التنويريفكر وفلسفة

مقتضيات التفكير و الوعي بالمغالطات في الخطابة والمشاكل

بين العقل الفطري والعقل الأداتي: قراءة فلسفية في توترات الخطابة وحقيقة المشكلات

1) في التوتّر القائم في العقل من جهة المغالطات

العقل: بين التميّز الفطري والتناقض الجوهري

يتميز الإنسان بالعقل، تلك القوة الفطرية التي تجعله “بشرياً” وتميزه عن الحيوان، كما أشار ديكارت. وهو يملك – بحكم فطرته – القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ في المعرفة، وبين الخير والشر في الأخلاق. لكن هذا العقل نفسه يحمل تناقضاً أساسياً: فهو في آنٍ واحد أداة للكشف عن الحقيقة وأداة لصناعة الزيف.

مفارقة الوعي بالمغالطات والمغالطات التي تقوم على الوعي:

لا يمكن للتفكير أن يوجد دون “وعي بالمغالطات”، فجزء من عمل العقل هو التشكيك والفحص والتحرر من المغالطات. لكن في المقابل، “لا وجود لمغالطة دون وعي وتفكير”، لأن المغالطة – في معناها العميق – ليست خطأً عفوياً، بل هي فعل قصدي وإرادي يهدف إلى تضليل الآخر أو خداع الذات. وهنا تكمن المفارقة او التوتر : العقل هو الذي يقع في المغالطة، وهو نفسه الذي يكشفها.

من العقل الفطري إلى العقل الأداتي: 

إذا كان العقل في تصور ديكارت “حساً سليماً” موزعاً بين الناس بالتساوي، فقد تحوّل في الفترة المعاصرة – كما تظهر مدرسة فرانكفورت – إلى “عقل أداتي”: أداة للهيمنة والتلاعب والاستلاب. لم يعد العقل وسيلة للتحرر، بل أضحى أداة “لعقلنة” الواقع المفروض، وجعل الإنسان كائناً ذا “بعد واحد” (كما وصفه هربرت ماركوز

المغالطة كنظام: الإرادة المؤسساتية للتضليل

لا تقتصر المغالطة على الفرد، بل تمارسها “المؤسسات” (السياسية، الإعلامية، الاقتصادية) بشكل منظّم وقصدي، لخلق “وعي زائف” أو “حقيقة مُصنَّعة”. وهذا ما يجعل الوعي النقدي شرطاً أساسياً للتفكير الحر: ليس وعياً بالمغالطات فحسب، بل وقدرة على تمييز الآليات التي تصنعها وتُعمّمها.

2) المستوى الاول من التوتر فيما يتعلق بالخطابة:

الخطابة بين الحقيقة والزيف: 

أرسطو: الخطابة كفن عقلي للإقناع

تعتبر الخطابة عند أرسطو (384-322 ق.م) قوةً تنطوي على إقناع الجمهور عبر وسائل منطقية وأخلاقية ونفسية. حدد أركانها في: الخطيب، المخاطب، والخطاب، وشدد على أن الإقناع الفعال يتطلب من الخطيب:

– فضيلة أخلاقية.

– قدرة على بناء حجج منطقية.

– فهم عميق لحالة المخاطب النفسية.

كما أسس أرسطو المنطق الأرسطي (الأورغانون) كأداة لتمييز الحقيقة من الزيف، وواجه في كتابه “الدحوضات السفسطائية” المغالطات الخطابية، مقدماً أدوات للكشف عن التباس السفسطائيين وزيف حججهم.

ب) أفلاطون: نقد الخطابة كمهنة زائفة

في محاورة “غورجياس”، هاجم أفلاطون الخطابة باعتبارها فنَّ استمالة الجماهير عبر “ظاهر الحق” دون الاهتمام بالحقيقة الجوهرية. واعتبر أن الخطابة السفسطائية أداة للوصول إلى السلطة وتحريف الناس عن الحياة الخيّرة، ودعا إلى استبدالها بالمنهج “الجدلي (الديالكتيك)” القائم على فهم النفس الإنسانية وتحري الحقيقة.

ج) السفسطائيون: الخطابة كفن نسبي وإرادة قوة

دافع السفسطائيون مثل “بروتاغوراس” (“الإنسان مقياس كل شيء”) عن النسبية الخطابية، معتبرين الخطابة وسيلة للتعبير عن تعدد وجهات النظر. في العصر الحديث، أعاد **نيتشه** في كتابه “إرادة القوة” الاعتبار للسفسطائيين، واعتبرهم “قلباً للأفلاطونية” وتأكيداً على إرادة القوة في الخطاب. كما وصفهم “هيغل” بأنهم “فلاسفة أنوار أثينا”.

د) الخطابة الجديدة: نحو حجاج حضاري متعدد

في القرن العشرين، أسس “بيرلمان وتيتيكا” “الخطابة الجديدة” في كتابهما “”رسالة في الحجاج””، داعيين إلى خطابة قائمة على “الحوار والتعدد بدلاً من الإقصاء”. تهدف هذه المدرسة إلى تحقيق الاتفاق بين العقول عبر الاعتراف بشرعية الاختلاف، والانتقال من منطق “الصواب والخطأ” الثنائي إلى منطق “التعدد والتنوع “.

ظلت الخطابة مجال توتر بين: المغالطة والزيف كما هاجمها أفلاطون.

والإقناع المنطقي كما نظّر لها أرسطو او النسبية والتعدد كما دافع عنها السفسطائيون والخطابة الجديدة. تبقى الخطابة “فناً متوترا” يتراوح بين سعيها إلى “الحقيقة” وقدرتها على “تزييف الوعي”، بين “إرادة الإقناع” و”إرادة الحوار”

3) المستوى الثاني من التوتر فيما يتعلق بالمشاكل:

أ- يقول جيل دولوز:

“ليس الخطأ والصواب شأن الحلول بل إنهما يشيران أولا وأساسا في المشاكل. إذ يكون لحل ما دائما الحقيقة التي يستحقها حسب المشكل الذي أجاب عنه. ويكون للمشكل الحل الذي يستحقه حسب الحقيقة والخطأ اللذين يخصانه، أي بحسب معناه.”

إن الحلول مؤشرات على المشاكل فالصواب والخطأ لا يتعلقان بالحلول بل بالمشاكل. يمكن ان تكون المشكلة ليست في الحل بل في المشكل، والزيف والحقيقة ليسا في الحلول بل في المشاكل. 

الحلول كمؤشرات: الحل ليس نقطة النهاية، بل هو عَرَض أو علامة تدل على نوعية المشكل المختبئ خلفه
موضع الصواب والخطأ: الخطأ ليس في “عدم دقة” الحل الرياضي مثلًا، بل في انتماء هذا الحل لمشكل لا يستحقه، أو في وجود مشكل زائف من الأساس.

هنا يستبعد دولوز الرؤية العفوية التي لا تتعدى الحلول في تحديد الصواب والخطا اي هناك رؤية ساذجة لا تتعدى الحل لكن الرؤية الفلسفية هذه الحلول تكون منطلقا للتفكير في حقيقة او خطا المشكل

الحلول كنقطة انطلاق فلسفي: الفيلسوف الحقيقي ينطلق من الحلول المتداولة ليسأل: “أي مشكل حقيقي يمكن أن يكون هذا الحل ‘حلاً’ له؟” أو “أي مشكل زائف يختبئ وراء هذا السؤال الشائع وحلوله الظاهرة؟”.

وبالتالي التناقض بين الرؤية العفوية والرؤية الفلسفية:

الرؤية العفوية (الساذجة) تقوم على التركيز على الحل من خلال السؤال: “هل هذا الحل صحيح أم خاطئ؟” ففي المثال الاجتماعي المتعلق بالبطالة مثلا . الحل السريع: “توفير فرص عمل”.

في حين الرؤية الفلسفية (الدولوزية) تقوم بالتركيز على المشكل فيكون السؤال: “أي عالَم من المعنى (أي مشكل) يجعل هذا الحل ممكنًا وذا معنى؟”

ففي المثال الاجتماعي المتعلق بالبطالة لا تقتصر على الحل كما هو الشان في التصور العفوي بل يتم  التحول إلى المشكل: “ما هي طبيعة الاقتصاد، وتوزيع الثروة، وقيمة العمل في مجتمعنا، التي تنتج ‘البطالة’ كظاهرة؟”. الحل هنا قد يكون إعادة هيكلة اقتصادية أو تغيير مفهوم “العمل” نفسه.

ب- لذلك يمكن القول هذا ما تعنيه فعلا هذه العبارة المشهورة “إن المشكلات الكبرى الحقيقية لا تُطرح إلا إذا تم حلها كما قال برغسون

تُجسِّد قصة اكتشاف علاج مرض “الأسقربوط”لدى البحارة مقولة الفيلسوف هنري برغسون الشهيرة. فطوال قرون، ظل المرض الغامض الذي أنهك أجساد البحارة وأودى بحياتهم يُعتبر لغزاً مخيفاً، يطرح نفسه كسؤال مُلح عن سبب “اللعنة” التي تصيب السفن الطويلة. لكن هذا السؤال – رغم إلحاحه – كان سطحيًا وزائفًا، لأنه لم يتجاوز مستوى الظاهرة المرئية.  

التحول الحاسم بدأ عندما لاحظ بعض الملاحين، من خلال التجربة العملية، أن تناول “الحمضيات” أو بعض الأطعمة الطازجة يُخفف من أعراض المرض بل ويُشفيه. هذا “الحل الجزئي” – رغم بدائيته وعدم فهم أسبابه العلمية – هو الذي فتح الباب أمام “إعادة طرح المشكلة نفسها”، ولكن هذه المرة بشكل أعمق: لماذا تُشفي هذه الأطعمة بالذات؟ ما المادة الموجودة فيها والتي يحتاجها الجسد؟ وهكذا، فإن “”الحل” العملي (الليمون) هو الذي كشف النقاب عن “المشكلة الحقيقية” التي كانت خفيةً طوال الوقت: “نقص عنصر غذائي أساسي في الجسم”.  

لذا، فإن المشكلة الكبرى الحقيقية – وهي “دور المغذيات الدقيقة والفيتامينات في صحة الإنسان” – لم تُطرح كسؤال علمي واضح وقابل للبحث إلا “بعد أن كانت حلولها الجزئية قد وُجدت مسبقاً على الأرض”. بكلمات برغسون، كان على الإنسانية أن”تحل” المشكلة عملياً (بإعطاء الليمون) قبل أن تتمكن حتى من “طرحها” (كمشكلة نقص فيتامين C). وهكذا نرى كيف أن الحل يسبق السؤال الحقيقي، ويكون شرطاً لظهوره.

ج- وفي نفس هذا السياق يتنزل ايضا قول ماركس: إن الإنسانية لا تطرح من المشكلات إلا ما هي قادرة على حله 

هذه العبارة لا تعني أن البشر يطرحون فقط المشاكل السهلة، بل العكس تمامًا. فالإنسانية لا تجلس في غرفة وتفكر: “يا ترى ما هي المشاكل التي يجب أن نحلها؟”. أي ان المشاكل ليست عشوائية: لا تظهر المشاكل التاريخية أو الاجتماعية الكبرى بمحض الصدفة. بل هناك الشرط المادي حيث تظهر المشكلة فقط عندما تكون الشروط المادية والاجتماعية والتقنية لحلها قد بدأت تتشكل. وهناك القدرة التي تخلق المشكلة ذلك ان البشر لا يطرحون مشكلة مستحيلة الحل، بل القدرة على الحل هي التي تدفعهم لطرح المشكلة في المقام الأول.

مثال توضيحي من الثورة الصناعية: قبل القرن الثامن عشر، لم تكن هناك مشكلة استغلال العمال في المصانع كمشكلة تاريخية كبرى. لماذا؟ لأن النظام الصناعي والطبقة العاملة (البروليتاريا) لم تكونا قد وُجدا بعد. عندما ظهرت المصانع والطبقة العاملة (الشروط المادية)، ظهرت القدرة على تنظيم العمال والمطالبة بحقوقهم. هنا طُرحت المشكلة كسؤال كبير: “كيف ننظم العمل؟ ما هي حقوق العمال؟ ما هو النظام الاقتصادي العادل؟” القدرة على الحل( وجود العمال، النقابات، الأفكار الاشتراكية) هي التي جعلت طرح المشكلة ممكناً.

بشكل عام، المشاكل لا تأتي من فراغ، بل تتشكل من حقل الحلول الممكنة ( دولوز) و حركة الحياة والتجربة الحيوية (برغسون) و التناقضات المادية والطبقات ( ماركس)

ختاما، التفكير الحقيقي يبدأ عندما نُحرّر أنفسنا من وهم أن الحقيقة جاهزة، والخطاب محايد، والعقل بريء.

– فـ المشكل الحقيقي – كما يراه دولوز – ليس سؤالًا ينتظر إجابة، بل هو فضاء نقدي نعيد فيه بناء علاقتنا بالواقع، ونفهم أن الحلول ليست نهاية، بل مؤشرات على جودة السؤال نفسه.

– أما الخطابة، فهي الوجه الآخر للمشكل: فن إما أن يُستخدم كأداة لـ تكريس المغالطة والاستبداد بالرأي، أو أن يتحول – كما في الخطابة الجديدة – إلى حجاج و حوار يُقرُّ بالتعدد ويعترف بالاختلاف.

– وفي قلب هذا كله يقف العقل في حالة توتر دائم: بين كونه أداة للتحرير والكشف، وكونه أداة للتضليل والهيمنة، خاصة عندما يتحول إلى عقل أداتي يجرد الإنسان من إنسانيته.

لا وجود لتفكير حر دون وعي بالمغالطات ، ولا وجود لمشكل حقيقي دون استعداد لـ إعادة طرح السؤال، ولا وجود لخطابة نبيلة دون التخلي عن إرادة الإقناع الأحادي.  

بهذا يصبح الوعي بالمغالطات مقتضى من مقتضيات التفكير حيث يكون السؤال عن  المشكل ممارسة للنقد من اجل التمييز بين الزائف والحقيقي ، والتفكير في الخطابة كشفا عما يعتمل فيها اشكال هيمنة وتحرر في آن. 

احمد الكافي يوسفي: باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى