتون والأنصاص والأمداح وما يتعلق بها.

وتولى الكلمة بعد ذلك الدكتور عمر قلعي الذي ركز في تدخله على الندوتين العلميتين اللتين نظمتهما جماعة شرفاء مدغرة عامي 2017 و 1918 بالمركب الثقافي والإجتماعي بأولاد الحاج كانت أولاهما يوم 7 أبريل 2017 في موضوع (التاريخ والفكر والآدب)، أما الثانية فقد كانت بتاريخ 13-14 أبريل 2018 بعنوان: (التاريخ والمجتمع والثقافة)،

وأشار الأستاذ قلعي إلى المحاور التي تعرضت لها المداخلات في الندوتين. وقد ختم الباحث المذكور تدخله بالإشارة إلى شخصية عالمة وسياسية من مدغرة، قد برزت بفاس العاصمة العلمية أكثر وهي شخصية امحمد بن عبد الرحمان العلوي الذي كان قاضيا بفاس لمدة مهمة ولما مات رثاه بعض طلبته وأصدقائه منه العلامة الفاطمي الفاسي والعلامة اللبار الفاسي.

___________

*عن هيئة تحرير إذاعة مدينة ف م.  medina  fm

اترك رد

جديدنا