التنويريتربية وتعليم

 المدرسة والمصير

أثر الفراشة في التعليم: كيف يكسر المعلم عُقد الماضي ليُعيد بناء مصائر الأجيال؟

يقول «فيليب مريو» إن المدرّس إذا استطاع أن يغيّر مستقبل تلميذ واحد (من الإخفاق إلى النجاح)، فذلك يبرر مساره المهني. قد يكون هذا التلميذ مُهمّشا، لكن تغييره يعني أنك غيرت عالما صغيرا، وربما هذا الإنسان سيغيّر بدوره آخرين. هكذا، وبخطوات صغيرة وغير مرئية أحيانا، يُعاد بناء العالم. ولعلي أضيف إلى هذا القول ما أراه أكثر عمقا وأشدّ خطورة: حين يتعلّم المدرّس، أو المدرّسة، كيف يواجه ماضيه الذي ورثه عن وسطه الأسري والاجتماعي – من عقد نفسية، أو جروح قديمة، أو أنماط خوف وعنف غير واع – وحين يشتغل على ذلك بصدق، فيوقف سيل انتقاله، فإن أثر هذا الفعل لا يتوقف عند الذات. لأن المدرّس لا يدرّس فقط بمعارفه، بل يدرّس أيضا بما لم يحلّه في نفسه. وما لم يُفكَّر فيه يعود، لا في الكلام، بل في السلوك، وفي التقييم، وفي طريقة النظر إلى التلميذ، وفي أسلوب العقاب أو التجاهل أو الحكم.

حين ينجح المدرّس في كسر هذه السلسلة (سلسلة إعادة إنتاج الجراح)، فهو لا يحمي نفسه فقط، بل يحمي ما سيأتي منه: أبناءه، تلامذته، علاقاته الإنسانية، صداقاته، زواجه، طريقته في الاختلاف وفي العيش مع الآخرين. عندها، قد ينشأ أناس آخرون، أقل حملا للعقد، أقل قابلية لإعادة إنتاج الألم، وأكثر قدرة على العيش الحرّ.

بهذا المعنى، لا نُنشئ جيلا جديدا فقط بتغيير المناهج أو الخطابات، بل ببناء إنسان جديد يبدأ من الراشد نفسه. فالمدرّس الذي يشتغل على ذاته، كما يشتغل على درسه، قد يغيّر دون أن يدري عشرات المصائر. وهكذا، فعلا، نعيد بناء العالم.

الوعي بـ«أثر الفراشة» – الذي يبدو حدثا صغيرا – والعمل به قد يغير جيلا أو أجيالا. وبدل منطق التدمير، يمكننا البناء، فالعالم غاصّ بـ«التدميرية»، ولما كان فينا شيء من «النزعة الهابيليّة»، اقتضى الحال أن نحاول تعطيل «قابيليّة الوسط الأسري والاجتماعي»، لعلنا ننجح، ولو نسبيا. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى