التنويريسياسة واجتماع

الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران: حين غابت العلوم الإنسانية عن طاولة القرار

وهم التكنولوجيا العسكرية: كيف كشفت الأزمة الإيرانية عن خطورة تهميش التاريخ والفلسفة في جامعاتنا؟

لعلها صدفة حميدة أن تزامنت الدعوة الدائرة لإلغاء أو تقليص العلوم الإنسانية في الجامعات المصرية مع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بما حملته من كوارث لإيران والعالم أجمع سياسياً واقتصادياً وبيئياً، ربما لتذكرنا بأهمية العلوم الإنسانية بشكل عام وأهميتها في مواجهة تحديات الأمن القومي وأثناء الحروب بشكل خاص.

 فمن الواضح للعيان أن إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية اعتمدتا في قرارهما ببدء الحرب على إيران على ثقة كبيرة، وربما مفرطة، على العلوم البحتة والطبيعية المتمثلة في التكنولوجيا العسكرية الفائقة في حوزتهما والتطور الكبير في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته في الحرب وعلى اعتقاد راسخ بأن هذه القوى ستضع حداً سريعاً للحرب التي لن تكون أكثر من مجرد نزهة. ومن الواضح كذلك أن خبراء العلوم الإنسانية لم يُستشاروا أو لم يُؤخَذ برأيهم على الإطلاق، رغم وفرة المتخصصين في العلوم الإنسانية في أغلب الجامعات الأمريكية ومراكز الأبحاث وحتى الشركات التكنولوجية الكبرى مثل ميكروسوفت وإنتل وأبل. 

ما الذي حدث؟

كما هو معلوم للجميع، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية واسعة على إيران في عملية يُفترض أنها درست بدقة متناهية كل متغيراتها التقنية والعسكرية والاستخباراتية، حيث حُسبت مسارات الصواريخ، وحُدّدت مواقع المنشآت النووية، ورُصدت منظومات الدفاع الجوي، واستُعيض عن ذلك كله بأحدث تكنولوجيا الحرب الحديثة. كان الحساب دقيقاً من الناحية العلمية، لكنه كان أعمى من الناحية الإنسانية؛ لأن أحداً لم يسأل: كيف يفكر الإيراني؟ وما الذي يجعله صامداً؟ وهل للدين أو المذهب دور في هذه المقاومة؟ وما الذي تعنيه الكرامة في الثقافة الفارسية؟ وكيف تتحول الجراح التاريخية إلى وقود مقاومة؟ وكيف يلتف الناس حول حكوماتهم، حتى حين يكرهونها، حين يأتي العدوان من الخارج؟ هذه أسئلة لا تُجيب عنها أي قاعدة بيانات استخباراتية، ولا أي محاكاة حاسوبية لأنها حكر على التاريخ وعلم النفس والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع، أي على العلوم الإنسانية التي نريد إلغاءها أو تقليص دراستها في جامعاتنا المصرية. 

فلو أخذت الإدارة الأمريكية أو الحكومة الإسرائيلية برأي المتخصصين في هذه العلوم الإنسانية، لتجنب العالم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تلوح في الأفق وقبلها الدمار والخراب الذي أحدثته الحرب على كل الجبهات الإيرانية والإسرائيلية والخليجية والأزمة البيئية التي تتمثل في التلوث الإشعاعي المحتمل وتلوث مياه الخليج العربي وربما – لا قدر الله – انهيار محطات تحلية المياه في إيران ودول الخليج العربي. 

المفارقة في مصر

في هذا السياق بالذات، تبدو الدعوات لإلغاء أو تقليص العلوم الإنسانية وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس تماماً لما نتعلمه من هذه الحرب الدائرة. صحيح أنه يحق لنا أن نوجه تساؤلات مشروعة حول التخصصات التي لا يجد خريجوها فرصاً في سوق العمل، وصحيح أن البطالة المقنعة بين خريجي بعض تخصصات العلوم الإنسانية ظاهرة حقيقية، لكن الانتقال من فكرة إصلاح هذه التخصصات إلى فكرة إلغائها بالكلية قفزة لها ثمن باهظ لن ندفعه مباشرة، لكننا سندفعه حتماً بعد عشرين أو ثلاثين سنة حين تجد الدولة نفسها بلا مفكرين، ولا مؤرخين، ولا علماء نفس، ولا جغرافيين، ولا لغويين، ولا فلاسفة، ولا أدباء.

وأزعم أن المشكلة تتركز في طريقة تدريس هذه العلوم الإنسانية، لا في وجودها في أقسام أو كليات؛ فأقسام التاريخ التي تخرج حافظاً للتواريخ لا مُحللاً للأنماط التاريخية، وأقسام الفلسفة التي تُدرّس أفكار الآخرين دون أن تُنتج أفكاراً جديدة تعاني من مشكلة منهج لا مشكلة وجود. والحل هو الإصلاح، لا الإلغاء.

ماذا يخسر المجتمع حين يفقد علومه الإنسانية؟

تخيّل دولة تخرج كل عام مئات الآلاف الدارسين للهندسة والعلوم والطب، لكنها لا تُصدر مفكراً يفهم الشعوب، ولا مؤرخاً قادراً على تفسير أنماط انهيار المجتمعات، ولا عالم نفس يفهم الغضب الجمعي، ولا أنثروبولوجياً يعرف كيف تتشكّل الهوية الثقافية، إلخ… هذه الدولة قد تستطيع أن تبني جسوراً، لكنها لن تعرف من أين يأتي الغضب الذي يُفجّره شعبها، وتستطيع أن تُصمّم أسلحة، لكنها لن تفهم لماذا يُقاوم الخصم حتى حين يخسر، وقد تستطيع أن تُدير اقتصاداً، لكنها لن تفهم لماذا يثور الناس حين تنكسر كرامتهم حتى ولو ارتفعت أرصدتهم.

حتى الأمم التي تتصدر العالم اليوم لم تبنِ ريادتها على العلوم البحتة أو الطبيعية وحدها، بل بنتها على توازن دقيق بين هذه العلوم الإنسانية، كما أن الجامعات العريقة في العالم لا تزال تحافظ على التخصصات في العلوم الإنسانية، لأن من يُديرونها يعرفون أن الحضارة ليست مصنعاً للأدوات، بل مشروع فهم متواصل للإنسان بوصفه إنساناً.

ما تعجز عنه الآلة

يقول المنادون بإلغاء العلوم الإنسانية في جامعاتنا المصرية أن خريجيها لا يجدون وظائف، وهذه حجة لها وجاهتها الظاهرية، لكن ثمة حقيقة أعمق، ألا وهي أن العالم يتحوّل بسرعة مذهلة نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي، وأن المهارات التقنية هي الأكثر عرضة للاستبدال الآلي. أما ما يصعب على الآلة تعلّمه هو بالضبط ما تعلّمه العلوم الإنسانية، ألا وهو التفكير النقدي، وقراءة السياق، وفهم الدوافع الإنسانية، وصياغة الرواية، واتخاذ القرار في حالات الغموض. وربما لهذا السبب، لا توظف كبرى شركات التكنولوجيا في العالم المبرمجين فقط، بل تستوعب الفلاسفة وعلماء النفس والمؤرخين وعلماء الاجتماع.

درس إيران الذي ينبغي أن نستوعبه

ومن اللافت للنظر أن إيران أظهرت مقاومة غير متوقعة، ويعود ذلك لاهتمامها بالعلوم الطبيعية والبحتة وعدم إهمال العلوم الإنسانية، إذ ظهر جلياً أن إيران درست العقليتين الأمريكية والإسرائيلية وتاريخ الدولتين وحروبهما السابقة، طبيعة التفكير الأمريكي القائم على الحسم السريع، وحساسية المجتمع الإسرائيلي تجاه الخسائر وعدم الاستقرار. هذا الفهم لم يمنحها نصراً سريعاً، لكنه منحها ما هو أهم: القدرة على الصمود.

ما يجري في إيران اليوم هو كتاب مفتوح لمن يريد أن يقرأ، وهو يُثبت أن القرارات الكبرى، سواء أكانت حربية أم سياسية أم اقتصادية أم تعليمية، لا يجب أن تُتخذ بناءً على العلوم البحتة أو الطبيعية بمعزل عن العلوم الإنسانية. فمن فكّر في شن الحرب على إيران عسكرياً، دون أن يُفكّر فيها تاريخياً ونفسياً وثقافياً، أنتج كارثة إنسانية لن تُعالج عواقبها بسهولة. ومن يُفكّر في التعليم اقتصادياً دون أن يُفكّر فيه حضارياً وإنسانياً، يُنتج كارثة صامتة تظهر تباعاً على مدى أجيال.

سعودي صادق


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى