التنويريفكر وفلسفة

الدين والحضارة: السجود كتكثيف للفاعلية الإنسانية

السجود نفي للذات أمام خالقها، واستقامة الظهر إثبات للذات أمام كل الطواغيت

لا يمكن بناء حضارة إنسانية متوازنة على فراغ قيمي أو تيه وجودي. إن بناء الحضارة يقتضي ذاتا حرة، وعقلا منهجيا، ورؤية واضحة للكون. وهنا يبرز السجود ليس مجرد ركن تعبدي أو طقس مفرغ من محتواه، بل بوصفه تكثيفا للفاعلية الإنسانية؛ إنه القاعدة الصلبة التي يعيد فيها الإنسان صياغة علاقته بالخالق وبالطبيعة، لتنطلق ـ من ثم ـ ملحمة البناء الحضاري.

في اللحظة التي تلامس فيها جبهة المصلي تراب الأرض، يقع حدث كوني يفيض بمعان ودلالات عميقة؛ إذ يمثل السجود في جوهره ثورة تحرر لا خضوعا سلبيا. إنه إعلان استقلال الذات عن كل الأرباب الزائفة، وتجاوز لكل أشكال الاستلاب التي تفرضها المادة أو السلطة أو الوهم… وفي حين قد يرى البعض في الانحناء سيكولوجية ضعف، فإن السجود للواحد هو الحصانة الوجودية الوحيدة التي تمنع الإنسان من الانحناء لـ “الأغيار“؛ فمن تحرر بالخضوع للخالق، استحال عليه أن يستعبد للمخلوق. وهنا تبدأ أولى لبنات البناء الحضاري: الحرية الإنسانية.

خلف السجود، وراء هذا الفعل التعبدي، يقبع أساس إبستيمولوجي رصين؛ إذ إن التوجه نحو الواحد هو اعتراف ضمني بوحدة المصدر ووحدة القوانين التي تحكم الوجود. إن السجود هو الضمان الإيماني الذي يرسخ يقيننا بأن العالم ليس فوضى من المصادفات أو تراكما ماديا صدفيا، بل هو منظومة من السنن الثابتة والمطردة. وهنا نلتقي بـ ألفرد نورث وايتهد الذي أكد أن العلم الحديث ما كان له أن يقوم لولا الإيمان بنظامية الطبيعة المستمد من التراث التوحيدي؛ فالمنهج العلمي في جوهره هو ابن بار لليقين في عقلانية الخالق. ومن هنا، يصبح التوحيد هو المنطلق العميق للمنهج العلمي؛ فإذا كانت حضارات أخرى قد أدركت إجرائية العلم بالتجربة، فإن السجود ـ أو التوحيد ـ يمنح هذا العلم جذرا فلسفيا يجعل من قوانين الطبيعة عهدا إلهيا لا ينخرم، محولا البحث العلمي من مجرد ملاحظة إحصائية إلى استكشاف لناموس كوني رصين.

حين يسجد الإنسان لله، فإنه يمارس بوعي تام عملية نزع السحر عن الطبيعة؛ فهو لا يسجد للأشجار ولا للقوى الكونية… بل يسجد لخالقها. بهذا الموقف تتحول الطبيعة من كيان أسطوري مخيف تسكنه الأرواح، إلى موضوع علمي خاضع للدراسة، وآية جمالية تسبح لخالقها. إن السجود هو اللحظة التي يتحرر فيها الإنسان من تأليه المادة ـ الذي قد تقع فيه الحضارات المادية فتستعبدها الأشياء، ليتعامل معها كأداة للتقنية ومجال للفعل الحضاري، محتفظا في الوقت ذاته بدهشة الرؤية وجلال المشهد، ليكون علما “أخلاقيا” لا علما “متوحشا”.

يبدو السجود لحظة استراحة ضرورية للذات الإنسانية الكادحة. ففي هذه البرهة يمارس الإنسان “نفي الذات” المتضخمة أمام العظمة الإلهية، لا ليذوي أو يتلاشى أو يستكين للواقع المرير، بل ليستمد طاقة وجودية تمكنه من “إثبات الذات” كفاعل مقتدر وسط الخلق. هي وقفة لاستعادة التوازن بين طموح الخليفة الذي يغير وجه الأرض، وبين تواضع العبد الذي يدرك أصله؛ فيعود من سجدته أكثر قوة وتوازنا لمواصلة فعل البناء والإبداع، لا سيما وأن التاريخ يشهد أن العجز الحضاري لم يكن يوما بسبب السجود، بل بسبب تحوله من فعل وجودي إلى إلف وعادة آلية غاب عنها روح الاستخلاف.

وبعد، أليس ختم النبوة ـ كما ذهب محمد إقبال ـ دليلا على أن الإنسان أصبح فاعلا وقائدا ومشاركا في بناء العالم؟ إن الدين وضع مبادئ وأرضية صلبة تمكن الإنسان من الإسهام في الخلق الإلهي المستمر، ومن ثم أصبح لزاما عليه أن ينطلق، وأن لا ينسى أنه موضوع ثقة من قبل خالقه وربه.

ليس العالم جنة محضة ولا جحيما خالصا، مما يضع الإنسان أمام مسؤولية أخلاقية كبرى. فبينما يمنح كرم الربوبية أسرار المادة لكل من قرأ قوانينها (فهم وتسخير وتحكم)، فإن الكرم الإلهي يختص بمن وصل العلم بالمعنى والقيم… ولا ينبغي ـ كما يعلمنا القرآن الكريم ـ أن نقرأ باسم الذات المنفصلة التي قد تبني تقنيات مدمرة، بل أن نقرأ باسم الله الذي يوجه العلم لعمارة الأرض لا لخرابها. فمصير القراءة الذاتية قلق ومأساة واغتراب… وأما القراءة الربانية فمصيرها الكرم والجود؛ التمكين في الحياة الدنيا، والخلود في الحياة العليا عند مليكـ مقتدر.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى