التنويريفكر وفلسفة

الفرد والحداثة: حوار مع تشارلز تايلور

حاوره سيرج ليلوش Serge Lellouche

تتميز الهوية الحديثة بما تسميه “أخلاقيات الأصالة” و”تأكيد الحياة العادية”. ما هي الرهانات الفلسفية والدلالات التي تضمنها هذا التصور؟

في أخلاقيات الوجود التقليدية، التي دعا إليها أرسطو Aristote، نجد أنها تحيل على كون الحياة المادية هي ذات أهمية فقط على صعيد البنية التحتية. بالنسبة له، الحياة المكرسة للأشياء المادية هي حياة عبد أو حيوان. في كتاب السياسة، يدافع أرسطو عن تصور وهو كون “الحياة الخيرة”، الحياة بمعناها الإنساني المحض، لا تختزل في مجرد البقاء على قيد الحياة. إنها حياة تفترض الكمال الأخلاقي والتأمل ومشاركة المواطن في حياة المدينة.

مع البروتستانتية ظهر تصور حديث للحياة. تصور مستوحى من الثقافة المسيحية، وهو على خلاف التصور السابق، يعلي من شأن الحياة العادية. يجب أن نعيش بتواضع في التقوى ومخافة الله. يجب أن تكون الحياة في الزواج والواجبات الاجتماعية. أقترح المصطلح التقني “الحياة العادية” لتعيين جوانب الوجود البشري المرتبطة بالإنتاج وبإعادة الإنتاج، أي العمل، وصناعة السلع الضرورية للحياة، وحياتنا ككائنات جنسية، بما في ذلك الزواج، والأسرة، والحياة العاطفية. في هذا الصدد، العلاقة بين الرجل والمرأة هي ذات أهمية قصوى. أعتقد أن التأكيد على الحياة العادية أصبحت واحدة من أقوى الأفكار في الحضارة الحديثة؛ الرؤية “البرجوازية” للحياة المعنية بالرفاهية، وكذلك الرؤية الماركسية التي تعطي قيمة للإنسان المنتج، هي جزء من هذا الإعلاء من شأن الحياة العادية.

بخصوص التصور الحديث للحياة هناك محور آخر يتعلق بموضوع الأصالة: كل كائن إنساني له نمط وجود خاص، يبحث عن شكل من أشكال الحياة تكون خاصة به. يجب أن أستمد من داخل نفسي المصادر الأخلاقية لوجودي. شيء ما في طبيعة تجربتي عن نفسي يبدو أنه يجعلها لا تقاوم تقريباً، ولا ترفض مثل هذا التموضع.

العلمانية ونزع القداسة و”خيبة الأمل من العالم”، هي أمور ساهمت، من وجهة نظرك، في تغيير المعنى الذي يعطيه الفرد لحياته. 

اعتقد أسلافنا أنهم كانوا جزءًا من نظام يتجاوزهم. في بعض الأحيان كان نظامًا كونيًا، “سلسلة عظيمة من الكائنات” التي خصصت لكل شخص مكانًا في المجتمع. كما خصص النظام الإلهي أيضًا وبرر لكل واحد موقعه في المجتمع: دوره ومكانته والمعنى الذي يجب أن يعطيه لحياته (البحث عن الخلاص في الآخرة على سبيل المثال). لقد انتهت الحرية الحديثة إلى نزع المصداقية عن هذه التسلسلات الهرمية. ما يهمني هو دراسة العواقب التي أحدثها نزع القداسة عن الحياة البشرية ومعناها. لقد عزل الفرد المعاصر نفسه عن الآفاق الاجتماعية والكونية الشاسعة التي تحكم وجوده.

بالنسبة لأخلاق المحارب أو الأخلاق التأملية الأفلاطونية، الحياة العادية حقيرة ودنيئة. إن تأكيد الحياة العادية يعني، بالنسبة للبعض، التخلي عن أي بُعد أسمى للوجود، والإعلاء من شأن ” البسيط والمبتذل من الملذات”، على حد تعبير ألكسيس دي توكفيل Alexis de Tocqueville.  

لكنك لا تشارك وجهة نظر أولئك الذين يرون في تأكيد الذات الحديثة تراجعًا نحو النرجسية والتمركز حول الذات.

لا معنى للوجود الإنساني خارج طابعه الحواري الأساسي، أي خارج الصلة التي تجمع الذات بالغير. نحن نصبح فاعلين إنسانيين بصورة تامة، وقادرين على فهم أنفسنا، وبالتالي تحديد هوية معينة، عن طريق العلاقة بالغير. في الواقع، نحن نعرّف أنفسنا دائمًا من خلال الحوار، أحيانًا من جانب التعارض، وأحيانًا من خلال التماهي مع “الآخرين الذين يعتد بهم”. وحتى عندما تستمر حياتنا بعد بعضهم – آباؤنا وأمهاتنا على سبيل المثال – تستمر المحادثة التي نجريها معهم لفترة طويلة بعد رحيلهم، طالما نحن أحياء. إذا كانت بعض الأشياء التي أقدرها أكثر من غيرها متاحة لي فقط في علاقة بالشخص الذي أحبه، فإن ذلك الشخص يصبح عنصرًا من عناصر هويتي الداخلية. من وجهة النظر هذه، فإن الموضة التي تدعو إلى الأصالة وتحقيق الذات بشكل مستقل عن علاقاتنا بالآخرين، هي غير منتجة وتدمر شروط الأصالة ذاتها.

أنت تقوم إذن بنقد من شقين: ضد النزعة النسبية لما بعد الحداثة التي تنكر وجود قيم عليا، وضد النظريات المحافظة لدى المؤلفين الذين يشككون في جميع أشكال ثقافة الأصالة.

يؤكد النموذج المثالي للأصالة أن الوجود الإنساني لا يجد معناه إلا في تأكيد الذات، وفي طبيعته الخاصة وفي استقلاليته. بعض جوانب فلسفة الوجود هذه تساهم في تدهوره. لقد أشرت للتو إلى أول انزلاق في الثقافة الشعبية اليوم نحو أنماط التعبير المتمركزة حول الذات المتعلقة بالمثل الأعلى لتحقيق الذات. الانزلاق الثاني هو التيار العدمي الذي انتشر منذ قرن ونصف. والصورة البارزة له يمثلها فريدريك نيتشه Friedrich Nietzsche. وقد وجدت العديد من سمات هذه العدمية تعبيرًا في اتجاهات مختلفة من الحداثة، والتي عادت إلى الظهور عند الفلاسفة الذين عادة ما نصفهم اليوم باسم “ما بعد الحداثة”، مثل جاك دريدا Jacques Derrida وميشيل فوكو Michel Foucault.

لكن البحث عن الحرية والبحث عن الأصالة لا يسيران معًا. بالنسبة للعديد من الشباب، فإن هذه الفلسفة تقدم سيناريو آسرًا يمكنك من خلاله محاولة كتابة حياتك الخاصة. هناك ميل معين نحو القطيعة ضد العائلة، والنظام، والرأسمالية…”أنا على حق، لأنني أهرب”. هناك الكثير من هذه الأوهام حول الأصالة. إنه خطاب مغري للغاية ويروق للكثير من الناس. هذا ليس أكثر من مجرد بحث عن أنشطة ترفيهية، وهو طموح عندما تكون طالبًا عالقًا بين الطفولة من جهة و”الحياة الحقيقية” من جهة أخرى؛ من هنا تأتي الشعبية الاستثنائية لهؤلاء المؤلفين.

في عالم مسطّح، حيث تنحسر آفاق المعنى يأتي المثل الأعلى للحرية الذاتية ليمارس جاذبية أقوى من أي وقت مضى.

من ناحية أخرى، يتبنى مفكرون آخرون نبرة ازدراء تجاه الثقافة التي يصفونها. على سبيل المثال، لا يبدو أن آلان بلوم Alan Bloom يعترف بالمثل الأعلى الحديث للأصالة، مهما كان تعبيرها متدهورًا ومتخفيًا. يتغاضى نقد بلوم عن القوة الأخلاقية لـلمثل الأعلى للأصالة. على عكس نقاد الثقافة المعاصرة، أعتقد أننا يجب أن نأخذ بعين الاعتبار الأصالة كمثل أعلى أخلاقي حقيقي.

في كتاب الاضطراب في الحداثة، تقفون عند الجانب المظلم للحداثة: فقدان المعنى، تلاشي الغايات، وفقدان الحرية. وتربطون ذلك بثلاثة أسباب: الفردية باعتبارها انطواءً على الذات؛ وتقدم العقل الأداتي، والتقنية باعتبارها أولوية الوسائل على الغايات الإنسانية، وأزمة المواطنة والمشاركة السياسية. كيف تربط بين مشاكل الحداثة هذه؟ 

أعتقد أن لهذه الأسباب مصادر مختلفة ولكنها تتحد بطريقة خطيرة. لنبدأ بالسبب الثالث. في جميع الديمقراطيات، يقول بعض الناس إن السياسة لا تؤدي إلى شيء، وإن الديمقراطية ليست حقيقية. إن من يقول إنه لم يعد مهتمًا بالسياسة لأن السياسيين جميعهم فاسدون، لا يعبر فقط عن اشمئزازه الشخصي، بل أيضًا عن عمل يهدف إلى نزع الشرعية عن الدولة. على سبيل المثال، الأهمية الاستثنائية التي تحتلها في حضارتنا العقلانية الأداتية – التكنولوجيا، التدبير، البحث عن الفعالية – تعني أن العديد من المشاكل يتم تصورها بالضرورة على أنها مشاكل تقنية، مع حلول يجدها الخبراء أو أنظمة معينة نضمن أنها ستحقق أفضل الأرباح، مثل السوق. يبدو أننا لم نعد نجد طريقة للخروج من هذا المأزق. وهذا يولد السخرية والشعور بالعجز. هذا هو التحدي المعاصر: كيف نعيد الاعتبار للأهداف الإنسانية داخل هذه الميكانيزمات التي تدير حياتنا.

 تولي مكانة كبيرة في عملك لقضايا الهوية ولما تسميه “الاعتراف” الذي يجب أن يتقدم على القضايا الاقتصادية والتقنية. كيف تعتبر سياسة الاعتراف والتعددية الثقافية متطلبات للسياسة الحديثة؟

 ستظهر قضايا الهوية بنفس القدر، إن لم يكن أكثر، مما كانت تمثله القضايا الاجتماعية – الاقتصادية. هذان البعدان لا مفر منهما في الديمقراطية. في القرن التاسع عشر، كان الوضع مشابهاً إلى حد ما: لم تكن الحركة العمالية مجرد حركة تهدف إلى تحقيق أهداف ملموسة، بل كانت تعبر أيضاً عن حاجة إلى الاعتراف، إلى الاندماج في الديمقراطية التي يمكنها التأثير عليها. إن تطور مثل أعلى للهوية المتولد داخلياً يضفي أهمية جديدة على الاعتراف. هذا الأخير يحظى اليوم باعتراف كوني، بشكل أو بآخر، وعلى الصعيد الشخصي أو على الصعيد الاجتماعي. في هذا المستوى، فإن مفهوم أن الهويات تتشكل في حوار مفتوح يجعل سياسة الاعتراف المتساوي أكثر أساسية وأكثر شحناً بالتوترات. الاعتراف بالمساواة ليس مجرد الطريقة المناسبة لمجتمع ديمقراطي سليم. فرفضه يمكن أن يلحق الضرر بأولئك الذين يُحرمون منه. ليس فقط النسوية المعاصرة، ولكن أيضًا المناقشات حول التعددية الثقافية التي تستند إلى فكرة أن إنكار الاعتراف يمكن أن يكون شكلاً من أشكال القمع.

كيف يمكن أن يساعدنا الرهان العملي للتعددية الثقافية في كندا Canada ويكبيك Québec على فهم واضح لمسألة التعددية الثقافية والتواصل بين الثقافات؟

لقد ناقشنا هذا الموضوع لفترة طويلة في كندا ويكبيك. وتوصلنا من خلال ذلك، وربما أسرع من غيرنا، إلى الاعتراف بهذا البعد واتخاذ بعض التدابير. في بعض المجتمعات، هناك شعور بأن التعريفات العامة للأسس التي يقوم عليها المجتمع قد حُسمت بالفعل. في الولايات المتحدة كما في كندا، أدت موجات الهجرة المتتالية إلى تغيير عميق في الثقافة المرجعية. إن وجود كندا مهدد بمشكل يؤثر، إلى حد ما، على جميع الجماعات. يجب أن نحاول السماح لمختلف المجموعات القومية بالتعايش بحرية وطواعية داخل الحدود السياسية القائمة. يجب استبدال الإمبراطوريات متعددة الجنسيات في الماضي بدول ديمقراطية ومتعددة الجنسيات في المستقبل. أي أمة تعترف بنفسها على هذا النحو، أي تمتلك إحساسًا قويًا بهويتها وترغب في إدارة شؤونها الخاصة، ولن تقبل الانضمام طواعية إلى دولة متعددة الجنسيات إلا بشرط أن تعترف بها هذه الدولة بشكل لا لبس فيه. إن الاعتراف بكيبيك، الأمة ذات الأقلية الأكثر بروزًا في كندا، كان إلى حدود الآن صعب المنال. ومع ذلك فقد حققنا تقدمًا مذهلاً في بعض المجالات.

هل يوجد في نظركم نموذج فرنسي مضاد، لا يزال، باسم الجمهورية، يعترض في الخطابات على الاعتراف والاندماج؟

كما تتوقعون، لا أشعر بأي تعاطف مع أولئك الذين يتبنون هذا الخطاب المتشدد بشأن الجمهورية، كما لو كانت هذه الأخيرة قائمة في الأساس على عدد معين من المبادئ التي لا يمكن تجاوزها. 

أعتقد أن هذا توتر لا داعي له وخطير جدًا على المدى الطويل. لكنني أزور فرنسا بانتظام وألاحظ أن الأمور تتغير. فقد بدأ بعض المثقفين في الطعن في هذه الآراء.

 إذا كنت قلقًا من ثقل “العقل الآلي” والتكنولوجيا في مجتمعاتنا، فإنك تعترض مع ذلك على صورة “القفص الحديدي”، أي إنسانية محبوسة بواسطة التكنولوجيا أو العقل الاقتصادي.

 إذا كان صحيحًا أن المجتمع التكنولوجي يحبسنا في قفص حديدي، فإن كل ما أقوم به سيصبح مجرد ثرثرة لطيفة. هناك بعض الحقيقة في صورة القفص الحديدي هذه، لكن رؤية المجتمع التكنولوجي كنوع من القدر المحتوم لا تصمد: فهي تغفل الجوهر. دون المبالغة، أعتقد أن هامش حريتنا موجود، وأنه ليس معدوماً. وهذا يعني أن فهم المصادر الأخلاقية لحضارتنا يمكن أن يساهم في وعي جماعي جديد. لقد حللت بعض المصادر التي تفسر قوة المثل الأعلى للحرية المحددة ذاتيا في ثقافتنا. نحن أحرار عندما نستطيع إعادة تعريف شروط وجودنا، عندما نستطيع السيطرة على ما يسيطر علينا. مثال الرعاية الطبية يساعد على فهم هذا الرهان. الاستخدام التعسفي للعقل الآلي، مثال ذلك الممارسات الطبية التي تنسى أن المريض هو شخص، هو استخدام لا يأخذ بعين الاعتبار، في إدارة الرعاية، تاريخ المريض، وبالتالي أسباب أمله أو يأسه، ويهمل العلاقة الأساسية بين مقدم الرعاية والمريض الذي يتلقاها، إلخ. إذا تمكنا أولاً من فهم أهمية التكنولوجيا، فسنتمكن من وضع حدود لها وإدراجها في إطار أخلاقيات الرعاية. 

في هذا السياق، من المهم فهم مصادرنا الأخلاقية. ولهذا السبب، فإن محاولة التجديد هو عمل يستحق التجربة. ولكن من الصحيح أيضًا أن هذا الصراع الفكري مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصراعات السياسية المتعلقة بأنماط التنظيم الاجتماعي. بعبارة أخرى، القوة الوحيدة التي يمكنها إعاقة هيمنة العقل الآلي المتزايدة هي حركة ديمقراطية واسعة النطاق. لا يكمن الخطر في السيطرة الاستبدادية بقدر ما يكمن في الانقسام، أي في عدم قدرة الناس المتزايدة على تشكيل مشروع مشترك وتنفيذه. المجتمع المجزأ هو المجتمع الذي يجد أفراده صعوبة متزايدة في التماهي مع مجتمعهم السياسي كجماعة موحدة. إن العقبات التي تبدو مستعصية في لحظة معينة يمكن التغلب عليها من خلال النهوض بالتربية العمومية.

الحسين يزة


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

الحسين يزة

الدكتور الحسين يزة، من مواليد مدينة بولمان بالمغرب، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ويعمل أستاذاً لمادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي في مديرية مكناس. تتركز مجالات بحثه في الفلسفة السياسية وفلسفة التربية، وله عدة منشورات أكاديمية منها: "فلسفة القانون عند هيجل" و"النزعة المؤسساتية ورهان الحرية في فلسفة هيجل السياسية" (مؤسسة مؤمنون بلا حدود، 2025)، و"الحرية والقانون في فلسفة الحق عند هيجل" (مجلة نقد وتنوير، 2023)، و"الحرية بين الطبيعة والتاريخ" (مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز فاس، 2024)، بالإضافة إلى عمل في طور النشر ضمن كتاب جماعي بعنوان "النقل الديداكتيكي للمعرفة في درس الفلسفة ورهان التكوين الفلسفي"

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى