التنويريفكر وفلسفة

ابن عربي في زمن الحروب الوجودية: وحدة الوجود كمشروع إنساني يجمع بين الروحانية، الأخلاق الصوفية، والسلام

كيف واجه محيي الدين ابن عربي صراعات العصور الوسطى برؤية صوفية تؤسس للسلام الداخلي والكوني؟

افتتاحية المقالة

في عصر هيمن عليه الانقسام الديني والصراع السياسي، أصبح السؤال عن السلام والعدالة سؤالًا وجوديًا بقدر ما هو سياسي. عاش العالم الإسلامي والغربي في القرون الوسطى تحت ضغط الحروب، النزاعات الطائفية، والتحولات الاجتماعية، ما دفع بعض المفكرين والروحانيين إلى إعادة التفكير في طبيعة السلطة والعنف والوجود الإنساني ذاته. في هذا السياق، يبرز محيي الدين ابن عربي (1165–1240) كرمز للصوفية في القرن الثالث عشر، حيث قدّم نموذجًا فلسفيًا–روحيًا يعيد توجيه السؤال عن السلام من المستويات السياسية المباشرة إلى مستويات وجودية وأخلاقية أعمق.

يقوم مشروع ابن عربي على وحدة الوجود (waḥdat al-wujūd)، التي تنقل الفهم التقليدي للعالم من رؤية الكثرة المتنافرة إلى تصور وجودي يرى كل الكائنات تجليات لحق إلهي واحد. في هذا الإطار، يصبح السلام ليس مجرد غياب صراع أو حكم سياسي، بل تحقيقًا لانسجام وجودي وأخلاقي يترجم المعرفة الروحية إلى فعل حياتي، من خلال مبدأ الافتقار إلى الله (al-iftqār ilā Allāh) وممارسة التخلق بأخلاق أسماء الله وصفاته (al-takhalluq bi-akhlāq Allāh). هذا المشروع يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان، الآخر، والخليقة، ويضع أسسًا لفهم السلام بوصفه ممارسة فلسفية ووجودية تتجاوز الحدود الطائفية والسياسية التقليدية.

بهذا المعنى، تتيح دراسة ابن عربي فهمًا جديدًا لكيفية مقاربة الصوفية لقضايا العنف والاختلاف الديني، ليس فقط كمسألة أخلاقية، بل كتحول عميق في إدراك الإنسان لوجوده ووضعه داخل الكون، حيث يصبح السلام مشروعًا وجوديًا–أخلاقيًا قائمًا على الوحدة الكونية والمعرفة الروحية.

ملامح زمن ابن عربي

وُلِد محيي الدين ابن عربي في الأندلس عام 1165م، خلال فترة تاريخية اتسمت بالاضطراب السياسي والاجتماعي، حيث كانت الممالك المسيحية تتقدم في حركة الاسترداد (Reconquista) ويسيطر النزاع بين الممالك الإسلامية على مصير الأندلس. بلغ هذا التوتر ذروته بسقوط قرطبة عام 1236م، وهو حدث شكل صدمة رمزية للعالم الإسلامي الغربي (Addas, 1993).

خلال هذه الفترة، شهد ابن عربي عدة أحداث عسكرية هامة داخل الأندلس:

  1. سقوط طليطلة (1085م) لم يعشه ابن عربي، لكنه كان جزءًا من السياق التاريخي المتراكم.
  2. حصار قرطبة المتواصل وتصاعد النفوذ المسيحي (القرن الثاني عشر)، وهو ما عاشه ابن عربي في شبابه، إذ كان عمره 20–25 سنة أثناء تصاعد الحروب بين المرابطين والممالك المسيحية.
  3. سقوط قرطبة (1236م)، حيث كان عمر ابن عربي 71 سنة، وقد غادر الأندلس قبل هذا الحدث ليستقر في المشرق، مما جعله يتجنب المواجهات السياسية المباشرة ولكنه عاش آثار هذه الصراعات عن قرب.

بالإضافة إلى الحروب في الأندلس، أدرك ابن عربي الحروب الصليبية في المشرق:

  1. الحرب الصليبية الثالثة (1189–1192م): عمره كان 24–27 سنة.
  2. الحرب الصليبية الرابعة (1202–1204م): عمره كان 37–39 سنة.
  3. الحرب الصليبية الخامسة (1217–1221م): عمره كان 52–56 سنة.

إجمالًا، عاش ابن عربي أكثر من نصف حياته في فترة صراعات متعاقبة، داخل الأندلس وفي المشرق، ما أثر على رؤيته للوجود والانقسام، لكنه تعامل مع هذه الأحداث من منظور فلسفي وصوفي، بعيدًا عن العمل السياسي المباشر.

للتوضيح، يوضح الجدول التالي أهم الأحداث التاريخية والحروب وأعمار ابن عربي عند كل منها:

السنة الميلاديةالحدث التاريخيالموقع/الدولةعمر ابن عربيملاحظات
1165ولادة محيي الدين ابن عربيمرسية، الأندلس0بداية حياة ابن عربي في الأندلس المضطربة
1189بداية الحرب الصليبية الثالثةالمشرق24صراع الصليبيين مع الدولة الأيوبية بقيادة صلاح الدين
1190تصاعد النفوذ المسيحيالأندلس25تصاعد الضغط على الممالك الإسلامية، مثل المرابطين
1192نهاية الحرب الصليبية الثالثةالمشرق27نهاية أول تجربة صراع صليبي مباشر في المشرق خلال حياته
1202بداية الحرب الصليبية الرابعةالمشرق37الحملة الصليبية ضد القسطنطينية والدولة البيزنطية
1204نهاية الحرب الصليبية الرابعةالمشرق39سقوط القسطنطينية، أثر غير مباشر على العالم الإسلامي
1217بداية الحرب الصليبية الخامسةالمشرق52حملة صليبية على مصر والشام
1221نهاية الحرب الصليبية الخامسةالمشرق56نهاية صراع عسكري مباشر مع الصليبيين خلال حياته
1236سقوط قرطبةالأندلس71وقع الحدث بعد هجرة ابن عربي إلى المشرق، لكنه عاش آثار النزاع
1240وفاة ابن عربيدمشق، المشرق75استقرار ابن عربي في المشرق ووفاته بعد حياة مملوءة بالصوفية والفلسفة

بعد انتقاله إلى المشرق، عاش تحت حكم الدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين، وهي فترة اتسمت بالحكم المركزي القوي والصراعات المستمرة مع الصليبيين (Kennedy, 2016). ومع أنه تنقل بين دوائر العلماء والبلاط، ظل مفكرًا ميتافيزيقيًا، حيث اختار معالجة أزمة عصره على مستوى الأنطولوجيا والروحانية بدلاً من المشاركة السياسية المباشرة (Addas, 1993). إن “عدم انخراطه السياسي” لا يعني حياده عن عالم العنف، بل يشير إلى نقله السؤال من إدارة السلطة إلى فهم جذور الصراع على مستوى الوجود ذاته (Chittick, 1989).

الفهم الصوفي للسلام وانعكاساته على الواقع السياسي والاجتماعي

تتجلى استجابة ابن عربي لعالم الانقسام والحرب في رؤيته لوحدة الوجود (waḥdat al-wujūd)، إذ يُفهم العالم بوصفه تجليات متعددة لحقيقة إلهية واحدة، لا ككثرة متنافرة (Chittick, 1989). فالكثرة ليست نقيض الوحدة، بل ظهوراتها المتنوعة، وما يبدو صراعًا على مستوى التاريخ والسياسة هو في العمق انفصال إدراكي عن الحقيقة الإلهية الجامعة (Chodkiewicz, 1993). ومن هذا المنظور، يصبح العنف تعبيرًا عن جهل أنطولوجي وليس مجرد خطأ أخلاقي أو سياسي (Hirtenstein, 1999). يقول ابن عربي في الفتوحات المكية:

“ما من حادثة في العالم إلا وهي علامة على الحق، وما خلاقة إلا تتصرف بحكمة الحق، فمن عرف هذه الحقيقة عرف أنه لا يظلم أحدًا إلا بنفسه” (الفتوحات المكية، الجزء الثاني، باب معرفة أسرار الأسماء).

رغم أنه لم يشارك مباشرة في السياسة أو الحروب، لم تكن رؤيته الصوفية للسلام والوجود منعزلة عن الأحداث التاريخية والاجتماعية التي عاشها. فمبدأ وحدة الوجود ومفهوم الافتقار إلى الله (al-iftqār ilā Allāh) شكّل إطارًا لفهم الانقسامات والصراعات التي شهدتها الأندلس والمشرق. كما يوضح في فصوص الحكم:

“من شهد كونه عين افتقاره إلى الله، لم يعد يرى الظلم في الناس إلا كظلم لنفسه، ولا يرفع يده على أحد إلا بما أمره الحق، فيرحم الجميع” (فصوص الحكم، الباب 42).

من هذا المنظور، يمكن ملاحظة عدة طرق يتفاعل بها الفهم الصوفي للسلام الداخلي والكوني مع الواقع السياسي والاجتماعي:

  • معيار أخلاقي وجودي للحكم على الصراعات: فالعنف يصبح رفضًا للانسجام الكوني وليس مجرد خطأ بشري.
  • تشجيع الرحمة والشراكة داخل الجماعات البشرية، كما يقول ابن عربي:

“أهل الله أهل الصحبة، قلوبهم قلب واحد، فلا يعذب أحدهم صاحبه، بل يسعى لكل خيره بما أمره الحق” (الفتوحات المكية، الجزء الثاني، الباب 180).

  • كشف خطورة الهيمنة والعنف حتى في سياق الحروب والصراعات الطائفية، إذ تجاوز الإنسان لحدود الحق يؤدي إلى انفصال عن الحقيقة الكونية.

بهذا الشكل، تصبح فلسفة ابن عربي أداة لإعادة قراءة الواقع الاجتماعي والسياسي، وتحويل التجربة الفردية للصوفي إلى رؤية نقدية وبنّاءة تساعد المجتمع على التوازن بين الصراع والانسجام، دون الحاجة إلى المشاركة المباشرة في السياسة أو الحروب. ويؤكد هذا أن السلام الداخلي والكوني ليس مجرد حالة شخصية، بل شرط أساسي لأي استقرار اجتماعي وسياسي مستدام.

مبدأ الافتقار إلى الله: أبعاد أنطولوجية وأخلاقية – حقوق الفردانية ومصالح الجماعة

ضمن إطار ميتافيزيقي متماسك، صاغ محيي الدين ابن عربي مفهوم الافتقار إلى الله (al-iftqār ilā Allāh) بوصفه مبدأً أنطولوجيًا وأخلاقيًا في آن واحد (Addas, 1993). يشكّل هذا المفهوم جوهر فلسفته الصوفية، إذ يربط بين وعي الإنسان بوجوده ككائن فقير أمام الحق وبين سلوكه تجاه العالم والآخرين، من خلال المشاركة الواعية في إطار الجماعة والتفاعل مع الخليقة.

1. المستوى الأنطولوجي (Ontology)

تجسد نصوص ابن عربي هذا البعد بوضوح، ففي فصوص الحكم:

“فالعالم محتاج لذاته.. فما رأينا محتاجاً يفتقر إلى محتاج، فإن الافتقار إلى الله هو عين حقيقة العالم، فالعالم في حالة عَدَمِهِ -قبل الوجود- كان محتاجاً، وفي حال وجوده هو محتاج. فهو مفتقر دائماً.. فما خرج العالم عن الافتقار قط.”

وفي الفتوحات المكية:

“كل ما سوى الله معدوم بالحق، وكل قائم إلا بالله زائل بالحق.”

من هذه النصوص يتضح أن:

  • الأنطولوجيا تعني دراسة طبيعة الوجود ذاته.
  • الافتقار إلى الله يكشف عن اعتماد كل كائن على الحق، ويجعل العلاقة بالله جوهرية ووجودية.
  • هذا الافتقار يولّد فردانية صوفية، حيث يُدرك الصوفي أنه يتلقّى وجوده مباشرة من الله، مما يؤسس وعيًا ذاتيًا ومسؤولية روحية تجاه الحقيقة الإلهية.

2. المستوى الأخلاقي (Ethics)

يترجم الفهم الأنطولوجي إلى قاعدة سلوكية توجه تعامل الإنسان مع العالم والآخرين، كما في الفتوحات المكية، باب أسرار الصلاة:

“فإنَّ مَن شَهِدَ كَونَهُ (وجوده) عينَ افتِقارِهِ إلى اللهِ، فمَا لَهُ حُكمٌ في العَالَمِ إلا بحُكمِ مَن أفقَرَهُ، فلا يَتَكَبَّرُ على خَلقِ اللهِ، ولا يَتَعَالَى، بَل يَرَى كُلَّ حَادِثٍ مِثلَهُ في الافتِقَارِ، فَيَرحَمُهُم، ويُشَارِكُهُم، ويَعتَرِفُ بِمَقَامِهِم، فَتَصحَبُهُ الشَّفَقَةُ، وتَكُونُ العِبَادَةُ سَجِيَّتَهُ، ويَذهَبُ عن خُلُقِهِ الهَيمَنَةُ والتَّجَبُّرُ، فَيَعلَمُ أَنَّ الحَقَّ هُوَ الظَّاهِرُ في كُلِّ صورةٍ.”

من هذا النص نستخلص أربعة أبعاد رئيسية:

  1. التواضع: الاعتراف بالافتقار يمنع الكبر والتعالي.
  2. الرحمة والشراكة: الرحمة والمشاركة مع الآخرين نتيجة مباشرة للوعي بالافتقار.
  3. نبذ الهيمنة: الافتقار يلغي التجبر والسيطرة على الآخرين.
  4. الانسجام الوجودي: إدراك أن الحق متجلٍ في كل صورة يعزز رؤية القداسة في كل الكائنات، ويقضي على شرعية العنف.

3. الفردانية والجماعة في ضوء الافتقار

يبرز النص من الفتوحات المكية (الجزء الثاني، الباب 180) العلاقة بين الفردية والجماعة:

“…فَإِنَّ أَهْلَ اللهِ أَهْلُ صُحْبَةٍ، وَلَا بُدَّ لِلصَّاحِبِ مِنَ التَّأَدُّبِ مَعَ صَاحِبِهِ. وَالتَّصَوُّفُ عِنْدَنَا هُوَ حُسْنُ الخُلُقِ، وَلَا يَعْرِفُ حُسْنُ الخُلُقِ إِلَّا بِالمُعَاشَرَةِ. فَجَعَلُوا اِجْتِمَاعَهُمْ لِأَجْلِ اللهِ، لا لِأَجْلِ أَهْوَائِهِمْ، فَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ قَلْبَاً وَاحِدَاً، … وَصَارُوا عِنْدَ اللهِ بِمَنْزِلَةِ الْعُضْوِ الْوَاحِدِ فِي الْجَسَدِ الْوَاحِدِ.”

هذا النص يوضح أن الفردانية الداخلية للصوفي، المتمركزة حول الافتقار إلى الله، تتكامل مع الجماعة. بمعنى آخر، وعي الصوفي بفقره أمام الحق لا يضعفه، بل يمكنه من التعاون الروحي والعيش المشترك، بما يعزز الرحمة والشراكة ويحقق الانسجام بين الفرد والآخرين ضمن النظام الكوني.

الافتقار إلى الله ليس شعورًا دينيًا عابرًا، بل حقيقة وجودية: كل موجود فقير بذاته وغني بالله وحده (Chittick, 1998). هذا الوعي يولد يقظة روحية مستمرة تكشف اعتماد الإنسان الدائم على “الغني المالك الرازق الواهب” (Hirtenstein, 1999)، ويتحول إلى قوة روحية تفكك وهم الاستقلال الذي يقوم في جذوره على الهيمنة والعنف (Morris, 1987).

مخطط توضيحي يربط بين مستويات مبدأ الافتقار إلى الله عند ابن عربي:

البُعدالنصوص الداعمةالوظيفة / الأثرتوضيح العلاقة
الأنطولوجي– فصوص الحكم: “العالم محتاج دائمًا…” – الفتوحات المكية: “كل ما سوى الله معدوم بالحق…”كشف طبيعة الوجود: كل كائن يعتمد على الله، والعلاقة بالله جوهريةيؤسس الفردانية الصوفية: الإنسان يدرك أنه يتلقى وجوده من الله، مما يولد وعيًا ذاتيًا ومسؤولية روحية
الأخلاقيالفتوحات المكية، باب أسرار الصلاة: “فمن شهد كونه عين افتقاره إلى الله…”تحويل الوعي الأنطولوجي إلى سلوك: تواضع، رحمة، نبذ الهيمنة، انسجام وجودييترجم الفهم الفردي إلى أخلاق عملية في الحياة اليومية، منع الانتهاك والظلم
الفردانيةالفتوحات المكية، الباب 180: “أهل الله أهل صحبة…”وعي داخلي بالافتقار يخلق استقلال روحي، مع احترام حقوق الآخرينالفردانية لا تعزل عن الجماعة؛ بل تمكّن التعاون الروحي، وتوازن بين حرية الفرد ومصلحة الجماعة
الجماعةنفس النص السابقتعزز التعاون والعيش المشترك، الانسجام بين الأفرادالجماعة وسيلة لتطبيق الأخلاق الصوفية عمليًا، وتجسيد وحدة الوجود في المجتمع

التخلق بأخلاق أسماء الله وصفاته: الحل الأخلاقي–الوجودي لأزمة الإنسان

يمثل التخلق بأخلاق أسماء الله وصفاته (al-takhalluq bi-akhlāq Allāh) محورًا مركزيًا في مشروع ابن عربي لمعالجة أزمة الوجود في زمن الحروب والانقسامات. فابن عربي لم يكتف بالوعي الأنطولوجي وحده، بل ربط هذا الوعي بمشروع أخلاقي صوفي يتيح للفرد تجاوز الصراعات الداخلية والخارجية، وتجاوز الانفصال بين الذات والآخر، الفرد والجماعة، الإنسان والكون (Chodkiewicz, 1993).

ينطلق هذا المشروع من تصور الإنسان باعتباره خليفة الله في الأرض، مدعوًا لأن يعكس الصفات الإلهية في سلوكه اليومي: الرحمة بدل القسوة، والعدل بدل الهيمنة، واللطف بدل العنف. ومن هذا المنظور، يصبح السلام ليس مجرد غياب صراع، بل نتاجًا طبيعيًا للتخلق الأخلاقي والوجودي، إذ يدرك الإنسان أن كل كائن تجلٍ للحق يمنع الأخلاقيات المدمرة تجاه الآخر (Chittick, 1989; Hirtenstein, 1999).

أولاً: التخلق بأخلاق الله – نصوص الفتوحات وفصوص الحكم

يعتبر ابن عربي الإنسان الكامل مرآة لأسماء الله، بحيث يصبح سلوكه انعكاسًا حيًا للحق الإلهي:

“فإن الله تعالى لما خلق الإنسان، خلقه على صورته، والصفات الإلهية كلها في الإنسان، فالإنسان هو العالم بالله، والمتخلق بأخلاقه… فمن عرف نفسه، عرف ربه”
— الفتوحات المكية، الجزء الثاني، باب معرفة أسرار الصفات.

ويؤكد في فصوص الحكم:

“فالخلقُ الذي تخلق به الله هو الذي به خلق العالم، فمن تخلق به، فقد تخلق بأخلاق الله”

هذه النصوص تؤسس لفكرة التخلق كأداة عملية لتجسيد المعرفة الروحية في الحياة اليومية، وليس مجرد معرفة نظرية أو شعور ديني عابر (Chittick, 1998).

ثانياً: التحقق العملي مقابل التشبه بالربوبية

يضع ابن عربي حدودًا واضحة للتخلق: فهو تحقق عملي بالأسماء الحسنى في مقام العبودية، لا ادعاء صفات الربوبية أو التحقق بالذات الإلهية:

“لا تتصفوا بصفات الربوبية، ولا تتحققوا بصفات الألوهية، بل تخلقوا بأخلاق الله، وتخلصوا من عيوب النفوس”
— الفتوحات المكية، باب الأسرار.

هذا التمييز يحمي المشروع الصوفي من الانزلاق نحو الشطط، ويؤكد أن التخلق بالأسماء يحقق الكمال الإنساني ضمن حدود المخلوق، موفرًا التوازن بين العبودية والارتقاء الروحي (Chodkiewicz, 1993).

ثالثاً: الرحمة والسلام بوصفهما أثرًا وجوديًا

التخلق يولد السلام الداخلي والرحمة العملية، إذ يرى الصوفي في كل كائن تجليًا للحق:

“فمن كان بقلبه رحمة، فقد تحقق بصفة من صفات الحق”
— الفتوحات المكية، باب الرحمة.

من خلال هذا الوعي، يصبح الظلم والعنف مرفوضًا منطقًا ووجوديًا، لأن الانتهاك أو الاعتداء ليس مجرد خطأ أخلاقي بل رفض للانسجام الكوني والتجليات الإلهية (Hirtenstein, 1999).

رابعاً: التخلق كتجربة وجودية وذوقية

التخلق لا يظل نظرية مجردة، بل يتحول إلى حضور شعوري وذوق للمعارف الإلهية:

“ليس المراد من التخلق بأخلاق الله المعرفة النظرية، بل التخقق بها ذوقاً وحالاً”
— فصوص الحكم.

هنا، تصبح الأخلاق الصوفية أداة لمعالجة أزمة الانفصال عن الحق، وتطبيقًا حيًا لفهم الوجود في علاقة الفرد بالكون.

خامساً: الارتقاء من الحيوانية إلى الكمال

التخلق يمكّن الإنسان من تجاوز الطبيعة الحيوانية، ويجعله قادرًا على الوصول إلى مرتبة الخليفة، جامعًا بين العبودية والكمال:

“اعلم أن الإنسان إذا خلص من قيود النفس الحيوانية، وتحقق بالصفات الإلهية، ارتقى إلى مرتبة الخليفة”
— الفتوحات المكية.

بهذا، يصبح الإنسان نقطة توازن وجودية بين ذاته المحدودة وامتثال الحق، ويترجم معرفته الروحية إلى فعل أخلاقي ووجودي.

سادساً: التمييز بين أسماء يمكن التخلق بها وأسماء الربوبية المطلقة

يبين ابن عربي أن بعض الصفات يمكن التخلق بها (كالرحمة والعدل واللطف)، بينما بعض الصفات تخص الربوبية المطلقة (كالخالق والقهار)، لضمان سلامة المشروع الصوفي من الشطط والتجاوز:

“التخلق بمقتضى الأسماء كالرحمة والعدل واللطف هو كمال العبودية، وأما التخلق بصفات التفرد فهو من مقام التشبيه المحال”
— فصوص الحكم.

هذا التمييز يؤكد الأبعاد العملية والفلسفية لمبدأ التخلق، ويجعل منه أداة لحل أزمة الوجود الإنسانية من خلال خلق انسجام بين الفرد والآخرين، وبين الإنسان والكون، في زمن يموج بالصراعات والانقسامات.

تمام، بناءً على النص الذي زوّدتني به، يمكن رفع فقرة “القرآن كوحدة معرفية ووجودية” لتصبح أكثر عمقًا، متماسكة، ومرتبطة بمشروع ابن عربي الأخلاقي–الوجودي، مع دمج رؤية مراتب فهم القرآن. إليك النسخة المطوّرة:

القرآن كوحدة معرفية ووجودية

يرى ابن عربي القرآن ليس مجرد نص تشريعي أو كلام مكتوب، بل مصدر معرفي ووجودي موحّد يعكس وحدة الوجود والحق الإلهي، ويشكل خريطة كونية تكشف عن أصل كل الموجودات (Chittick, 1998). فالقرآن في منظوره هو مصحف وجودي، يتجلى في الوجود وفي الإنسان، ويستمر نزوله الروحي على القلوب حتى يوم القيامة، حيث يصبح كل قلب مستعدًا لتلقي معانيه بحسب قدراته الروحية ومرتبته الوجودية (مواقع النجوم: 67-68).

ينطلق هذا الفهم من مبدأ التماثل الوجودي بين الكون والإنسان والقرآن، حيث الإنسان هو “عالم صغير” يجمع حقائق الكون، والعالم هو “إنسان كبير”، والقرآن مرآة لكل منهما: (جواد كسار، 2014) 

«خذ الوجود كله على أنّه كتاب مسطور، وإن قلت مرقوم فهو أبلغ» — الفتوحات المكّية 4:106

هذا التماثل يجعل القرآن متعدد المراتب في فهمه: فكل إنسان يقرأه بحسب قدراته الروحية واستعداده الوجودي، بينما الإنسان الكامل، أو النبي، يمثل الذروة في إدراك الحقيقة القرآنية، إذ القرآن عنده هو ذاته النبي، والنبي هو ذاته القرآن، ويجمع كل مراتب الحقائق الكونية في فهم واحد متكامل (الفتوحات المكّية 4:124).

تنقسم مراتب الفهم بحسب موازاة الإنسان والوجود والقرآن إلى أربعة أصناف:

  1. رجال الظاهر: تصرفهم في عالم الملك والشهادة.
  2. رجال الباطن: تصرفهم في عالم الغيب والملكوت.
  3. رجال الحدّ: تصرفهم في عالم الأرواح النارية والبرزخ.
  4. رجال المطّلع: تصرفهم في عالم الأسماء الإلهية، وهم أعظم الرجال (الفتوحات المكّية 4:187-188).

بهذا، يصبح فهم القرآن ليس فقط معرفة ذهنية، بل تجربة وجودية–معرفية، تربط بين التلقي الخارجي للكون والداخلي للنفس، بحيث يكشف كلاهما عن حقيقة واحدة: كلام الله، وينسجم مع مشروع ابن عربي الأخلاقي–الوجودي القائم على التخلق بأخلاق أسماء الله وصفاته.

السلام الأنطولوجي

من خلال هذا الربط، يصبح سلام ابن عربي سلامًا أنطولوجيًا، لا سياسيًا فحسب، ينشأ من إدراك وحدة الوجود، حيث يصبح العنف والظلم تناقضًا مع بنية الواقع ذاته وليس مجرد خطأ أخلاقي أو سياسي (Chittick, 1989). القرآن، بوصفه وحدة معرفية ووجودية، يوجه الإنسان نحو السلام الداخلي والخارجي عبر الانسجام بين الذات والكون والآخرين.

قبل سدل الستار

يمكننا القول أن رؤية ابن عربي تقدم نموذجًا فريدًا للسلام في سياق العصور الوسطى: بدلاً من البحث عن السيطرة أو الهيمنة، يقترح السلام من خلال الوعي الوجودي والأخلاقي، ما يحوّل العلاقات الإنسانية والطبيعية إلى امتداد للوعي بالوحدة الإلهية. بهذا المعنى، يمكن اعتبار صوفية ابن عربي مشروعًا فلسفيًا–أخلاقيًا يعيد تعريف العلاقة بين الإنسان، العالم، والله، ويطرح نموذجًا للسلام يقوم على المعرفة الروحية والأخلاقية العميقة (Addas, 1993; Chittick, 1989).

د. محمد الزكري القضاعي 

المراجع:

كسار، ج. ع. (2004). رؤى ابن عربي في نظرية مراتب فهم القرآن. مجلة المنهاج، (32). مسترجَع من https://www.iicss.iq/?id=25&sid=188


Addas, C. (1993). Quest for the Red Sulphur: The Life of Ibn ʿArabī. Cambridge University Press.
Chittick, W. C. (1989). The Sufi Path of Knowledge: Ibn al-ʿArabī’s Metaphysics of Imagination. SUNY Press.
Chittick, W. C. (1998). The Self-Disclosure of God: Principles of Ibn al-ʿArabī’s Cosmology. SUNY Press.
Chodkiewicz, M. (1993). An Ocean Without Shore: Ibn ʿArabī, the Book, and the Law. SUNY Press.
Hirtenstein, S. (1999). Metaphysics and Ethics in Ibn al-ʿArabī. Journal of Islamic Philosophy, 12(2), 45–68.
Kennedy, H. (2016). The Great Arab Conquests: How the Spread of Islam Changed the World We Live In. Da Capo Press.
Morris, J. (1987). Sufism and the Metaphysics of Existence. Islamic Studies Journal, 25(1), 15–39.


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد الزكري القضاعي

دكتوراه في أنثروبولوجيا المعارف والدراسات الإسلامية، خرِّيج معهد دراسات العرب والإسلاميات في جامعة إكستر البريطانية، دَرّس في جامعة وستمنستر البريطانية، وفي جامعة (بي تي يو) كتبس-ألمانيا. صدر له عدة كتب نذكر منها: تحرير كتاب "التصوف الذي بيننا ومعنا" (اللغة العربية) – "مداخلات دينية بين المتصوفة والسلفية في شرق الجزيرة العربية موضوع الهوية" (اللغة الإنكليزية)- "طرق إنتاج الهوية الفقهية لدى السُّنَّة" (اللغة الإنكليزية) – "الثقافة الشعبية وصناعة الهوية" (اللغة الإنكليزية) – "نظام المرأة المجتمعي وتفسير الأحلام" (اللغة الألمانية). نُشرت له عدة مقالات محكمة وصحفية في مؤسسات إعلامية عربية وألمانية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى