التنويريفكر وفلسفة

جموح علم الكلام أم وجومه؟

عبدالجبار الرفاعي والبحث عن "المقدمة" بوصفها مشروعًا

مدخل: المقدمة كفضاء للتأسيس لا كعتبة للكتاب

ليست المقدمات الثلاث لطبعات كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد لعبد الجبار الرفاعي مجرد تمهيدات عابرة أو عتبات نصية تقليدية، بل هي فضاء تتشكل فيه هوية المشروع ذاته. فالمقدمة هنا تتحول إلى مختبر معرفي تتداخل فيه الفلسفة واللاهوت وعلم الاجتماع وعلم النفس الديني، وتتقاطع فيه السيرة الفكرية للمؤلف مع أسئلة الحداثة الدينية في الإسلام. من يقرأ هذه المقدمات بوصفها شرحًا بسيطًا لموضوع الكتاب سيجد نفسه أمام ارتباكٍ بنيوي؛ أما من يقرأها بوصفها مسارًا دراميًا لتحولٍ فكري فسيكتشف أنها تمثل ثلاث لحظات متمايزة في تطور رؤية د. الرفاعي حول كتابه  :

لحظة الجموح النظري في مقدمة الطبعة الأولى (1-1-2021)، حيث يندفع المشروع نحو أفقٍ كوني واسع للدين بوصفه ظاهرة أنطولوجية.
لحظة الوجوم الوجودي في مقدمة الطبعة الثانية (22-09-2021)، حيث يتحول الخطاب من بناء النظرية إلى مساءلة الذات والكتابة والتجربة.
لحظة الانضباط المفاهيمي في مقدمة الطبعة الثالثة (6-6-2022)، حيث يؤكد المشروع تماسكه المنهجي ويعيد ضبط مفاهيم التجديد والوحي والدين.

وعليه، فإن السؤال “جموح علم الكلام أم وجومه؟” لا يخص علم الكلام وحده، بل يخص مسار الرفاعي نفسه وهو يعيد تخيّل الدين والوحي والتراث والمعنى في أفق الإنسان المسلم المعاصر.

مقدمة الطبعة الأولى – جموح الرؤية الأنطولوجية

تؤسس مقدمة 1-1-2021 لنقلة كبرى: فهي لا تبدأ من علم الكلام الإسلامي، بل من الدين بوصفه ظاهرة وجودية كونية. هنا ينتقل الرفاعي من الأفق التراثي الضيق إلى أفق أنطولوجي واسع يرى الدين كـ:

بنية لاشعورية في تشكيل الذات، منظومة لإنتاج المعنى، قوة مكوِّنة للرؤية إلى العالم، عاملًا حاسمًا في السياسة والاقتصاد والأخلاق.

بهذا المعنى، لا يتعامل الرفاعي مع الدين كمنظومة أحكام أو عقائد فحسب، بل كـ طاقة تشكيل للكينونة البشرية. وهذا التحول يُخرِج علم الكلام من كونه علمًا جدليًا دفاعيًا إلى كونه علمًا تأويليًا وجوديًا. غير أن هذا التوسيع يخلق توترًا منهجيًا: فالمقدمة تتحرك في فضاء فلسفة الدين العامة أكثر مما تتحرك داخل حدود علم الكلام الإسلامي التقليدي. وهذا ما يربك القارئ الذي ينتظر تعريفًا تقليديًا للكلام، ليجد نفسه أمام تفكير فلسفي شامل في معنى الدين ذاته.

الدين بين البناء والهدم – السياسة التأويلية

من أبرز أطروحات المقدمة الأولى أن الدين ليس بطبيعته بناءً أو هدمًا، بل إن طريقة فهمه وتأويل نصوصه هي التي تصنع السلام أو العنف. هنا ينقل الرفاعي مركز الثقل من النص إلى القراءة، ومن العقيدة إلى التأويل. هذه النقلة تمثل جوهر “الكلام الجديد” لديه:
فبدل السؤال التقليدي: ما هي العقيدة الصحيحة؟ يصبح السؤال المركزي: كيف نقرأ الدين بحيث ينتج معنى أخلاقيًا رحيمًا؟

ومع ذلك، يمكن نقد هذه الأطروحة من زاوية سوسيولوجية؛ إذ يبالغ الرفاعي أحيانًا في جعل الدين العامل الحاسم لكل التحولات، بينما تلعب السياسة والاقتصاد والسلطة أدوارًا لا تقل أهمية في إنتاج العنف الديني.

ماكس فيبر بوصفه أفقًا مقارنًا

استدعاء الرفاعي لقراءة ماكس فيبر عن الأخلاق البروتستانتية ليس عرضيًا، بل استراتيجي. فهو يريد أن يقول ضمنيًا: كما أن إعادة قراءة الكتاب المقدس أنتجت الحداثة الرأسمالية، فإن إعادة قراءة الوحي في الإسلام يمكن أن تنتج حداثة أخلاقية جديدة. إلا أن هذه المقارنة تنطوي على مخاطرة منهجية: إذ لا يمكن إسقاط التجربة الأوروبية مباشرة على السياق الإسلامي دون تفكيك الفروق التاريخية والسياسية والثقافية العميقة بين العالمين. ومع ذلك، يظل استدعاء فيبر ذا قيمة كبرى لأنه يفتح علم الكلام على العلوم الاجتماعية الحديثة، ويحرره من الانغلاق المدرسي التراثي.

نقد علم الكلام القديم – من الإصلاح إلى التفكيك

في المقدمة الأولى، يقدّم الرفاعي نقدًا بنيويًا لعلم الكلام التقليدي، وخصوصًا للأفق الأشعري، معتبرًا أنه:

عطّل الاجتهاد، وحصّن نفسه ضد المراجعة، وأسهم في جمود الفكر الديني، ولم يعد قادرًا على إنتاج معنى روحي وأخلاقي معاصر.

هنا يتحول الرفاعي من مصلحٍ تراثي إلى ناقد جذري للمنظومة الكلامية الكلاسيكية، ما يضعه في موقع مختلف عن دعاة الإحياء أو الإصلاح التقليديين.

مقدمة الطبعة الثانية – الوجوم الوجودي

مقدمة 22-9-2021 ليست مقدمة علمية بالمعنى الصارم، بل نص اعترافي وجودي يكشف قلق الكاتب، وتردده، ومراجعته الدائمة، وشعوره بثقل المهمة. ينتقل الخطاب هنا من الموضوع إلى الذات، ومن النظرية إلى التجربة، ومن البناء المفاهيمي إلى التأمل الداخلي. وهذا التحول يربك القارئ الذي ينتظر إيضاحًا منهجيًا، لكنه في المقابل يمنح النص عمقًا إنسانيًا نادرًا في الكتابة الكلامية المعاصرة.

يمكن القول إن هذه المقدمة تمثل لحظة وجومٍ فلسفي أمام ضخامة السؤال: كيف يمكن تجديد علم الكلام دون السقوط في القطيعة مع التراث أو الذوبان في الحداثة الغربية؟

مقدمة الطبعة الثالثة – الانضباط المفاهيمي

في مقدمة 6-6-2022 يعود الرفاعي إلى الصرامة النظرية، لكن على أرضية أعمق من الأولى. هنا تتضح معالم مشروعه أكثر:

يميّز بوضوح بين: الإحياء (إعادة الماضي)، الإصلاح (ترميم السطح)، التجديد (إعادة تأسيس البنية). يجعل إعادة تعريف الوحي قلب علم الكلام الجديد، ويقرر أن كل من يقدّم فهمًا جديدًا للوحي داخل أفق الإيمان يمكن اعتباره “متكلمًا جديدًا”

يفتح الكلام الجديد على:

الفلسفة، علوم الإنسان، العرفان الإسلامي، والتجربة الروحية. بهذا المعنى، لا يريد الرفاعي علم كلام دفاعيًا، بل لاهوتًا إسلاميًا رحيمًا ومنفتحًا يعيد الاعتبار للبعد الروحي والأخلاقي للدين.

العقدة المركزية – الهوية والمنهج

تولّد المقدمات الثلاث خمس عقد معرفية:

عقدة الهوية: هل الكتاب علم كلام إسلامي أم فلسفة دين؟ الجواب: هو محاولة لبناء علم كلام إسلامي حديث بلسان فلسفة الدين.

عقدة المنهج: الرفاعي لا يعتمد منهجًا واحدًا، بل منهجًا مركّبًا يجمع الفلسفة والسوسيولوجيا واللاهوت والهرمنيوطيقا.

عقدة التراث: ينقد التراث بقسوة، لكنه يستثمر العرفان الصوفي بوصفه كنزًا روحيًا.

عقدة الوحي: يجعل الوحي محور المشروع، لكن تعريفه التفصيلي يتكشف تدريجيًا في الفصول لا في المقدمات.

عقدة القارئ: المقدمات لا تمهّد القارئ منهجيًا بقدر ما تدفعه إلى قلب الإشكال مباشرة.

القراءة المقترحة للمشروع

لفهم الكتاب ينبغي تبني أربعة مفاتيح: قراءة المقدمات كرحلة فكرية لا كتمهيد تقني. الفصل بين مستويات النص الثلاثة: الفلسفي، الكلامي، والسيري. اعتبار الوحي مركز الثقل النظري. قراءة الكتاب بوصفه مشروعًا حداثيًا نقديًا لا نصًا تراثيًا.

الخلاصة – بين الجموح والوجوم

إذا أردنا الجواب النهائي على سؤال العنوان، فيمكن القول: مقدمة الطبعة الأولى تمثل جموحًا فكريًا واسعًا في إعادة تخيّل الدين. مقدمة الطبعة الثانية تمثل وجومًا وجوديًا أمام ثقل المهمة. مقدمة الطبعة الثالثة تمثل انضباطًا مفاهيميًا وبناءً نظريًا أكثر نضجًا.

وهكذا، فإن مشروع الرفاعي يتحرك بين الجموح والوجوم، لا بوصفهما تناقضًا، بل بوصفهما دينامية خلاقة:
جموحٌ في الرؤية، ووجومٌ في المسؤولية، وبحثٌ متواصل عن لاهوت إسلامي قادر على منح المعنى في عالمٍ مضطرب.

المرجع 

الرفاعي، عبدالجبار. (2023). مقدمة في علم الكلام الجديد (ط. 3). بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين.

د. محمد الزكري القضاعي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد الزكري القضاعي

دكتوراه في أنثروبولوجيا المعارف والدراسات الإسلامية، خرِّيج معهد دراسات العرب والإسلاميات في جامعة إكستر البريطانية، دَرّس في جامعة وستمنستر البريطانية، وفي جامعة (بي تي يو) كتبس-ألمانيا. صدر له عدة كتب نذكر منها: تحرير كتاب "التصوف الذي بيننا ومعنا" (اللغة العربية) – "مداخلات دينية بين المتصوفة والسلفية في شرق الجزيرة العربية موضوع الهوية" (اللغة الإنكليزية)- "طرق إنتاج الهوية الفقهية لدى السُّنَّة" (اللغة الإنكليزية) – "الثقافة الشعبية وصناعة الهوية" (اللغة الإنكليزية) – "نظام المرأة المجتمعي وتفسير الأحلام" (اللغة الألمانية). نُشرت له عدة مقالات محكمة وصحفية في مؤسسات إعلامية عربية وألمانية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى