المدرّس خارج الدرس أو حين يلتقي الإنسان بظله
صراع الذات والمهنة: رحلة المعلم للبحث عن إنسانيته المفقودة بعد انتهاء الحصة

بعد نهاية الدرس، لا يخرج المدرّس من القسم فقط، بل يخرج من وضعية. غير أن الخروج لا يعني العودة للحالة الطبيعية أو الحياة العادية. شيء ما يبقى معلّقا في الداخل، كأن الذات لم تلتحق بعد بالجسد. إن المدرّس خارج الدرس لا يكون حرّا تماما، ولا يكون مقيّدا كما كان قبل لحظات. يعيش حالة وسطى: نصف انتباه، نصف صمت، ونصف حضور. كأن الذات ما زالت واقفة أمام السبورة، حتى وهو يمشي في الممر أو الشارع.
أصعب علاقة بعد الدرس هي علاقة المدرّس بنفسه. لا يحاورها، ولا يصغي إليها. فقط يتركها هناك، متعبة، دون اسم. التعب الذي يحس به ليس تعب الجسد، بل تعب الانتباه الطويل، وضبط الكلمات، ومراقبة الانفعالات.
في هذه اللحظة، المدرّس لا يسأل نفسه: ماذا أشعر؟ بل: هل قمت بواجبي؟ وهنا يبدأ الخلل. لأن الذات تُقاس بمعيار الأداء، لا بمعيار المعنى. يصبح المدرّس قاسيا على نفسه، محاسبا لها كما لو كانت تلميذا متأخرا. ومع التكرار، يتعوّد هذا الصوت الداخلي على القسوة، ويصير هو اللغة اليومية للذات.
تتغير علاقة المدرّس بالآخرين، دون أن ينتبه. يصغي، نعم، لكنه يصغي بعقل المدرّس، لا بقلب الإنسان. يسمع الكلام، لكنه يبحث تلقائيا عن خلل، عن خطأ، عن نقص في الفهم.
حتى في العلاقات القريبة، يحتفظ بمسافة صغيرة، غير معلنة. ليس تكبّرا، بل بقايا الدور. فالمدرّس اعتاد أن يكون هو المرجع، وهو الضابط للإيقاع. لذلك يصعب عليه أن يكون فقط «واحدا من الناس»، دون مسؤولية، دون صورة. أحيانا، يشعر الآخرون بهذه المسافة، دون أن يعرفوا سببها. فيُساء فهمه: يُظن أنه بارد، أو متعال، أو صامت أكثر من اللازم. والحقيقة أنه فقط لم يخلع الدور بعد.
المدرّس لا يخلع قناعه بعد الدرس، بل يخفّفه تدريجيا. لكن المجتمع لا يمنحه الوقت الكافي لذلك. ينتقل بسرعة من القسم إلى الإدارة، من المؤسسة إلى الشارع، ومن الشارع إلى البيت، وهو مطالب دائما بأن يكون «المدرّس».
ومع الزمن، ينسى أن هذا القناع كان مؤقتا. يصير صوته مضبوطا حتى في وحدته، وتصير كلماته محسوبة حتى في اعترافه لنفسه. وهنا يصبح القناع ثقيلا، لا لأنه مفروض، بل لأنه غير واع به.
كثيرا ما يختار المدرّس العزلة بعد الدرس. لا لأنه يكره الناس، بل لأنه يحتاج إلى مساحة بلا أدوار. العزلة هنا ليست انسحابا، بل محاولة بدائية لاستعادة النفس. في الصمت، وحده، يبدأ القناع في التراخي. ليس دائما، وليس كليا، لكنه يتصدع قليلا. وربما لهذا يفضّل بعض المدرّسين المشي وحدهم، أو الجلوس دون كلام، أو الانشغال بأشياء تبدو بلا معنى.
وأما اللحظة الفاصلة فهي حين يسمح المدرّس لنفسه أن يكون هشّا خارج الدرس، دون شعور بالذنب. أن يعترف بتعبه، بملله، بارتباكه، دون أن يرى في ذلك فشلا مهنيا. حينها فقط، تتغير علاقته بنفسه وبالآخرين. يصير أكثر إنصاتا، لا لأنه قوي، بل لأنه صادق. وأكثر قربا، لا لأنه تخلّى عن دوره، بل لأنه حدّد مكانه.
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






