ثقوب سوداء في الكون
أسرار "النقاط الحمراء الصغيرة": كيف كشف تلسكوب جيمس ويب عن جيل جديد من الثقوب السوداء المبكرة

لطالما كان الفضاء والكون مجالا مثيرا للأسئلة الكبيرة، حيث يسعى العلماء إلى فهم ميلاد وتشكل الكون وتطوره. بعد العديد من المحاولات، أصبح تلسكوب جيمس ويب الفضائي أحدث أداة متقدمة لدراسة الكون بالأشعة تحت الحمراء، مما يسمح له برؤية أبعد وأعمق من أي تلسكوب سابق. يتميز التلسكوب بـ 18 مرآة ذهبية دقيقة لتجميع الضوء بدقة عالية، ما يمكنه من كشف أدق التفاصيل في المجرات والسدم والنجوم البعيدة.
يدور التليسكوب حول نقطة لاجرانج الثانية (L2)، إحدى خمس نقاط خاصة في الفضاء حيث تتوازن قوى الجاذبية بين الأرض والشمس مع قوة الطرد المركزي، ليصبح الجسم الموجود هناك مستقرا نسبيا. تقع هذه النقطة على بعد نحو 1.5 مليون كيلومتر من الأرض، بعيدا عن حرارة الشمس والأرض، مما يوفر بيئة مستقرة تماما للرصد. من أهم أهداف التلسكوب العلمية دراسة الكون المبكر، فهم تكوين المجرات والنجوم، وتحليل أجواء الكواكب خارج المجموعة الشمسية.
تم إطلاق تليسكوب جيمس ويب في 25 ديسمبر 2021 من مركز كورو الفضائي في غويانا الفرنسية بواسطة صاروخ أريان 5 التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، واستغرق حوالي 29 يوما للوصول إلى مداره النهائي حول L2 في 24 يناير 2022. بعد الوصول، بدأت مراحل نشر المرايا ودرع الشمس وفحص الأجهزة العلمية استعدادا للعمليات العلمية، وبعد حوالي ستة أشهر من الاختبارات التشغيلية، بدأ التلسكوب إرسال أولى صوره العلمية في يوليو 2022، مبهرة العلماء بجودتها وتفاصيلها الدقيقة، وفتحت نافذة غير مسبوقة لفهم مراحل الكون الأولى.
في آخر الأبحاث التي نشرها( مجلة Nature المجلد 649، الصفحات 574–579، 2026)، استخدم العلماء هذا التليسكوب لرصد عدد كبير من المجرات الصغيرة والمضغوطة في مراحل مبكرة من الكون، والتي تقع على مسافات هائلة زمنيا تعرف “بالانزياح الأحمر العالي”. من بين هذه المجرات ظهرت ظاهرة غامضة تُعرف باسم النقاط الحمراء الصغيرة ، وهي أجسام مضغوطة للغاية تتميز بـخطوط طيفية واسعة للهيدروجين والهيليوم عند الرصد بالأطياف عالية الدقة.
طبيعة هذه النقاط الحمراء كانت محل جدل بين العلماء، فاعتبرها بعضهم نتيجة نشاط نجمي مكثف، بينما رجح آخرون أنها ثقوب سوداء فائقة الكتلة شابة. وقد لاحظ الباحثون أن هذه الأجسام تظهر خصائص غير معتادة، مثل وجود كتل أكبر من المتوقع بالنسبة لمجراتها المضيفة، وانبعاثات أشعة سينية وراديوية ضعيفة جدا، وهو سلوك غير معتاد للثقوب السوداء المعروفة في مجرات أقرب إلينا.
درس الفريق البحثي 12 من هذه الأجسام باستخدام أطياف عالية الدقة، ووجدوا أن اتساع الخطوط الطيفية ليس ناتجا عن حركة الغاز فقط، بل بسبب تشتت الإلكترونات في غلاف غازي كثيف يحيط بالثقب الأسود. هذا الغلاف يشير إلى أعمدة إلكترونية كثيفة جدا وأحجام صغيرة بحجم أيام ضوئية، وهو البيئة الوحيدة التي تفسر اتساع الخطوط مع الانبعاثات الضوئية العالية.
عند تحليل النواة الداخلية للخطوط الطيفية قبل اتساعها، توصل الباحثون إلى أن كتلة هذه الثقوب تتراوح بين 100 ألف و10 ملايين كتلة شمسية، أي أقل بكثير (بنحو مئتي مرة) من التقديرات السابقة. هذا يجعلها أصغر الثقوب السوداء فائقة الكتلة المعروفة في الكون المبكر، وتمثل جيلا جديدا من الثقوب السوداء في مراحلها المبكرة.
تُحيط بهذه الثقوب أغلفة غازية كثيفة تشبه الدرع الغازي(الكوكون)، وهي التي تولد خطوط الطيف الواسعة المرصودة. يسمح هذا الغلاف للثقوب السوداء بالإلتهام بسرعة للمادة المحيطة بها، لكن دون تيارات قوية أو انبعاثات ضخمة، كما يفسر ضعف الانبعاثات الراديوية والأشعة السينية لأن معظم الضوء الذي نراه تم إعادة معالجته بواسطة الغاز المحيط.
من الناحية الشكلية، تظهر هذه الأجسام كنقاط مضغوطة أو شبه نقطية في الصور، غالبا مع غيوم غبارية محيطة، وألوانها حمراء، متوافقة مع تعريف النقاط الحمراء الصغيرة. كما أن الخطوط العالية الموجودة عادة في المجرات النشطة لم تُلاحظ إلا بشكل ضعيف ، مما يؤكد أن هذه الثقوب تعمل في بيئة مختلفة عن الثقوب السوداء المعروفة.
خلاصة الدراسة أن هذه النتائج تقدم دليلا قويا على وجود ثقوب سوداء فائقة الكتلة في مرحلة مبكرة جدا من الكون، محاطة بغلاف غازي كثيف يفسر خصائص النقاط الحمراء الصغيرة، ويفتح آفاقا جديدة لفهم تكوّن الثقوب السوداء المبكرة، نمو المجرات الصغيرة، وتاريخ الكون في أول مليار سنة بعد الانفجار العظيم.
مراد اليزيد
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.



