عن رواية زيارة أخيرة لأم كلثوم

العديد من الروايات لا تحمل بداخلها لغة شاعريَّة فيها حنين للمكان، بل استدعاء لشخصيَّة رمزيَّة هي أم كلثوم سيّدة الغناء العربي والتي أعطت خالة البطل في الرواية اسمها.

“حسين عبد الحميد”، بطل رواية الكاتب علي عطا؛ “زيارة أخيرة أم كلثوم”، هو نفسه بطل وسارد الرواية السابقة للكاتب نفسه وهي بعنوان “حافة الكوثر”. يعمل “حسين عبد الحميد” صحفيا بـ”وكالة المحروسة للأنباء”، وجريدة “عرب اليوم”. وبالتالي يمكن اعتبار رواية “زيارة أخيرة لأم كلثوم” استكمالا لرواية”حافة الكوثر”، علما أن العملين صدرا عن الدار المصريَّة اللبنانيَّة بالقاهرة.

يعاني “حسين” من اكتئاب مزمن ويحاول قدر الإمكان عدم خوض تجربة العلاج في مصحّة مجددا، في ظل ضغوط نفسيَّة تمارسها عليه زوجته “دعاء مستجاب”، فضلا عن الضغوط المترتّبة عن توقّف الجريدة الخليجيَّة التي يعمل فيها من القاهرة عن دفع راتبه لمدَّة تزيد على 12 شهرا، واحتياجه للحبّ والذي تمنحه له “سلمى السكري” رغم أنهما لا يجدان سبيلا آمنا ليتزوّجا من جديد.

 

فـ “حسين” سبق له أن تزوَّج من سلمى لنحو ثلاث سنوات قبل أن ينفصلا بالطلاق بعد علم زوجته الأولى “دعاء مستجاب” بالأمر. في ظل هذه الأجواء تمرض الخالة الوحيدة المتبقيَّة على قيد الحياة، من بين أشقّاء وشقيقات والدته المتوفّاة، واسمها “أم كلثوم”، مرض الموت، فيزورها “حسين” زيارة أخيرة، إذ بعد بضعة أيام من تلك الزيارة توافيها المنيَّة. يجد “حسين” أن هذا الحدث يدفعه للكتابة مستعيدا ذكرياته مع تلك الخالة التي لطالما شجّعته على التفوّق الدراسي، وفي ذلك السياق يجد أنه لا مفر من استدعاء أحداث مهمَّة شهدتها المنصورة، مسقط رأسه، خصوصا في السبيعينيّات وصولا إلى لحظة اغتيال الرئيس السادات في حادث المنصَّة عام 1981 بعد أيام قليلة من زيارته لتلك المدينة التي كانت في السابق كوزموبوليتانيَّة، علماً أنها تأسَّست قبل نحو 800 سنة، ووقعت في شِراك الإسلام السياسي الذي لطالما نفخ السادات في روحه مع أنه كان كثيرا ما يردّد “لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة”، ثم راح ضحيته في النهاية.

 

يستدعي السارد الذي هو نفسه “حسين عبد الحميد” كذلك شخصيّات شهيرة من المنصورة وعلى رأسها كوكب الشرق أم كلثوم الذي تحمل خالته اسمها. تلك الخالة التي كانت آخر المتوفين من بين نحو 40 ولدا وبنتا أنجبهم والدها توفيق ريحان، الذي جاء إلى المنصورة في أواخر القرن الـ19 من النوبة، ليستقرّ في إحدى قراها ويتزوَّج من أربع نساء، وينجب تلك الذريَّة الكبيرة.

 

علي عطا قسم روايته الي ٦٨ قسما وهذا فهم منه للجيل الجديد من القراء الذي يقرأ على مراحل، لكن هذه الأقسام أعطته مساحة للعب بين الأشخاص والأماكن والزمن، بين القاهرة والمنصورة، بين عالم الصحافة وبين الصرعات في تفاصيل الحياة اليوميَّة، بين البحث عن جذور الأسرة ولقاء الأب والأم، بل يأخذنا لاكتشاف عزبة عقل أحد ضواحي المنصورة، يربط تطورات الأحداث السياسيَّة في مصر بأحداث الرواية وشخوصها فالسادات زار المنصورة قبل استشهاده بأيام فنرى ذلك في أحداث الرواية،.لكن مما رصدته الرواية مظاهر التحوّل والتغير في المجتمع المصري، في المنصورة اشتهرت مناطق منذ أيام السادات بترويج المخدّرات، الاجتهادات ذات البعد الخرافي كانت منتشرة خصوصا عبر التليفزيون الذي كانت أم كلثوم خالة الراوي شغوفه به جدا، ومن ذلك برنامج العلم والإيمان للدكتور مصطفي محمود.

الرواية فيها سرد يجعلك في شغف لتقرأها، فهلا تذهب إليها لترى تحوّلات الزمان والمكان والإنسان في مصر.

جديدنا