دليل أكسفورد في الإدارة العامة

صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات من “سلسلة ترجمان” كتاب دليل أكسفورد في الإدارة العامة وهو من تحرير إيوان فيرلي، ولورنس إ. لين جونيور، وكريستوفر بوليت؛ وترجمة شحدة فارع، ومراجعة روجيه كرم. يقع الكتاب في 1135 صفحة، ويشتمل على إرجاعات ببليوغرافية وفهرس عام.

يمنح هذا الكتاب القراءَ تقويمًا للاتجاهات الرئيسة في الإدارة العامة، ويوضح آثارها المقصودة وغير المقصودة، ويرسم صورة كبيرة للوضع الراهن في مجال الإدارة العامة، آخذًا في الاعتبار تغيير الجيل الجديد للإصلاح الإداري العام طريقة تفكيرنا في الإدارة العامة وممارستها. ويقدم أيضًا عرضًا لعدد من فروع المعرفة ونظريات متنوعة؛ ما يدحض الاتهام القديم الموجّه إلى الإدارة العامة بأنها ميدان محدود، تجريبي، ونظري لا أساس له في العلوم الاجتماعية. ويحتوي الكتاب على 29 مقالة وبحثًا في الإدارة العامة، تلخص التحولات الكبرى في مناهج إدارة القطاع العام في العديد من البلدان المختلفة على مدار الثلاثين سنة الماضية.

الأطر الأساسية

تحت عنوان “الإدارة العامة الكلمة والحركة والعلم”، بحث كريستوفر هود في الطبيعة الغامضة للإدارة العامة، التي كانت تميل عبر العقود القليلة الماضية إلى استثارة حماسةٍ شبه دينية وشجبٍ بالمقدار نفسه تقريبًا. ولا تظهر هذه الجوانب الغامضة والقضايا الدينية، إلا عندما نتجاوز النظرة النفعية والصيغ البريئة ظاهريًا التي تلتقط كل شيء في اتجاه محاولة توضيح (من بين جملة أمور أخرى) العلاقة الدقيقة بين تسيير الشؤون العامة (Public Administration، والإدارة العامة Public Management، وبين الإدارة العامة و”الإدارياتية”… إلخ، يمكن أن يكون لـ “نزعة التدين” آثار غير متوقعة.

ويبدو من غير المحتمل أن تختفي “نزعة التدين” تمامًا من الميدان؛ لأن قضايا التنظيم والتوجيه تولد وجهات نظر عالمية قوية ومتناقضة. وقد تكون الحروب الدينية خطرة ومدمرة للإنتاج العلمي، إذا كانت تعني عدم تقبّل التنوع والطائفية الضيقة وتجاهل الأدلة، لكن حين تواجه فيها النظرية الناعمة حالات قاسية، يعدّ ذلك فرصة لتطور أفكار مناقضة للمنطق العام، إذا استطعنا ضبط الآثار السفيهة للحروب الدينية.

وذكر لورنس إ. لين جونيور، في بحثه “الإدارة العامة: تاريخ موجز”، أن حقل الإدارة العامة أقدم مما اعتاد الباحثون الأميركيون على تأكيده، كما أنه أقدم من نقاط الانطلاق الأخرى التي تُعطى لبداية تاريخ الإدارة: فهو يعود إلى تاريخ ظهور الحكم المطلق في أوروبا في القرن السابع عشر. واستعرض تاريخيًا أربع وجهات نظر بشأن بداية انطلاق هذا الحقل.

ثم تحدث كل من كينث ج. ماير وغريغوري تشارلز هيل عن “البيروقراطية في القرن الحادي والعشرين”، وعلى الرغم من أن عددًا كبيرًا من الخبراء يدّعون زوال البيروقراطية، فإنه حاول إثبات أنها لن تبقى قائمة فحسب في القرن الحادي والعشرين بل سوف تزدهر أيضًا. وارتكزت حجته على أن المهمات الكبيرة التي يجب على الحكومة أن تؤديها – الدفاع الوطني، ونظام الرفاه الاجتماعي، والمراقبة السياسية للاقتصاد وغيرها – ستبقى هي الوظائف الأساسية للحكومات في القرن الحادي والعشرين، وأن البيروقراطيات العامة، وقد تكون الخاصة، ستظل هي الطريقة الأكثر فاعلية لتنفيذ هذه المهمات.

أمّا هال ج. ريني ويونغ هان شون، فقد وجدا، في بحثهما “مقارنة بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة”، أنه على الرغم من الادعاءات بشأن أهمية التمييز بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة، فهناك إجماع واضح بين العلماء والخبراء في الإدارة على أن هذا التفريق غير جدير بتلك الأهمية. وقد ذكر عدد كبير من الباحثين أن “القطاعات” تتضمن سياقات متنوعة من الإدارة، لذا فإن التمييز بين الإدارة العامة والإدارة الخاصة غير الربحية يؤدي إلى إرباكنا وتضليلنا.

وتحت عنوان “الإدارة العامة والديمقراطية والسياسة”، وجدت ليندا ديليون أن ما تجلبه الإدارياتية والإدارة العامة الجديدة قيّم، على الرغم من القلق الذي يبديه النقاد. وكما هو الحال في عملية الموازنة الكبيرة بين الحرية السياسية من جهة والنظام الاجتماعي من جهة أخرى، لا تستطيع الإدارة العامة التهرب من الحاجة إلى تحقيق توازن بين قيمتين أساسيتين وإلى حدّ ما متنافستين. وينبغي للإدارة العامة الجديرة بالثقة أن تولد نتائج فعالة وديمقراطية.

الميادين الوظيفية

بحث باتريشا و. إنغراهام “السعي لتحقيق التوازن: الإصلاحات في إدارة الموارد البشرية”، ذلك أن مسألة كيفية إدارة دولة للموظفين فيها تتعلق بالمساءلة، ليس للموظفين فحسب، بل للمجتمع الأكبر أيضًا. إن المدى الذي يمكن فيه تخفيف القيود وتقويم المرونة مسألة سياسية. ثمّ إن التبسيط والمرونة قد يؤديان إلى مخاطرة. وتتضمن إدارة الموارد البشرية أناسًا بمفاهيم مختلفة عن المعاملة العادلة لهم وللآخرين. ولا يمكن أن تطبق المرونة والمساءلة في أنظمة إدارة الموارد البشرية معًا، إلا بوجود اتفاق على توقعات الإصلاحات وأهدافها.

أما جون أوفريتفيت، فتطرق إلى “تحسين جودة الخدمة العامة”، ذلك أن هدف طرائق الجودة هو مساعدة الخدمة في تحقيق ما تهدف إلى تحقيقه: تلبية حاجات المستهلك بطريقة إنسانية آمنة تحترم الإنسان، ومن دون تبذير أو أخطاء. ثم إن استخدام طرائق الجودة يتطلب تغييرات جذرية: في فهم العاملين بأن مصالحهم تتحسن بتلبيتهم حاجات العميل، وبتعلمهم واستخدامهم طرائق الجودة لتحليل مؤسسات العمل وتغييرها وفي دور الإدارة وتوازن المسؤولية والسيطرة على مؤسسة العمل بين الإدارة والعاملين.

وعنيت إيرين شارب روبن وجوان كيلي بـ “إصلاحات الميزانية والمحاسبة”، وبيّنا أن الإدارة العامة الجديدة قد رسخت في الإدارة العامة بصفتها أحد النماذج التي لها نقاط قوة وجوانب ضعف كغيره من النماذج والطرائق الأخرى. وتستطيع العناصر العمل بانفراد (كما فعلت في الماضي) أو الاتحاد معًا، بوصفها جزءًا من خلقيات إدارة القطاع العام. وبيّنا أن كون عدد كبير من الدول قد مرّ في مرحلة انتقالية، وواجه صعوبات مالية غير مسبوقة و/أو حاول بناء أو إعادة بناء الحوكمة، قد شكل مُناخًا ملائمًا لهذه الأفكار.

وطرح ستيفن راتغب سميث في بحث “التعاقد مع المنظمات غير الحكومية”، منظورًا تاريخيًا لتعاقد الحكومة والمنظمات غير الحكومية. ثم عرض إطارًا فكريًا لفهم طبيعة العلاقة التعاقدية بين الحكومة وتلك المنظمات. وركز على التحديات السياسية والإدارية التي قد تنتج من مثل هذه التعاقدات، وقدم شرحًا تفصيليًا للآثار المترتبة على الاعتماد المتزايد على المنظمات غير الحكومية في توفير الخدمات العامة على شكل المواطنة. وأخيرًا ناقش التعاقدات في إطار الأنماط الحالية في الإدارة العامة، وتبعات تلك الأنماط على المستفيدين من تلك الخدمات، وعلى شكل المواطنة بصفة أعم.

أما بيتر دالر لارسن، فناقش “التقويم والإدارة العامة”، ووجد أن التقويم ميدان حيوي ومتنوع، ويتضمن طرائق عدة وأساليب، وتسعى كل طريقة لإيجاد حلول لمشكلات مختلفة. تتفق أجزاء من ميدان التقويم بوضوح مع مبادئ الإدارة العامة وتركز على النتائج والأداء وما شابه ذلك. وتسعى أجزاء أخرى من عملية التقويم لنشر أشكال من المعرفة والحصول على تغذية راجعة من المؤسسات، التي تعد أكثر ثراءً ودقة وأكثر توجهًا إلى التعلم وأكثر اعتمادًا على النظرية وأكثر توجهًا إلى التغير الاجتماعي التحويلي من التغير الذي تتطلبه الأفكار الإدارية السائدة.

مقارنات وطنية وعالمية

وجد ديفيد ماثياسن أن على صعيد “الإدارة العامة الدولية”، لا بد من الاعتراف المفتوح الصادق بالصعوبات والإحباطات التي تواجهها الإصلاحات في الدول التي ليس لها جذور أوروبية. إن عدم انسجام الأفكار الإسلامية المتطرفة أو الأفكار الشيوعية في الحوكمة مع الأفكار الغربية يؤكد أن الديمقراطيات الدستورية الحديثة لم تكن نتيجة لتطور طبيعي، ولكنها في الواقع تمثل مجموعة من القيم الاجتماعية والأنظمة السياسية المتنافسة.

أما ديني سان مارتن، فيبحث في كلامه عن “الاستشارات الإدارية”، مسالة الحاجة إلى المستشارين في إصلاحات الخدمة العامة، ويتوسع أيضًا في حركة العرض والطلب في الاقتصاد. وناقش آثار ازدياد المستشارين في القطاع العام في الحكومة وفي صناعة الاستشارات.

وتحت عنوان “التغيير والاستمرارية في تقاليد الإدارة العامة في أوروبا القارية”، نجد إيزابيلا براولر وكونو شيدلر يحدِّدان خصائص الإدارة العامة والإدارة الحكومية في فرنسا وألمانيا. وقد حددا أيضًا مسارات الإصلاح فيهما وأوضحا أثر النظامين في الخارج. وعرضا كذلك بعض التقاليد المميزة للنظامين الفرنسي والألماني. ثم استعرضا في بحثهما بعد ذلك مسارات الإصلاح العامة في كل دولة، بحيث تم التركيز على العوامل التي شكلت الأنظمة الإدارية الوطنية، وأشارا أيضًا إلى أثر فرنسا وألمانيا في الإدارات العامة الأجنبية.
____________
*المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

وسوم:

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

جديدنا