
الحاجة زكية وسؤال “الفتوحات القاهرية”
إذا كانت “الفتوحات” في الاصطلاح الصوفي تشير إلى الانكشافات الإلهية والمواهب الربانية، فإن تجربة الحاجة زكية – كما يرويها مريدوها ومحبوها – تمثل نمطًا من الفتح المرتبط بالمكان (القاهرة، رحاب آل البيت) وبالحال (الجذبة، الفناء، الخدمة). لقد ارتبط مسارها الروحي برحاب الإمام الحسين بالقاهرة، وبساحة أبو الحسن الشاذلي في منطقة حميثرا، وهو ارتباط ذو دلالة رمزية؛ إذ يجمع بين مركزية آل البيت في الوجدان المصري، وبين الامتداد الشاذلي الذي يمثل مدرسة الاعتدال والجمع بين الشريعة والحقيقة.
فتوحاتها – بحسب السرد الروحي – لم تكن خطابًا نظريًا، بل تجلت في: الإطعام والخدمة (الكرم بوصفه سلوكًا عرفانيًا). الإشارة التربوية المختصرة (الوصايا الخمس: الصبر، سعة الصدر، الامتثال، الاجتهاد، التسليم). التربية بالحال قبل المقال. الفناء عن الظهور، حتى في مشهد وفاتها.
وهنا يبرز السؤال:
هل تمثل تجربتها “فتوحات قاهرية” بالمعنى المكاني، أم حضورًا متحققًا لرتبة الولاية في سياق اجتماعي معاصر؟
الظاهر أن الأمرين متداخلان؛ فالمكان لم يكن إلا مسرحًا لتجلّي الحال.
بين الكرامة والاستقامة
تناولت الروايات المرتبطة بالحاجة زكية جملة من الكرامات: الاطلاع على الخواطر، الإخبار بقرب الوفاة، التأثير في القلوب، وغير ذلك. غير أن القراءة العرفانية الرصينة تقتضي التمييز بين: الكرامة بوصفها أثرًا جانبيًا للحال الروحي. الاستقامة بوصفها جوهر الولاية.
وفي هذا السياق، يكتسب استشهادها بحكمة أحمد بن زروق حول علو مقام الاستقامة أهمية خاصة؛ إذ يعيد ترتيب الأولويات من “الخارق” إلى “المستقيم”. إن قلة التشييع عند وفاتها، ووصيتها بعدم إشهار خبر انتقالها إلا بعد الدفن، يمثلان – عرفانيًا – تجليًا لحال الفناء والبعد عن حب الظهور، وهو من أمارات الرسوخ عند أهل الله.
الولاية النسائية والتربية بالإشارة
من أبرز ما يميز تجربتها – كما في كثير من التجارب النسائية الصوفية – غلبة التربية بالإشارة والحضور القلبي على التنظير والتعليم المنهجي. فالمجلس لم يكن مدرسة فقهية، بل حضرة روحية؛ والطعام لم يكن مجرد إحسان اجتماعي، بل وسيلة وصل وبركة.
وهذا يعيدنا إلى إشكالية التدوين: فالتاريخ الذي يميل إلى رصد المؤلفات والطرق المنظمة قد لا يلتقط أثر “التربية الحالّية” التي تُنقل بالمعايشة لا بالكتاب.
حضور المرأة في رتبة الولاية… إعادة نظر
تكشف تجربة الحاجة زكية عن معطيات مهمة: أن الولاية النسائية في العصر الحديث لم تنقطع، بل اتخذت أشكالًا متجددة. أن سلطة المرأة الروحية قد تتحقق خارج البنى الطرقية الرسمية. أن الخدمة والإطعام والرعاية الاجتماعية يمكن أن تكون مسارات عرفانية مكتملة، لا مجرد أعمال برّ. أن النسب الروحي (الاقتداء والسير) قد يتقدم – في الوعي العرفاني – على النسب الجسدي، وإن اجتمعا.
والله أعلم بمراتب أوليائه، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
توثيق النسب والسيرة والتحولات الروحية للحاجة زكية عبد المطلب
من السيدة الفاضلة إلى مقام الرقيّ الولائي
الاسم الكامل والنسب الشريف هي السيدة زكية بنت السيد عبد المطلب بدوي، ويُرفع نسبها – بحسب الروايات المتداولة في محيطها الروحي وأوراق محبيها – إلى الدوحة الحسينية من آل بيت النبي ﷺ، على النحو الآتي إجمالًا:
زكية بنت عبد المطلب بدوي بن بدوي مجاهد بن حسن مجاهد بن عبد الكريم بن عبد التواب (المكنى بصالح، المدفون بميت مرجا – المنزلة – الدقهلية)
إلى أن ينتهي النسب إلى:
موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن علي بن أبي طالب
زوج السيدة فاطمة الزهراء ابنة سيدنا محمد ﷺ.
ويُذكر أن أول جدٍّ وفد إلى مصر من بغداد من هذا الفرع هو السيد مجاهد، المدفون بنبروه (محافظة الدقهلية)، وهو ما يجعل العائلة من البيوتات الحسينية المعروفة في الدلتا.
الميلاد والنشأة
تاريخ الميلاد: سنة 1900م.
مكان الميلاد: قرية ميت مرجا سلسيل – مركز المنزلة – محافظة الدقهلية (مصر).
البيئة العلمية: والدها كان من علماء الأزهر الشريف، مما أتاح لها نشأة علمية محافظة، مع عناية مبكرة بحفظ القرآن الكريم.
نشأت في بيئة تجمع بين: العلم الأزهري. الشرف الحسيني. التدين الشعبي المصري المرتبط بآل البيت. وقد أتمت حفظ القرآن في سن مبكرة، وصحبت والدها في رحلة الحج عبر طريق عيذاب، وهو الطريق التاريخي المرتبط بذكرى أبو الحسن الشاذلي، ما شكّل – في الرواية الصوفية – لحظة “فتح روحي” مبكر في حياتها.
الزواج والثروة والتحول الاجتماعي
تزوجت من الشيخ محمد المهدي عساسة، أحد علماء الأزهر ومن خلفاء الطريقة المرتبطة بـ عبد السلام الأسمر.
وضعها المادي: ورثت نصيبًا معتبرًا من عائلتها. عاشت في مستوى اجتماعي كريم. عُرفت بالسخاء الظاهر، حتى في طفولتك – كما ذكرت – كانت تعطي نصف جنيه فضة للأطفال والزوار.
التحول الاقتصادي:
في مرحلة الجذبة والخلوات: قامت ببيع ما تملك من ميراثها. تخلت عن الامتيازات الاجتماعية. انتقلت من “سيدة بيت حسيني ميسور” إلى “خادمة ساحة روحية”. وهنا يظهر التحول المركزي: من ملكية المال إلى فناء الحال. فالثروة لم تُلغَ فجأة، بل تحولت من ملكٍ شخصي إلى وسيلة إطعام وخدمة ورباط روحي.
مرحلة الجذبة والانفصال
مرت بمرحلة جذبة روحية جعلتها كثيرة التردد على مقامات آل البيت بالقاهرة، خصوصًا: مقام الإمام الحسين. مقام السيدة زينب. مقام السيدة نفيسة. هذا التحول يمثل انتقالًا من: الحياة الأسرية التقليدية إلى التفرغ النسبي للسلوك الروحي.
الرحلات والخلوات (مرحلة التكوين الولائي) الإقامة في زاوية شيخها بالباطنية (القاهرة). خلوة سنتين بزليتن – ليبيا – عند ضريح عبد السلام الأسمر. الإقامة بمنفلوط. التردد الدائم على حميثرا – مقام أبو الحسن الشاذلي. هذه المرحلة تمثل “العبور من السيدة الفاضلة إلى الوليّة السالكة”، إذ اجتمعت فيها: التجريد المالي. الانفصال الاجتماعي الجزئي. الخلوة. التتلمذ. التجوال الروحي.
بعد سنواتٍ من المحن والتجريد والخلوات، بدأ التحول الحاسم في مسارها الروحي؛ إذ تجمّع حولها المريدون والمحبون، وأسست ساحةً بجوار مقام الإمام الحسين بالقاهرة، فانتقلت من طور السلوك الفردي إلى مقام الإرشاد العام.
قبل هذا التحول كانت سيدةً عالمةً شريفة، ذات وجاهة اجتماعية ومكانة أسرية مرموقة. ثم دخلت مرحلة الجذبة، فصارت سالكةً مجذوبة، كثيرة الترحال بين المقامات والخلوات، تتشكل تجربتها في نار التجريد والبحث. وبعد التمكين، استقر بها الحال في مقام المشيخة، فغدت مشيرة زمانها، وصاحبة ساحة، ومرجعية روحية يقصدها السالكون.
وقد وصفها بعض العارفين بأنها «من أوتاد هذه الأمة»، بينما عبّر تلميذها الحاج أحمد أبو الحسن عن حالها بقوله إنها «أميٌّ في الطريق إلى الله»، إشارةً إلى صفاء الفطرة وتجردها من الدعوى، واعتمادها في التربية على الحال أكثر من المقال.
وفاتها
تاريخ الوفاة: 28 سبتمبر 1982م.
مكان الدفن: وادي حميثرا – قرب مقام الإمام الشاذلي.
أوصت بدفنها في هدوء تام. لم يُشيّعها إلا قلة من خاصتها. وهو ما يعكس حال الفناء وترك الظهور.
من السيدة الفاضلة إلى الرقيّ الولائي
يمكن قراءة تحوّلها عبر أربعة أطوار: طور النسب والعلم تأسيس شرعي وأخلاقي. طور السخاء والخدمة تجلي الخُلُق الحسيني في الإطعام والعطاء. طور الجذبة والتجريد بيع المال، ترك الامتيازات، الخلوة. طور التمكين والمشيخة تأسيس ساحة – تربية مريدين – إرشاد بالإشارة. وفي هذا الطور الأخير تجلّى مفهوم الولاية عندها في: قلة الادعاء. غلبة الاستقامة على الكرامة. لتربية بالحال. الجمع بين الحضور الاجتماعي والفناء الداخلي.
وفي الختام يجدر بنا أن نذكر أن الحاجة زكية تمثل نموذجًا حديثًا للولاية النسائية في مصر القرن العشرين، حيث:
اجتمع النسب الحسيني مع التكوين الأزهري. اجتمع الثراء المادي مع التجريد الاختياري. اجتمع التدين الشعبي مع التربية الصوفية المنضبطة. تحولت من رمز اجتماعي إلى قطب إرشادي في محيطها. وتبقى سيرتها – من منظور أكاديمي – بحاجة إلى:
جمع وثائق نسبها رسميًا. أرشفة شهادات معاصريها. دراسة خطابها التربوي. تحليل بنيتها التنظيمية كساحة روحية نسائية.
فهي ليست مجرد “صاحبة كرامات”، بل حالة دراسية لفهم كيف يتجسد مقام الولاية في امرأة مصرية في القرن العشرين، دون أن تتخذ شكل طريقة صوفية رسمية. وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري: هل كانت فتوحات قاهرية؟ أم حضورًا مكتمِلًا للمرأة في رتبة الولاية؟
والأقرب – عرفانيًا – أنها كانت تحولًا من النسب إلى الحضور، ومن الفضل إلى الفناء، ومن السخاء إلى المشيخة.
المصادر والمراجع
- دراسة ميدانية أجراها الباحث في القاهرة في مطلع شهر رمضان 1447هـ / 2026م، تضمنت مقابلات غير رسمية مع عدد من المريدين والمترددين على ساحة الحاجة زكية ومحيط مقام الإمام الحسين.
- مقالات ودراسات إلكترونية حول سيرة الحاجة زكية وتجارب الولاية النسائية في مصر الحديثة.
- روايات شفوية متداولة في الأوساط الصوفية المرتبطة بساحة الحاجة زكية وبعض معاصريها.
محمد الزكري القضاعي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






