حين يبلغ العقل حدوده: كانط ودرب العلم الآمن
مراجعة نقدية لرحلة العقل من التخبط الميتافيزيقي إلى يقين المنهج العلمي: قراءة في فلسفة إيمانويل كانط.

على سبيل التقديم :
لا يتحدّث كانط، في تصدير الطبعة الثانية من نقد العقل الخالص، عن «درب العلم الآمن» بوصفه استعارة لغوية عابرة، بل باعتباره مقياسًا حاسمًا للتمييز بين معرفةٍ تستحق اسم العلم، وأخرى لا تتجاوز مقام الظنّ والرأي والتخمين. فالعلم، عنده، ليس تراكمًا للأفكار، ولا تتابعًا للاعتقادات، بل هو مسار صارم للفكر، طريقٌ منضبط، واضح المعالم، يضمن اليقين لا الإقناع، والثبات لا التقلّب.
إنّ ما يدفع العقل، في نظر كانط، إلى طرح السؤال عن نفسه وعن معارفه، ليس مجرّد حبّ التأمّل، بل حالة أعمق وأخطر: التخبّط. التخبّط الذي يظهر حينما تتكاثر الأحكام دون معيار، وتتوالد الأسئلة دون قدرة على الحسم، وحين يصبح العقل عرضة للتناقض مع ذاته، فيثبت الشيء ونقيضه، ويدّعي البرهنة حيث لا برهان، ويطمح إلى معرفة ما يعجز، من حيث بنيته، عن معرفته. عند هذه النقطة، لا يعود الشكّ فضيلة منهجية، بل يتحوّل إلى علامة أزمة.
هنا بالذات يبرز سؤال «الدرب»: أيّ طريق سلكها العقل؟ وهل هي طريق العلم، أم مجرّد مسالك ملتوية للرأي والهوى؟
فالعقل، ما دام يسير في الظلام، يظلّ في حاجة إلى الإصغاء، لا إلى صوتٍ واحد، بل إلى أصوات المختلفين، تمامًا كما قال ابن رشد: «لا بدّ مع ذلك أن يسمع الإنسان أقاويل المختلفين في كلّ شيء يفحص عنه، إن كان يجب أن يكون من أهل الحق». غير أنّ هذا السماع، عند كانط، ليس انفتاحًا بلا حدود، ولا تشتّتًا بين المذاهب، بل لحظة نقدية، يُمتحَن فيها العقل في قدرته على تمييز الطريق السليم من الطرق الزائفة.
إنّ الفرق الجوهري بين المعرفة التي تسلك درب العلم الآمن، وتلك التي لا تسلكه، يكمن في علاقة الذات بموضوعها. فحين يتوه العقل في الميتافيزيقا التقليدية، يظنّ أنّه قادر على إدراك الأشياء في ذاتها، وأنّ بإمكانه تجاوز حدود التجربة ليحكم في الله، والنفس، والعالم حكمًا برهانيًا. لكنّ هذه الجرأة غير المشروعة هي التي قادته، عبر تاريخ طويل، إلى النزاعات العقيمة، وإلى أسئلة تتكرّر دون جواب، وإلى بناء أنساق متعارضة يدّعي كلٌّ منها اليقين.
من هنا كان تشخيص كانط صارمًا: ليست المشكلة في نقص الذكاء، بل في غياب المنهج. فالميتافيزيقا، قبل النقد، كانت تمشي بلا بوصلة، تقاتل في ميدان لا تعرف حدوده، وتستعمل مفاهيمها خارج شروط إمكانها. ولهذا لم تستطع، على خلاف الرياضيات والفيزياء، أن تدخل طريق العلم الآمن، أي الطريق الذي يضمن التقدّم، ويجعل الخطأ استثناءً لا قاعدة.
ودرب العلم الآمن، إذن، ليس طريقًا ممهّدًا سلفًا، بل هو ثمرة ثورة في طريقة التفكير: أن يتوقّف العقل عن سؤال الأشياء عمّا هي في ذاتها، وأن يبدأ بسؤال نفسه عن شروط إمكان معرفتها. أن يكفّ عن التوسّع غير المشروع، وأن يقبل بحدوده لا بوصفها عجزًا، بل شرطًا لإمكان اليقين.
وهنا يلتقي كانط، على نحوٍ عميق، مع ذلك المبدأ الرشديّ القائل بأنّ الحقّ لا يُنال بالفوضى، ولا بالتسرّع، ولا بمجاراة الأهواء، بل بالتمييز، والفصل، وإعطاء كلّ مجالٍ حقّه. فكما أنّ ابن رشد رأى أنّ اختلاط الخطابات يفسد الحقيقة، رأى كانط أنّ اختلاط مجالات العقل يدمّر العلم.
إنّ السؤال عن «درب العلم الآمن» ليس، في النهاية، سؤالًا تاريخيًا عن مصير الميتافيزيقا، بل هو سؤال دائم يلاحق كلّ معرفة:
هل نسير على طريقٍ يتيح لنا التقدّم بثبات؟
أم أنّنا نعيد، في كلّ مرة، الدوران في الحلقة نفسها، نطرح الأسئلة ذاتها، ونقع في التخبط ذاته، ونسمّي ذلك تفلسفًا؟
يذهب كانط، بعد أن طرح سؤال «درب العلم الآمن»، إلى التمييز بين العلوم التي نجحت في سلوك هذا الدرب، وتلك التي ظلّت تتعثّر خارجه. ولم يكن اختياره للمنطق، في مقدّمة هذه العلوم، اختيارًا اعتباطيًا، بل لأنّ المنطق يمثّل الشرط الصوري لكلّ معرفة ممكنة، أي المدخل الضروري للعلوم جميعًا، وفي الآن نفسه علمًا مكتفيًا بذاته، لا يستمدّ يقينه من الخارج.
فالمنطق، كما يفهمه كانط، هو العلم الوحيد الذي لم يحتج، منذ تأسيسه الأرسطي، إلى أن يغيّر طريقته أو يعيد النظر في مبادئه الأساسية. ذلك أنّه لا يدين في نجاحه إلا لخاصيّة واحدة حاسمة: نزوعه الصارم إلى التحديد ورسم الحدود. فالمنطق لا يتوسّع حيث لا يحقّ له التوسّع، ولا يغامر في ميدان الموضوعات، بل يظلّ وفيًّا لمجاله الخاص: مجال الفكر من حيث هو فكر، لا من حيث ما يفكّر فيه.
لهذا لا ينشغل المنطق، عند كانط، بمعرفةٍ بعينها، ولا بمضمون معيّن من مضامين الواقع، وإنّما يكتفي بتنظيم ما يجري في مستوى الذهن ذاته. إنّه علم بالشكل، لا بالمادّة؛ بقوانين التفكير، لا بالأشياء التي تُفكَّر. ومن هنا سرّ قوّته وثباته: فحين يعنى العقل بالموضوعات الخارجية، يتيه، ويتجاوز حدوده، ويقع في الوهم؛ أمّا حين يلتفت إلى نفسه، وينظّم عملياته وفق قواعد صورية ثابتة، فإنّه يسير على أرض صلبة ، فالمنطق لا يدين يالنجاح الدي احرزه الا على اقتصاره الذي بؤهله .
إنّ قوانين المنطق، من قبيل مبدأ الهوية وعدم التناقض والثالث المرفوع، ليست مستمدّة من التجربة، ولا قابلة للتغيّر بتغيّر الأزمنة والموضوعات، لأنّها لا تصف ما هو كائن، بل تحدّد كيف يجب أن يكون التفكير ليكون تفكيرًا صحيحًا. ولهذا ظلّ المنطق، في نظر كانط، علمًا مكتملًا منذ أرسطو، لا يعرف تقدّمًا ولا تراجعًا، لأنّه لا يضيف معارف جديدة، بل يضبط إمكان المعرفة ذاتها.
وحين يعرف المنطق الإنسان، يُعرفه تعريفًا ماهويًا، هو تعريف يحدد الجوهر الذي يجعل الإنسان ما هو عليه، لا وصفًا لحياته اليومية أو لحالاته النفسية. ويُعرّف الإنسان بأنه حيوان ناطق، حيث يشير لفظ حيوان إلى الجنس القريب، أي ما يشترك فيه الإنسان مع سائر الكائنات الحية الحسّية من التغذية والنمو والإحساس والحركة. أما لفظ ناطق فيدل على الفصل المميّز الذي يميّز الإنسان عن باقي الحيوانات، وهو القدرة على العقل واللوغوس، أي القدرة على التفكير، وإدراك الكلّيات، وبناء القياسات والاستدلالات المنطقية. ومن هذا المنظور، يكون تعريف الإنسان تعريفًا صوريًا ثابتًا، يركّز على ما يجعل التفكير البشري ممكنًا، دون الانخراط في ما هو عابر أو متغيّر فيه من أهواء أو مشاعر.
وهنا تتجلّى المفارقة الكانطية: إنّ المنطق ينجح لأنّه يمتنع عن المعرفة الموضوعية، ويظلّ في مستوى الصورية الخالصة. فكلّما حاول العقل أن يجعل من المنطق علمًا بالموضوعات، أو أن يحمّله ما لا يحتمل، فقده طابعه العلمي. ولهذا ظلّ المنطق نموذجًا للعلم الآمن: علم يعرف حدوده، ويحترمها، فلا يسقط في الأوهام التي سقطت فيها الميتافيزيقا.
ومن هذا المنطلق، لا يصبح المنطق عند كانط مجرّد علم من بين علوم أخرى، بل معيارًا سلبيًا للعلم: يعلّمنا لا ما نعرفه، بل كيف لا نخطئ في التفكير. إنّه يضع الشروط الصورية لكلّ معرفة ممكنة، دون أن يدّعي لنفسه امتلاك أيّ مضمون معرفي عن العالم.
وهكذا، فإنّ نجاح المنطق في سلوك درب العلم الآمن لم يكن نتيجة اتّساعه، بل نتيجة انضباطه؛ لم يكن بسبب اقترابه من الأشياء، بل بسبب احتفاظه بمسافة نقدية منها. وفي هذا المعنى العميق، يقدّم كانط المنطق لا كنموذج للمعرفة فحسب، بل كدرسٍ للعقل نفسه :
أنّ اليقين لا يُنال بالتجاوز، بل باحترام الحدود.
ثاني العلوم التي يتوقّف عندها كانط، بعد المنطق، هي الرياضيات. غير أنّ وصول هذا العلم إلى درب العلم الآمن لم يكن، في نظره، أمرًا بديهيًا ولا معطًى جاهزًا منذ البداية، بل كان ثمرة تحوّل جذري في طريقة التفكير الرياضي نفسها. فقد عرفت الرياضيات، في أطوارها الأولى، كثيرًا من التردّد والتخبّط، وكان ذلك مرتبطًا بطبيعة الغايات التي وُظِّفت من أجلها.
فالرياضيات عند المصريين القدماء لم تُنشأ بدافع نظري خالص، ولا بوصفها معرفة لذاتها، بل وُلدت في أحضان الضرورة العملية: قياس الأراضي بعد فيضان النيل، تشييد المعابد، تنظيم الجباية، وضبط الأشغال الهندسية. كانت، بهذا المعنى، تقنية نافعة أكثر منها علمًا برهانيًا. ولمّا كانت خاضعة لمطالب الواقع العملي، ظلّت أسيرة الجزئي، مرتبطة بالحالات المفردة، عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى الكلّي والضروري، وهو ما جعلها عرضة للتذبذب وعدم الاستقرار.
على النقيض من ذلك، مثّل التحوّل اليوناني قطيعة حاسمة مع هذا الأفق النفعي. فقد تعامل اليونان مع الرياضيات بوصفها معرفة نظرية خالصة، مستقلة عن الحاجات العملية، ومتحرّرة من الإكراهات الخارجية. ولم يعد السؤال: ماذا تنفعنا الرياضيات؟ بل: ما الذي يمكن للعقل أن يبرهن عليه انطلاقًا من ذاته؟
ويُجسّد طاليس هذا التحوّل تمثيلًا دالًّا. فبفضله لم يعد الشكل الهندسي مجرّد رسم محسوس، بل أصبح موضوعًا للتفكير القبلي. لقد تجاوز طاليس المثلث كهيئة مرئية ليُفكّر فيه بوصفه بنية عقلية، يُستنبط منها ما لا يُعطى في الحس مباشرة. وهكذا وُلد البرهان الرياضي، لا بوصفه وصفًا لما هو قائم، بل بوصفه إنشاءً عقليًا للموضوع.
ومن هنا يحدّد كانط جوهر الرياضيات: إنّها علم يقوم على الاستنباط العقلي الخالص. فالرياضيات لا تستمدّ قضاياها من التجربة، ولا تنتقل من ملاحظة واقعة إلى تعميم احتمالي، بل تنطلق من مقدمات نظرية، وتستنبط منها نتائج نظرية بالضرورة. ففي المعادلة الرياضية، على سبيل المثال، لا نغادر أبدًا مستوى الفكر إلى الواقع، بل نظلّ داخل نسق من العلاقات العقلية الصورية التي ينتج بعضها عن بعض وفق قواعد صارمة.
لهذا استطاعت الرياضيات أن تسلك درب العلم الآمن: لأنّها معرفة قبلية. والقبلية هنا لا تعني ما يسبق التجربة زمنيًا أو كرونولوجيًا، كما هو الحال في الفطري، بل تعني ما يسبقها من حيث الشرط والإمكان. فالقبلي ليس معطًى وراثيًا أو جينيًا، ولا يشير إلى استعداد بيولوجي جاهز، وإنّما ينتمي إلى الحقل المعرفي الخالص، أي إلى ما يوجد في الذهن بوصفه شرطًا لإمكان كلّ تجربة ممكنة.
فالزمان والمكان، مثلًا، ليسا مستخلصين من التجربة، بل هما الإطاران القبليان اللذان لا يمكن لأيّ تجربة أن تتشكّل بدونهما. ومن دون هذا العنصر القبلي، لا تكون التجربة ممكنة أصلًا، لأنّها لا تجد ما تنتظم فيه. وهنا يتبيّن الفرق الجوهري بين القبلي والفطري: فالفطري يدلّ على أسبقية بالفعل، أسبقية زمنية مرتبطة بالطبيعة والوراثة، أمّا القبلي فيدلّ على أسبقية بالقوّة، أسبقية منطقية ومعرفية، تجعل المعرفة ممكنة دون أن تكون مكتسبة من الواقع.
وفي مقابل القبلي، يضع كانط البعدي، وهو كلّ معرفة تأتي من التجربة، وتتوقّف عليها، وتظلّ رهينة لما هو معطى في الحس. هذه المعرفة، مهما بلغت من الدقّة، لا يمكن أن تبلغ مستوى الضرورة والكلّية اللتين تميّزان الرياضيات.
هكذا نفهم لماذا أصبحت الرياضيات، في نظر كانط، نموذجًا للعلم اليقيني: لأنّها لم تعد تلاحق الواقع، بل جعلت من العقل نفسه مصدرًا للضرورة. إنّها معرفة لا تسأل الأشياء عمّا هي، بل تُنشئ موضوعها وفق شروط العقل، ولذلك استطاعت أن تحقّق ما عجزت عنه الميتافيزيقا: يقينًا يتقدّم بثبات، دون تخبّط أو تراجع.
لم تكن الفيزياء، شأنها شأن الرياضيات، قد سلكت منذ البداية درب العلم الآمن. بل إنّها عرفت، هي الأخرى، فترات طويلة من التخبّط، ويكفي أن نستحضر الفيزياء الأرسطية بمفاهيمها عن الحركة والطبيعة والعلل لنفهم حجم هذا الاضطراب. فقد كانت فيزياء أرسطو تأمّلية في جوهرها، تنطلق من ملاحظات عامّة ومن تصوّرات ميتافيزيقية عن الغايات والطبائع، أكثر ممّا تنطلق من قوانين دقيقة قابلة للقياس والاختبار. ولهذا ظلّ تفسير الظواهر الطبيعية رهين تصوّرات كيفيّة، لا ترقى إلى مستوى الضرورة والكلّية.
غير أنّ التحوّل الحاسم في مسار الفيزياء لم يكن مجرّد تراكم للملاحظات التجريبية، بل ثورة في طريقة طرح السؤال على الطبيعة. وهنا يؤكّد كانط أنّ الفيزياء لا تتأسّس، في معناها العلمي، على مبادئ إمبيريقية خالصة، لأنّ التجربة وحدها لا تنتج علمًا، بل توفّر مادّة خامًا لا معنى لها ما لم تُنظَّم بواسطة العقل. فالعقل، كما يقول كانط في عبارة دالّة، «لا يرى إلا ما يولّده وفقًا لخطّته»
قبل فرانسيس بيكون، كان عالم الطبيعة يلاحظ الظواهر، يتأمّلها، ويجري بعض التجارب المعزولة، منتظرًا أن تكشف له الطبيعة عن أسرارها من تلقاء ذاتها. كان موقفه أقرب إلى المتلقّي السلبي، يكتفي بتجميع الوقائع. لكن مع بيكون، وبروز فكرة المنهج الاستقرائي، بدأ يتشكّل وعي جديد مفاده أنّ المعرفة العلمية لا تقوم على التأمّل وحده، بل على إخضاع الطبيعة لمنهج منظّم. ومع ذلك، فإنّ الاستقراء البيكوني، على أهمّيته، ظلّ في نظر كانط غير كافٍ لتأسيس الضرورة العلمية، لأنّه يبقى مرتبطًا بما هو جزئي واحتمالي.
التحوّل الحقيقي، كما يراه كانط، يتمّ حين يصبح العالم هو من يسأل الطبيعة، ويجبرها على الجواب وفق أسئلة محدّدة سلفًا. لم تعد الطبيعة هي التي تملي قوانينها على العقل، بل صار العقل يفرض عليها أطره القبلية، ويطلب منها أن تستجيب ضمنها. وهكذا لم تعد التجربة مجرّد ملاحظة، بل صارت تجربة مُنشأة، موجّهة، خاضعة لخطة عقلية مسبقة.
من هنا يتّضح أنّ الفيزياء الحديثة تقوم على تلاقي بُعدين:
البعد القبلي: المتمثّل في مفاهيم العقل الخالص كالمقدار، والسببية، والضرورة،
والبعد الإمبيريقي: المتمثّل في المعطيات الحسية التي تُدرج داخل هذه الأطر.
فنحن لا «نكتشف» القوانين في الطبيعة كما لو كانت مكتوبة فيها، بل نُنشئها من خلال العقل ثم نختبرها في التجربة. ولهذا لا يرى كانط في قوانين نيوتن مجرّد تعميمات تجريبية ناجحة، بل نموذجًا لما يجب أن تكون عليه المعرفة العلمية: قوانين كونية وضرورية، صالحة لكلّ زمان ومكان، لا لأنّ التجربة أكّدتها مرارًا، بل لأنّ العقل هو الذي وضع شروط إمكانها.
لقد أثّرت فيزياء نيوتن تأثيرًا بالغًا في كانط، لأنّها جسّدت، في مجال الطبيعة، فكرة القانون بالمعنى الصارم: قانون لا يتغيّر بتغيّر الوقائع، بل يحكمها. ومن هنا طموح كانط إلى تعميم هذا النموذج: إذا أمكن للعقل أن يشرّع للطبيعة، فلماذا لا يشرّع أيضًا للأخلاق، وللحكم الجمالي، ولغيرهما من مجالات المعرفة؟
وهكذا سعى كانط إلى تحقيق فكرة القانون في كلّ الميادين:
في الأخلاق، عبر قانون عقلي قبلي هو الأمر المطلق،
وفي الجمال، عبر حكم ذوقيّ يتأسّس على كليّة ذاتية،
وفي المعرفة، عبر مبادئ قبلية تنظّم التجربة.
إنّ الفيزياء الحديثة، في منظور كانط، لم تنجح لأنّها اقتربت أكثر من الطبيعة، بل لأنّها أدركت أنّ الطبيعة لا تُفهم إلا بقدر ما تُخضع للعقل. وبهذا المعنى، لم يكن دخول الفيزياء درب العلم الآمن إلا نتيجة لانقلاب جذري في العلاقة بين الذات والموضوع: لم يعد العقل تابعًا للطبيعة، بل أصبحت الطبيعة خاضعة لقوانين العقل.
يتّضح لنا، من خلال تتبّع مسار الرياضيات والفيزياء، أنّ تقدّمهما لم يكن نتيجة وفرة في الموضوعات ولا غنى في التجربة، بل ثمرة تحوّل في طريقة التفكير ذاتها. فالرياضيات لم تصبح علمًا يقينيًا إلا حين كفّت عن الارتباط بالحاجة العملية، واعتمدت الاستنباط القبلي الخالص. والفيزياء لم تدخل درب العلم الآمن إلا حين انتقلت من التأمّل السلبي للطبيعة إلى إخضاعها لأسئلة العقل وقوانينه القبلية. في الحالتين، لم يتقدّم العلم إلا عندما تخلّى العقل عن الارتهان للموضوع، وبدأ يشتغل وفق خطة منهجية صارمة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:
إذا كانت الرياضيات والفيزياء قد نجحتا في سلوك درب العلم الآمن بفضل ثورة في طريقة التفكير، فما شأن أقدم المعارف العقلية وأشدّها طموحًا: الميتافيزيقا؟
الميتافيزيقا، بخلاف الرياضيات والفيزياء، لم تعرف عبر تاريخها تقدّمًا ثابتًا ولا إجماعًا متراكبًا، بل ظلّت مجالًا للنزاعات التي لا تنتهي، حيث يؤكّد كلّ نسق ما ينفيه نسق آخر، دون أن يملك أيّ طرف معيارًا حاسمًا للفصل. فهي، في نظر كانط، علمٌ عجيب: أقدم من جميع العلوم، وأكثرها ادّعاءً للعقل الخالص، ومع ذلك أعجزها عن بلوغ اليقين.
والسبب في هذا الفشل لا يعود، عند كانط، إلى فقر في الموضوع، ولا إلى ضعف في ملكة العقل، بل إلى طريقة التفكير التي سلكتها الميتافيزيقا. فقد تصرّف العقل الميتافيزيقي كما لو أنّه قادر، بقوّته الخاصة، على تجاوز حدود التجربة والحكم في أشياء لا يمكن أن تُعطى في أيّ حدس حسّي: الله، النفس، العالم بوصفه كلًّا. وهنا وقع العقل في الوهم، إذ استعمل مفاهيمه القبلية استعمالًا يتجاوز مجال مشروعيتها.
فالميتافيزيقا، بخلاف الرياضيات، لا تُنشئ موضوعها في الحدس، وبخلاف الفيزياء، لا تختبر قوانينها في التجربة. إنّها تحاول أن تعرف موضوعات لا يمكن أن تكون موضوعًا للمعرفة أصلاً. ومن هنا كان تخبّطها: فهي تستعمل مقولات الفهم، كالعليّة والوحدة والضرورة، استعمالًا متعاليًا، أي خارج نطاق التجربة، فتقع في تناقضات لا سبيل إلى حلّها.
لهذا يرى كانط أنّ الميتافيزيقا، إلى حدود عصره، لم تسلك درب العلم الآمن، لأنّها لم تخضع بعدُ لنقد العقل ذاته. فهي افترضت منذ البداية أنّ العقل قادر على معرفة الأشياء كما هي في ذاتها، ولم تسأل نفسها عن شروط إمكان هذه المعرفة. بعكس الرياضيات والفيزياء، اللتين راجعتا مناهجهما، ظلّت الميتافيزيقا أسيرة وهمٍ قديم: وهم المعرفة المطلقة.
ومن هنا يطرح كانط مهمّته الأساسية:
إذا كانت الميتافيزيقا علمًا ضروريًا بحكم طبيعة العقل، لكنها فشلت بحكم منهجها، فإنّ الحلّ لا يكون في إلغائها ولا في الاستسلام لها، بل في إعادة تأسيسها على نحو نقدي. أي في السؤال، لا عمّا يوجد وراء التجربة، بل عمّا يجعل التجربة نفسها ممكنة، وعمّا يحقّ للعقل أن يعرفه، وعمّا يجب عليه أن يمتنع عنه.
هكذا تتحوّل الميتافيزيقا، في المشروع الكانطي، من علم يدّعي معرفة المطلق، إلى نقد للعقل الخالص، أي إلى محكمة يفصل فيها العقل في حقوقه وحدوده. فإمّا أن تخضع الميتافيزيقا لهذه الثورة المنهجية، كما خضعت الرياضيات والفيزياء من قبل، وإمّا أن تظلّ حبيسة الجدل العقيم، عاجزة عن دخول درب العلم الآمن.
ومن هنا نفهم أنّ سؤال كانط ليس: هل الميتافيزيقا ممكنة؟
بل: كيف تكون الميتافيزيقا ممكنة بوصفها علمًا؟
الحلّ الذي يقترحه كانط يتمثّل في الفصل الصارم بين مستويين للوجود والمعرفة:
بين الفينومين (الظاهرة) والنومين (الشيء في ذاته).
فالفينومين هو ما يظهر لنا، ما يُعطى في التجربة، بعد أن يكون قد خضع لأطر الحساسية القبلية (الزمان والمكان) و لمقولات الفهم (العلّية، الوحدة، الكثرة، الضرورة…). إنّه الواقع كما يُبنى داخل شروط إمكان المعرفة الإنسانية. هنا فقط يكون العلم ممكنًا، وهنا وحدها تشتغل الرياضيات والفيزياء، وهنا يسلك العقل درب العلم الآمن.
أمّا النومين، أو الشيء في ذاته، فهو ما يوجد بمعزل عن شروط معرفتنا، ما لا تهيكله مقولات الفهم ولا يقع داخل الزمان والمكان. هذا المستوى لا يمكن أن يكون موضوعًا للمعرفة، لا لأنّه غير موجود، بل لأنّ العقل لا يملك أدوات مشروعة للوصول إليه. وكلّما حاول العقل أن يتجاوزه، سقط في الأوهام الميتافيزيقية والتناقضات الجدلية.
بهذا الفصل، لا ينفي كانط الميتافيزيقا من حيث الحاجة، بل ينفيها من حيث الادّعاء المعرفي. فهو لا يقول إنّ الله، أو النفس، أو الحرية أو العالم في ذاته أوهام، بل يقول: لا يمكن معرفتها معرفة علمية. إنّها أفكار عقلية تنظّم التفكير، وتوجّه الفعل، لكنها لا تُعطى في التجربة.
ومن هنا تأتي النتيجة الحاسمة:
حين يُحدَّد مجال المعرفة، يُفتح مجال آخر مختلف في طبيعته، هو مجال الإيمان العملي. فالعقل النظري يُمنَع من الادّعاء، لكن العقل العملي يُستعاد بوصفه مشرِّعًا للأخلاق. إنّ ما لا يمكن معرفته يمكن الإيمان به عقلانيًا، لا بوصفه حقيقة علمية، بل بوصفه شرطًا للمعنى والمسؤولية والواجب.
ولهذا يصرّح كانط بعبارته الشهيرة، التي تختصر كلّ المشروع النقدي، ويقول:
لقد كان عليّ أن أنفي المعرفة، لكي أُفسح المجال للإيمان
(Ich musste also das Wissen aufheben, um zum Glauben Platz zu bekommen)
هذا لا يعني التخلّي عن العقل، بل يعني إنقاذه من نفسه:
نفي ادّعاء المعرفة المتعالية، لا نفي العقل بوصفه قوّة تشريع وحدود. فالعقل، عند كانط، لا يبلغ كماله حين يتجاوز حدوده، بل حين يعرفها ويلتزم بها وهكذا لا يعود الفصل بين النومين والفينومين هروبًا من الميتافيزيقا، بل هو شرط إمكانها الجديد: ميتافيزيقا نقدية، متواضعة، لا تقول أكثر مما يحقّ لها أن تقول، ولكنها، في المقابل، تقول ذلك بصرامة ويقين و اقل دوغمائية .
يوسف آيت السّاهل
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






