الحداثة ونزع السحر عن لاهوت الكلمة
من دفء الاستعارة إلى برودة الداتا: كيف اغتالت الحداثة روح اللغة؟

حكت لي الوالدة أن أخي الأكبر في صِغره كان يحاول ذات ليلة أن يتذكر اسم “السحلية”، ولكنه لم يستطع، حتى فاجأه أحدهم بالاسم فصاح قائلا: أجل، إنها هي. كانت الكلمة قادرة على استحضار الكائن الصغير والجميل وكأنما هي مشهد وقصة تُختبر في الحين. كانت الكلمة حدثا وليس بيانا [Data]، ولكن المرء ما أن يكبر قليلا حتى يفقد سحر اللغة تأثيره عليه، ليس لأن الكلمة لا تُؤثر، بل لأن الإطار الذي أصبح ينظم حياتنا ورؤيتنا هو إطار جاف وقاس ينقُلنا من الشاعرية إلى الموضوعية القاسية. وأقصد بذلك الإطار: «الحداثة» بوصفها رؤية علمية جافة، رؤية انطلقت من العلم/الفيزياء لتصبح إمبريالية تستعمر الميادين الأخرى من قبيل: القانون، الطب، الدين، اللغة… واللغة هي ما يهمنا هنا.
قد تكون – أيها القارئ الكريم – قد لاحظت كيف أصبحت اللغة تُبعدنا عن الشعور بالألم؛ فبدل أن يُقال مثلا «ألم الجوع» أو «جوع الفقراء»، يقال «انخفاض مؤشر القوة الشرائية»، وبدل «التشريد في الشوارع» يقال «فئة معينة بدون مأوى ثابت»، وبدل «طرد العمال» يقال «إعادة هيكلة الموارد البشرية»، وبدل «الظلم الطبقي» يقال «التفاوتات السوسيو-اقتصادية»، وبدل «مريض يحتضر» يقال «الحالة السريرية في تدهور مستمر»، وبدل «قانون جائر»، يقال «تعديل تشريعي لملاءمة المتطلبات»، بدل قول الظلم أصبح يقال «خلل إجرائي»…
انتقلنا من لغة ذات روح وتأثير على الوجدان إلى لغة خوارزمية تكنوقراطية؛ لغة قاسية تبتعد عن الذاتية نحو الموضوعية، كأن الكلمة لها معنى واحد أشبه بالخط المستقيم. ولكن السؤال: ما مرجعية هذا التحول؟ يبدو أن «تعطيل المادة» يساعدنا على فهم جوهر الحداثة، إنه النُّقلة التي امتدت إلى مجالات متعددة. والمقصود بتعطيل المادة هو نزع السحر عن العالم، أي نُبعد عنه كل ما ينتمي إلى الإنسان من السيكولوجيا والميتافيزيقا والأخلاق واللاهوت… ننظر إلى المادة كحركة وطاقة خالية من المعنى والقيمية.
أصبحنا موضوعيين بوعي وبدون وعي؛ اشترينا كل شيء، وكان المقابل هو خسران الذاتية وأصالتها. حتى الدين جعلناه سلعة؛ تكوينات مقابل دريهمات والمقاعد محدودة! والنتيجة هي أن اللغة نفسها أصبحت منزوعة السحر، نستعمل لغة فقيرة تعكس منطق تعطيل المادة، فصارت – أي اللغة – يُعطل فيها المعنى، وآية ذلك غياب الفاعل: «تقرر فعل كذا»، «أُنجزت المهمة»… أين الإنسان ورفرفة الروح وقوة وهيبة الكلمة؟ إن الحداثة بموضوعيتها أفقدتنا جمرة اللغة، إذ صارت الكلمات أشياء بل صقيعا. إن الإنساني أصبح شيئا فشيئا «شيئانيا»؛ وهذه هي خطورة الحداثة. إن نزع السحر عن الكلمة هو الذي مهد الطريق لـ «تفاهة الشر»؛ فالعالم الذي لا يستطيع تسمية جرحه هو عالم يسهل فيه ارتكاب الجريمة، لأن القالب اللغوي يحمي المجرم من الشعور بفعله ( لاحظ أن غياب الفاعل لغويا يعكس غياب المسؤولية وجوديا). إننا نعيش في برودة المسطرة التي تقيس كل شيء ولا تفهم أي شيء، بينما تظل الاستعارة هي الجمرة الأخيرة لإعادة الحرارة إلى جسد العالم المتصلب.
لقد كانت الكلمة في البدء جسدا، ونبضا يفيض بالماء. لكن الحداثة، في سعيها نحو «التطهير/التعطيل»، مدت مباضعها الباردة إلى لغتنا، مجففة إياها من ظلالها السحرية، لتحولها من نداء وجودي إلى «وحدة معلوماتية» تخضع لصرامة القالب. تلك نقطة من مشروع تطهير العالم، و«اللغة الجليدية» أبرز تجليات هذا الفعل المدمر. فكيف سيكون طفل اليوم وهو يفتح عينيه على لغة «الداتا»؟ كيف يمكن لكائن صغير مهيأ فطريا لينفجر شاعرية أن يتحمل جليد الكلمات أمام عالم يقول عنه العلم ذاته إنه يزيد برودة ويتجه نحو «الانكماش العظيم»؟ وبين انكماش الكون وانكماش الروح كلمة. فهل وعينا خطرها، وخطر ما أصابها؟
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






