الحجر والنافذة وانكشاف العالم
بين قسوة الحجر وانفتاح النافذة: كيف تكشف الأشياء البسيطة عمق الوجود الإنساني؟

مكتوب في تآليف لا حصر لها أن العقل البشري يدرك ويفهم العالم من خلال مقولات قبلية، من قبيل: مقولة السببية، الجوهر… والذات هنا هي التي تُهندس أشياء العالم وتبنيها، لتصبح معرفة. وما يُلاحظ أن هذه الذات إنما تجعل بناءها فقيرا من حيث خلوه من القيمة والاعتبار. لذلك، جائز أن نُعمّق رؤيتنا للعالم بإضافة نظارات وجدانية، مثل: «الثبات الوجداني»؛ أي قدرة النفس على السكن في القلق والاعتراف بالهشاشة دون أن تنكسر، و«الأفق والتحرر» بمعنى توسيع زاوية نظرنا للوجود وتحرير وعينا من انحصاره في الرؤية التقنية الضيقة … إنها ليست بُنى قبلية تنظم المعرفة، بل كيفيات ينكشف بها الوجود ذاته في علاقتنا به. ما الذي يعنيه ذلك؟ إنه يعني أن العالم لا ينحصر في التنظيم المفهومي للعقل، بل هو شبكة علاقات لانهائية ينكشف بعضها عبر المفهوم، وينكشف بعضها الآخر عبر التجربة الوجدانية. ويمكن الكشف عن ذلك الثراء العالمي من خلال أبسط الموجودات والمصنوعات.
حين نُمعن النظر في الحجر ـ مثلا ـ يبدو لنا شيئا صلبا، له كيف وكم وربما جوهر… ولكن، من جهة الرؤية الوجدانية يبدو على نحو أعمق؛ إنه يكشف عالماً متشابكا ومتعالقا. إن الحجر هو الأنا العميقة للأرض؛ الأنا الثابتة التي لا تحركها النوازل أو تزلزلها الزلازل. فيها تاريخ التصحرات والجفاف وضربات المطر والبرَد وبرد الثلج. الحجر هو الأرض، وحين يبني به الإنسان بيته، فهو إنما «يُعلن» أنه ابن الأرض، وأن البيت صورة قوية وصلبة عنا، مع كونه تعبيرا عن وعينا بالفناء؛ البيت الحجري علاقة بين الإنسان الهش والأرض الصلبة والسماء المتقلبة… الحجر يكشف لنا عن وجود الإنسان في العالم وكيف لا يمكن فصله عنه؛ استحالة فصل الذات عن الموضوع؛ لأن وجود الإنسان هو وجود – في- العالم، وليس وجودا قائما بذاته ثم يدخل العالم لاحقا. الحجر مرآة الإنسان التي تكشف له وهنه أمام صلابة الوجود، لكنه في الوقت نفسه يمنحه إمكانية الرسوخ لا بالإنكار، بل بالاعتراف.
إذا كان الحجر يكشف عن كيف يرتبط الإنسان بالأرض والسماء، وعن عمق القلق الإنساني من جهة الهشاشة وتقلبات الحياة وجلال الوجود؛ ذلك اللغز الأبدي، فإن النافذة، إذا فهمناها بكيفية وجدانية، تجعلنا نرى علاقتنا بالعالم بشكل أوضح وأعمق. النافذة نقطة التقاء الداخل والخارج؛ أي الذات والعالم. هي الزاوية التي تعكس عزلتنا ونرى عبرها ضجيج العالم. إنها النقطة التي يصافح فيها السكون الضجيج. النافذة اعتراف بمحدوديتنا، تمنحنا مسافة تأملية تجاه العالم؛ نرى المطر دون أن نبتل، نراقب الزحام ونحن في قمة السكون… لكنها في الآن ذاته تذكرنا بأن الحقيقة مجتزأة، وأن رؤيتنا للعالم تعتمد على زاوية النظر، ومن هنا يمكن أن نعتبر البشر نوافذ زجاجية، ينكشف عبرهم العالم بقدر ما ينحجب. تكشف النافذة أننا، رغم حاجتنا للأمان، لا يمكن أن نعيش من دون أفق، ومن دون انفتاح على ما يتجاوز جدراننا.
إن علاقتنا بالعالم ليست علاقة معرفة فحسب، وإنما هي علاقة وجدانية أيضا؛ ولا نقصد أننا نميل كل الميل إلى النزعة الإحيائية، بل نريد أن نقول إن علاقتنا بالعالم تظهر فيها معان وقيم من شأنها أن تُعدل من نظرنا الذي ابتلعه المنطق التقني. لسنا نُنكر قيمة المعرفة والضبط والصرامة، ولكن من الأجدر أن نزيد على ذلك قيما وجدانية واعتبارية، حتى يتكامل العقلي والوجداني؛ فـ«العقل من دون وجدان أعمى، والوجدان من دون عقل أعرج». ولا تقوم للإنسان قائمة حقة إلا حين يمشي بعقل يقظ وقلب رهيف يلتقط القيمة في أبسط الأشياء.
إن العالم آهل بالمعنى، وينكشف المعنى في علاقتنا وصلتنا بأي شيء: بالمطر، بالقلم، بالبيت، بالحذاء، بالشجرة… ما نحن وسطه ليس حطاما كونيا، بل مسكن إنساني دافئ، ومعان لا نهائية. أتشُكـ في أن الحجر مرساة للهوية الإنسانية وسط تقلبات الطبيعة؟ وألا ترى أن النافذة برزخ بين سكون البيت وضجيج الشارع؟ أتتفق معي أن النافذة أمان من الداخل وأفق ومغامرة من الخارج؟
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


