
لسنوات ظل التصوير الفوتوغرافي مصدرا تاريخيا لا يأخذ مكانه الصحيح في المدرسة التاريخية المصرية ولا في كتابة التاريخ للناس ، لذا فإن اعادة الاعتبار للصورة كمصدر تاريخي أمر جوهري خلال السنوات القادمة خاصة مع غلبة الثقافة البصرية في عصرنا ، وهذا ما دفعني إلى التأريخ للقاهرة عبر الصورة الفوتوغرافية في كتابي الذي صدر عن مكتبة ديوان ( القاهرة .. الذاكرة الفوتوغرافية ) ومؤخرا صدر كتاب عن بيت الحكمة للدكتورة شيماء سمير ،عنوانه ( إثنوغرافيا الفن في الاستشراق .. مصر في القرن التاسع عشر ) الكتاب اعتمد على اللوحات المرسومة والصور الفوتوغرافية ، كان السؤال الذي انطلق منه هذا الكتاب في جوهره سؤالًا عن إمكان المعرفة البصرية، هل تستطيع اللوحة الفنية أن تمدّنا برؤية تاريخية واجتماعية وثقافية لا تقل عمقًا عن الوثائق النصية؟ وهل يمكن للصورة، بما تحمله من طبقات حسّية وتشكيلية ورمزية، أن تُقرأ بوصفها وثيقة إثنوجرافية ذات قيمة؟ هذا السؤال ظلّ يرافق كل صفحات الكتاب، وكانت إجابته تتشكّل بشكل تدريجي مع تحليل العمارة، والوجوه، والملابس، والحياة اليومية، والطبيعة، والمهن، والطقوس، حتى اتّضح أن الصورة -حين تُحلَّل بمنهج نقدي بصري وإثنوجرافي- لا تقدّم فقط مشهدًا جماليًا، بل تقدّم معرفة عن العالم.
يقول جون بيرجر John Berger في كتابه ways of seeing” ما نراه ليس هو العالم، بل علاقة ما بيننا وبين العالم”. هذه الجملة تصلح مفتاحًا لفهم كل ما قام عليه هذا الكتاب؛ فالصورة ليست انعكاسًا محايدًا، بل علاقة معقّدة بين عين الفنان و المشهد، بين الثقافة التي يتكلّم بها والبيئة التي يقف أمامها، بين المعرفة والخيال، وبين السلطة والتمثيل. لذلك لم يكن هدف هذا الكتاب تمجيد الصورة أو رفضها، بل وضعها في إطارها الأعمق، بوصفها نصًا بصريًا يحتاج مثل النصوص المكتوبة إلى القراءة والتأويل.
تنقّل الفنانون في اللوحات الفنية الخاصة بالاستشراق بين الدقة الإثنوجرافية والخيال الرومانسي. وقد حاول هذا الكتاب أن يتتبع هذا التوتر في سياقه التاريخي والفني، وأن يكشف كيف كانت اللوحة الاستشراقية أحيانًا وثيقة بالغة الصدق، وأحيانًا أخرى إعادة خلق لشرق متخيل. كان القرن التاسع عشر لحظة تأسيسية لهذه الثنائية، وقد عبّر أحد الرحّالة الأوروبيين عن مشاعر الدهشة الأولى حين كتب لا يمكنك أن تدخل مصر دون أن تشعر أنك تدخل الزمن نفسه، لا المكان. كأن الهواء يحتفظ ببقايا أزمنة لا نعرف لها أسماء. مثل هذا الإحساس هو ما دفع فنانين كثيرين إلى معايشة المكان قبل تصويره، وإلى السعي لفهم الناس قبل تدوين ملامحهم. لكن هذه الرغبة لم تكن مشتركة بين الجميع؛ فبعض الفنانين جاءوا محمّلين بتوقعاتهم الخاصة عن الشرق، وبعضهم الآخر جاء ليكتشف الشرق كما هو، بلا وسيط، بلا رومانسيات مسبقة.
كان نابليون، رغم مشروعه العسكري، يدرك قوة الصورة، ولذلك قال أحد جنوده في رسالة محكية بأن “البنادق تصنع المعركة، لكن الرسامين هم الذين كانوا يصنعون التاريخ”. كما قدّم الكاتب والمؤرخ سودير هزاريسينج Sudhir Hazareesingh تصويرًا بالغ الدلالة حين قال إن نابليون كان يمسك “سيفًا باليد التي تقتل، ومشعلًا باليد التي تضيء”. وهذا الوصف ينطبق تمامًا على حملته على مصر، التي حملت معها إلى جانب القوة العسكرية موجة من التوثيق العلمي الإثنوغرافي والبصري، وأطلقت شرارة اهتمام غربي هائل بمصر من خلال كتاب “وصف مصر” ومن خلال فنون الرحلة والرسم والبحث الميداني. وقد كان لهذا الحدث أثر تأسيسي في نشوء الاستشراق الفني بصورته الواسعة، إذ منح الغرب لأول مرة فرصة لرؤية الشرق عبر معايير علمية وبصرية معًا.
ولأن هذه الدراسة كانت تتعامل مع مصر بوصفها حقلًا بصريًا استثنائيًا في القرن التاسع عشر، فإن أعمال الفنانين المستشرقين الذين عاشوا في مصر قدّمت مادة تحليلية ثمينة. غير أن مصر—كما كشفت التحليلات—لم تكن سهلة الاختزال في خطاب واحد أو رؤية واحدة. لقد كانت نسيجًا معقدًا من المعاني، يستلزم قراءة دقيقة للرموز والطقوس والعلاقات اليومية. وهنا يظهر الفارق الحاسم بين الفنان الذي مرّ بمصر والفنان الذي عاشها. فالرؤية العابرة لا تُنتج إلا مشهدًا عامًّا، بينما المعايشة الطويلة—كما يؤكد ديفيد ماكدوجال David MacDougall في كتابه عن الأنثروبولوجيا البصرية—تجعل الفنان قادرًا على إدراك “البنية الخفية للحياة اليومية التي لا تكشف نفسها إلا لمن يشاركها إيقاعها”. ولذا، فإن أعمال الفنانين المقيمين في مصر لا يمكن الحكم عليها بالمعايير نفسها التي نقيس بها أعمال الرحّالة أو زائري المواسم القصيرة؛ لأنها ببساطة تنتمي إلى درجة أخرى من التماس المباشر مع البيئة والناس.
لقد عاش بعض الفنانين المستشرقين في مصر فترات طويلة جعلتهم جزءًا من نسيجها الاجتماعي، لا مجرد مراقبين من الخارج. فمثلا عاش فرانز كوسلر بين القاهرة وأسوان، ولم يكن مهتمًا بصناعة “شرق” للتصدير، بل برسم الوجوه كما هي. لذلك احتوت أعماله على تفاصيل دقيقة للأزياء الشعبية، والخامات، والبشر، والتجاعيد، ولون البشرة، وعلاقات الجلوس والوقوف، وكلها عناصر تُظهر درجة عالية من الصدق الإثنوغرافي. وهذا ما يجعل لوحاته مرجعًا بصريًا ثريًا لحياة المصريين في ذلك الزمن.
لقد أظهر التحليل الذي قامت به الدكتورة شيماء سمير أن هؤلاء الفنانين المقيمين في مصر أنتجوا أعمالًا تحمل ثلاث خصائص رئيسية:
أولًا المعرفة الحسية: وهي قدرة لا يملكها إلا من عاش في المكان، من شمّ هواء الأزقة، واستمع إلى أصوات الأسواق، وشاهد تغيّر الضوء فوق النيل. ولهذا تبدو لوحاتهم مشبعة بـدرجة حرارة المكان، الفنان هنا لا يرى المكان من الخارج، بل يعيشه بجسده وحواسه، فيتحول المشهد إلى خبرة معيشة لا يمكن فصلها عن الإحساس المادي بالبيئة، وهي خبرة لا تنتجها المعاينة العابرة بل الاندماج الطويل في تفاصيل الحياة اليومية.
ثانيًاالملاحظة الإثنوجرافية الدقيقة: كانت لوحاتهم مليئة بالتفاصيل الصغيرة، طريقة حمل النساء للجرار، كيفية ارتداء العمامة، وضعية الجلوس في المقاهي، هذه التفاصيل وغيرها ليست جماليات فقط، بل عناصر معرفية تساعد المؤرخين اليوم على قراءة الحياة الاجتماعية.
ثالثًا تحوّل النظرة من التمثيل إلى الفهم: لم يعد الشرق في أعمالهم موضوعًا غريبًا أو ساحة للخيال، بل عالمًا إنسانيًا متكاملًا. فالفنان الذي يعيش في المكان يكفّ تدريجيًا عن التعامل مع الشرق بوصفه موضوعًا للنظر، ويبدأ في التعامل معه بوصفه عالمًا إنسانيًا يُعاد فهمه من الداخل. وفي هذا التحوّل تتكوّن قيمة معرفية جديدة، لأن الفنان لا يمثّل الشرق، بل يفهم مصر في تعددها وتعقيدها واختلاف بيئاتها.
ومن خلال تتبع أعمال هؤلاء الفنانين، يصبح واضحًا أن إقامتهم في مصر جعلتهم أكثر قدرة على التمييز بين التقاليد المحلية، والعادات التي تخص منطقة دون أخرى، والفروق الدقيقة بين سكان القاهرة، و الريف، والصعيد، والبدو، وهي فروق قلّما أدركها الفنانون الذين رسموا الشرق من مخيلتهم. بل يمكن القول إن هؤلاء الفنانين المقيمين أنتجوا، دون قصد، أرشيفًا بصريًا موازياً للسجلات النصية، أرشيفًا يكشف ما لا تكشفه الوثائق الرسمية من حركة الحياة اليومية، ملامح الناس، تفاصيل البيوت، ترتيب الأسواق، طبيعة الفضاء العام، و أنماط اللباس، وطقوس العمل. وهذه العناصر كلها تمنح الباحثين اليوم إمكانية إعادة بناء صورة شاملة لمصر في القرن التاسع عشر، من أسفل إلى أعلى، من الحياة اليومية إلى البنية الاجتماعية. وهكذا، تصبح إقامة الفنان في مصر ليست مجرد تفصيل في سيرته، بل مفتاحًا لفهم عمق أعماله، ولتفسير قدرتها على نقل الحقيقة الإثنوجرافية، ولفهم سبب اختلافها الجذري عن الأعمال التي رسخت صورًا نمطية أو خيالية عن الشرق.
ومن هذا المنظور يصبح الانتقال إلى قراءة إثنوغرافيا الفن في الاستشراق خطوة طبيعية؛ فبعد الكشف عن عمق التجارب التي كوّنت رؤية الفنان، تتجه الدراسة إلى تفكيك الصورة نفسها من الداخل: كيف تُبنى؟ وما الذي تكشف عنه عندما نقرأها في طبقاتها المتعددة؟
أما دراسة الوجوه والملابس والزينة، فقد فتحت مستوى آخر من الفهم في رأي المؤلفه ؛ إذ لم يُنظر إلى الجسد بوصفه عنصرًا جماليًا، بل بوصفه وثيقة إثنوغرافية حقيقية تُجسّد أثر التاريخ على الملامح، وتحوّلات المكان على الهيئة، وفروق الطبقة والعمل على طريقة اللباس. وهو ما ظهر بوضوح في تمثيلات الفنانين الذين عاشوا في مصر- كارل مولر وفرانز كوسلر مثالًا- حيث جاءت الوجوه المصرية صادقة، وملامحها مشبعة بالمعايشة لا بالتصور. وفي تحليل الحياة اليومية والعادات والمهن، تكشّف المؤلفة نسيج اجتماعي واسع لا تقدّم الوثائق الرسمية عنه إلا القليل؛ فالسقاء، والفوّال، وبائع اللبن، وصانع الحُلي، والحلاق، و المشعلجي… كلهم يشكّلون اقتصادًا بصريًا متكاملاً يمكن من خلاله قراءة البنية الاجتماعية للمدينة. وفي هذا السياق، غدت اللوحة الاستشراقية—حين تُقرأ قراءة نقدية—أرشيفًا حيًا يُعيد بناء إيقاع الحياة الشعبية ويكشف عن ديناميكيات العمل، والتجمع، والتفاعل الاجتماعي.
ثم جاءت الطبيعة المصرية، الريفية منها والصحراوية، لتكمل الصورة وتمنحها بعدًا بنيويًا آخركما ترى الدكتورة شيماء سمير . فالريف لم يظهر بوصفه منظومة زراعية فحسب، بل كمساحة تتداخل فيها الدورة المائية بالطقوس اليومية، ويعيد فيها الفيضان تشكيل الحياة عامًا بعد عام. والشادوف لم يكن مجرد أداة، بل علاقة بين الإنسان والطبيعة. وفي المقابل، كشفت الصحراء عن وجه آخر لمصر: فضاء الرحلة والترحال والخلوة، فضاء توسّعه حركة القوافل لا حدود الجغرافيا. وهو ما يمكن تلخيصه — استنادًا إلى طرح مارك أوجيه حول “اللامكان” — في فكرة أن بعض الفضاءات لا تُعرَّف بحدودها بل بتجربة الرحلة التي تُمارَس داخلها، وهو وصف ينطبق بعمق على اللوحات الاستشراقية للصحراء.
وبجمع هذه المسارات الأربعة – المدينة، الجسد، الحياة اليومية، والطبيعة كما تذهب الدكتورة شيماء – تتشكّل الصورة الكاملة لمصر في القرن التاسع عشر كما ظهرت في اللوحات الاستشراقية فظهرت صورة ليست واحدة ولا خطية، بل متعددة ومتداخلة، تتحرك بين العمارة كمسرح للوجود، والوجوه كخزائن للذاكرة، والعادات كإيقاع اجتماعي، والطبيعة كقوة تُعيد تشكيل البشر. ومن خلال هذا التحليل، يعود السؤال الأساسي لهذا الكتاب ، هل يمكن الاعتماد على هذه اللوحات كمصادر تاريخية؟ وإجابة هذا الكتاب هي نعم، لكن ضمن شروط منهجية دقيقة:
- أن تُقرأ اللوحة في سياقها التاريخي والسياسي والمعرفي.
- أن نُميز بين ما هو إثنوغرافي وما هو تخييلي.
- أن تُقارن اللوحة الفنية بالمخطوطات الأدبية والصور الفوتوغرافية.
دكتور خالد عزب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






