التنويريفكر وفلسفة

الطلاق: بين مطرقة الحب وسندان الجينات

قراءة فلسفية وعلمية في أزمة الزواج المعاصر: هل نحن مبرمجون جينياً للفشل العاطفي؟

 تقديم: 

يعيش إنسان القرن الحادي والعشرين في حيرة، ما بين الصواب والخطأ، ما بين القرار والاختيار، ما بين الوقوف والاستمرار، ولهذا أسباب عديدة لا يهمنا ذكرها في هذا المقال، بقدر ما نروم معالجة ظاهرة اجتماعية طبعت هذا الإنسان الحائر، وهي الطلاق.

يعد الطلاق ظاهرة عالمية سادت في المجتمعات (المتخلفة) والمجتمعات (المتحضرة) على السواء، وهو ما يعكس عدم قدرة الإنسان على الانسجام مع جنسه، أو عدم قدرته على العيش المشترك مع نظيره، إنه يفشل في تقاسم زمنه المحدود  في سبيل تحقيق سعادة مبنية على حياة مشتركة وتكوين أسرة صغيرة؛ ما أسال الكثير من الحبر وجذب انتباه عدة فلسفات وعلوم إنسانية  لتدلي بدلوها في هذا الموضوع، كعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع، وغيرها؛ بل إن الأمر لم يتوقف عند حدود التعامل مع ظاهرة الطلاق كموضوع من مواضيع العلوم الإنسانية والاجتماعية فقط، بل دخلت بعض العلوم الدقيقة على الخط خاصة علم الجينوم الذي نبش في السجلات القديمة للإنسان ليخرج بنظرية تفيد أن المخطط الوراثي DNA يلعب دورا حاسما في مختلف المناحي والقرارات التي نتخذها والأخطاء التي نرتكبها والقدرات التي نكتسبها، ما يقدم بعض التفسيرات المحتملة للطلاق المبنية على أسس بيولوجية صرفة. لكن لا يحق لنا الجزم في صحة هذه النظرية أو تلك دون مقاربة الموضوع من زوايا مختلفة، خاصة زاوية المشاعر والحب الذي أصبح القاعدة الأساسية واللبنة الرئيسية التي يجب أن يؤسس عليها مشروع الزواج في نظر جل الشباب في القرن الحادي والعشرين، ما يعني أن فشل الحب يهدم الزواج ويعجل بالفراق.

تحيل كلمة طلاق في اللغة العربية على التحرر من القيد، فطلاق المرأة يعني تحللها من زوجها وخروجها من عصمته، أما اصطلاحا فالطلاق هو إزالة عقد النكاح وانفصال الزوج، وهو تعريف لا يختلف من حيث المبدأ بين لغات العالم سوى في الخصائص العرضية، كما لا تختلف جل المجتمعات في نظرتها إلى هذه الظاهرة على أنها خطر يهدد استمرارها واستقرارها مستقبلا، إلا أننا هنا لا نحاول معالجة الموضوع من حيث أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل بوصفه أزمة فردية تعكس معاناة حقيقة لإنسان حائر شذ عن طبيعته التي تدفعه للبحث عن شريك حياة كباقي الحيوانات، ليترك لضروب الوحدة واليأس؛ ولكي نفهم هذا الفشل وجب علينا فهم الرهان الذي أفضى إليه أولا.

لن نختلف كثيرا في القول أن رهان الإنسان المعاصر وضمان نجاح مشروع الزواج بالنسبة له هو الحب، الحب الذي نشبهه هنا بالمطرقة التي ننتظر منها تحطيم كل الصعوبات والعوائق التي قد تعترض طريق الحبيبين لتمنح زواجهما حقه في الأبدية، وهو ما لعبت السينما والرواية والشعر دورا حاسما في التأصيل له كحقيقة لا غبار عليها، غير أن هذه المطرقة القوية مهما نجحت في الفتك بمجموعة من الصعاب، فإنها تعجز أمام السندان الصلب الذي نحيل به على الجينات المبرمجة للإنسان، التي تجعل من النجاح أو الفشل في عدد من الاختيارات والتوجهات الحياتية – بما في ذلك الزواج – مسألة جبرية؛ بين هذا وذاك تفرض بعض الأسئلة نفسها على عقولنا مطالبة بالجواب حتى وإن كنا نعلم علم اليقين أن الجواب الشافي والكافي هنا ضرب من ضروب المستحيل، وذلك لتشعب الموضوع وتقاطعه مع تيمات أخرى تفتح أفاقا لامتناهية للتفكير والتحليل، لكن من حقنا أن نتساءل هل الرهان على الحب كان رهانا خاسرا؟ وكيف نفسر نجاح مشاريع الزواج في الأجيال السابقة وما الذي تغير في جيلنا الحالي؟  وهل للجينات نصيب في فشل بعض الأشخاص في الزواج؟ 

ثورة الحب

حاول الفيلسوف الفرنسي المعاصر لوك فيري تسليط الضوء على ظاهرة الطلاق في مؤلفاته التي نذكر منها كتاب ثورة الحب، و أجمل قصة في تاريخ الفلسفة حيث عالج مفاهيم كالزواج والحب والطلاق من زاوية تاريخية سياسية، وذلك برد التحول الراديكالي التي عرفته منظومة الزواج والأسرة  بأوروبا إلى النظام الرأسمالي الحديث الذي وسع سوق الشغل وأبرز حاجته لإجراء من كلا الجنسين، ليستقطب النساء من سكان القرى والمدن على السواء، قصد الاشتغال في المصانع أو غيرها، وهنا بيت القصيد، إذ ستتذوق المرأة العاملة لأول مرة طعم الحرية والاستقلال.

  تتمثل الحرية هنا في بعد المسافة عن قريتها، أو انتقالها للسكن خارج منزل أسرتها، إنها حرية التستر والانفلات من الأنظار والرقابة الاجتماعية والدينية، وبعد تحرر الفتاة الشابة وضمانها أجرا منتظما مقابل عملها ستشعر باستقلالها، وستكتشف أنها أصبحت في وضع يعينها (ولو جزئيا) على فعل ما تريده بوجودها. لتبدأ رحلة التمرد على الماضي الذي همشها وعلى الحياة التقليدية التي ظلمتها، لقد غدت فاعلا بعدما كانت مفعولا به، وبالتالي فقد انعتقت من منظومة الزواج التقليدية التي كانت تفرض عليها الارتباط برجل يناسبها وفقا للمعايير الاجتماعية والاقتصادية والدينية لأسرتها، إنه زواج مبني على أسس عقلانية لكن لا مجال فيه للحرية أو الاختيار بالنسبة للمرأة؛ فماذا ستختار بعد أن حصلت على حريتها واستقلالها؟ 

ستوجه المرأة في هذه المرحلة اهتمامها إلى مشاعرها وأحاسيسها، بالسعي إلى الزواج من شاب وسيم تشعر بالميل والانجذاب إليه، بغض النظر عن حالته المادية أو مكانته الاجتماعية، وهكذا سيصبح الحب شيئا فشيئا قاعدة أساسية لمعظم مشاريع الزواج، وبالطبع  سوف يعترض هذا النمط الجديد من الزواج لمجموعة من الصعوبات والتوترات بحسب الطبقات الاجتماعية. ففي الطبقات الشعبية، سيتخذ زواج الحب مكانه في المجتمع بسرعة مقارنة بالأوساط البرجوازية لأسباب تتعلق بالإرث، وهو ما سيتم تجاوزه مع مرور الزمن إلى أن صرنا اليوم لا يمكن أن نفكر في الزواج دون ربطه بالحب؛ يمكن تركيز كل ما سبق في القول بأننا أصبحنا أمام نموذجين من الزواج:

  • الزواج التقليدي، الذي يتأسس على قواعد عقلانية (الحالة المادية، الطبقة الاجتماعية…)، مبني على القوة وسلطة الوالدين فلا مكانة لإرادة المرأة فيه، فهي عنصر مفعول به فقط؛
  • زواج الحب، الذي يتأسس على الإرادة الحرة للطرفين، ويتحدى القواعد الاجتماعية،  فبعد تحرر المرأة انتزعت حقها في الاختيار، ما جعل زواج الحب نتاجا لنزوع وميل متبادل من الرجل والمرأة؛ 

يتجلى الفرق الجوهري بين هذين الشكلين من الزواج في  دور المرأة، التي كانت في منظومة الزواج التقليدي تطيع وتنفذ القرارات التي ارتأت الأسرة أنها مناسبة لها بما في ذلك اختيار شريكها؛ فيما تغير دورها في زواج الحب، إذ لا يمكننا الحديث عن الحب دون وجود حرية كاملة في الاختيار بالنسبة  للطرفين، وهو ما تحقق للرجل نسبيا منذ قرون بينما حصلته المرأة بفضل النظام الرأسمالي الحديث الذي أتاح لها فرصة الشغل، ولكن ما يهمنا بالأساس في النمط الأخير هو أنه لا يتبنى طريق العقل بل يمكن دفة القيادة للقلب الهائم في لذة الحب والمحبوب الذي تنزاح عنه كل العيوب، ما عبر عنه باسكال بالقول للقلب أسبابه الخاصة التي لا يفهمها العقل.

ستفضي ثورة الحب وتغير أسس الزواج إلى مجموعة من النتائج الهامة، أبرزها أن الحب سيأخذ طابعا مفارقاتيا، فهو المحرك الأول الذي يدفع شخصين للزواج، وهو في الآن ذاته السبب الرئيسي للطلاق. فقد تدوم مرحلة  الحب الشبقي بوجه عام ثلاث أو أربع سنوات على أبعد تقدير، ومن ثم يبدأ بالتقهقر والضعف إلى أن ينطفئ بشكل كامل، ما يدخل الزوج في أزمة معنى وشغف، فتتسلل الأسئلة المزعجة إلى عقليهما: هل أخطأت في الاختيار؟ هل كان حبا حقيقيا؟ إن كان حقيقا فلماذا انطفأ؟ ماذا حدث وما الذي تغير؟ أسئلة كثيرة مؤرقة دون العثور على أجوبة مقنعة، إلى أن يلوح الطلاق في الأفق كحل لهذه الحيرة.

عبر الروائي الفرنسي فرنسوا موريك  عن هذه الأزمة بشكل جميل في مؤلفه الحب يدوم ثلاث سنوات، إذ يتفق بشكل أو بآخر مع لوك فيري في القول بأن الحب مهما بلغت شدته وصدقه وقوته، سينتهي وسينطفئ بعد مدة من العيش المشترك وعندها يتجه الشريكان إلى فك الارتباط عن طريق الطلاق، فكيف لزواج بني على الحب أن يستمر بعد انتهاء الحب؟ 

يرى لوك فيري أن تصاعد نسب الطلاق نتيجة عادية ومنطقية لزواج الحب، لأن للحب تاريخ صلاحية، ولكن يجب أن ننتبه إلى أن هناك من نجحوا في الاستمرار في الزواج بعد انتهاء مرحلة الانبهار وحلاوة البدايات، وذلك يعود إلى أمرين حسب الفيلسوف الفرنسي:

أولا، تحويل كل ذلك الهيام والحب إلى نوع من الصداقة الغرامية التي تساعد الطرفين على تقبل تقهقر المشاعر المكثفة التي كانت تغمرهما في البدايات؛

ثانيا، تصاعد قوة الحب تجاه الأطفال، وهو حب غريزي طبيعي (الأبوة والأمومة) وبالتالي حاضر أبد الدهر، فيمكننا القول أن الطفل يصبح الرابطة التي تجمع الأسرة وتعينها على الاستمرار.

بعد أن وضحنا نظرة لوك فيري للطلاق باعتباره نتيجة منطقية لانتقال المجتمعات من نمط الزواج التقليدي المبني على العقل، إلى نمط جديد عاطفي جوهره المشاعر، يحق لنا التأمل في مفهوم الحب، ومقاربة مدى جدوى اعتماده كركيزة أساسية للأسرة الحديثة، وذلك لما يحمله هذا المفهوم من تناقضات، فرغم جمال الحب وأصالة أحاسيسه، ومقدرته على جعلنا نعتقد أنه الطريق الذي سيمكننا من انتزاع السعادة وتبديد بؤس الحياة، إلا أن الحب في الحقيقة مأساة إنسانية بشهادة التاريخ، فجل قصص العشق الأسطورية والواقعية التي خلدت في الذاكرة الإنسانية كانت تؤول إلى نهاية مأساوية والأمثلة كثيرة على ما أقول، نذكر منها: قيس وليلى، عنتر وعبلة، روميو وجوليت، وجاك وروز  على سفينة التايتانيك..؛ إن العامل المشترك بين كل هذه القصص التي نعتبرها رموزا للحب الصادق الذي ناشد الكمال، هو نهاياتها المأساوية، ما يذكرنا بقول للفيلسوف الفرنسي اندري كونت سبونفيلليس هناك حب سعيد: فما دامت الرغبة فقد فلن تكون السعادة إلا مفقودة«، ما يمكن أن نستشفه من هذا هو أن نظرتنا للحب نظرة سطحية، وفهمنا له فهم ناقص مستمد مما رأيناه في الأفلام و قرأناه في الروايات التي شذت عن طبيعة الحب ورسمت له نهاية سعيدة بخلاف واقعه المرير، ما دفع العديد من المجتمعات لتبنيه وتزكية مكانته في مشاريع الزواج، باعتباره مفتاحا للسعادة، ما انتقده الشاعر نزار القباني قائلا:

الحب ليس رواية شرقية * بختامها يتزوج الأبطال

لكنه الإبحار دون سفينة * وشعورنا أن الوصول محال

ننتهي من خلال كل ما سبق إلى القول، بأن الحب كان عاملا رئيسا في تزايد نسب الطلاق في المجتمعات الحديثة إلى أن أصبح ظاهرة عالمية، وهي نتيجة طبيعية وغير مفاجئة، فكل اختيار انساني حر لا بد من أن تكون له تبعات مستقبلية، إلا أنه يجب علينا التأكيد على أن الرهان على الحب كأساس لتكوين أسرة كان وسيظل مقامرة محفوفة بالمخاطر؛ لكن ماذا إن كانت حرية الاختيار مجرد وهم؟ وماذا إن كانت الإرادة الإنسانية مجرد برمجة جينية؟ 

المخطط الوراثي وسؤال الحرية

أدى ظهور علم الجينوميا الشخصية إلى إحداث ثورة في المجتمع العلمي، بعد أن اتضح أنه أصبح بإمكاننا استخدام الـ DNA لفهم من نكون، والتنبؤ بما سنكون، وذلك بمنحنا القدرة على معرفة نقاط قوتنا وضعفنا السيكولوجية منذ الولادة، الأمر الذي يعتبر نقطة تحول ذات تداعيات على علم النفس، وعلى المجتمع وعلى كل فرد. 

فتحت الدراسات الحديثة في علم الجينات آفاقا واسعة لفهم مختلف أبعاد البنية السيكولوجية للإنسان، خاصة ما يتعلق بالسمات النفسية ومحددات الشخصية المستقبلية للفرد، بناء على دراسة مخططه الجيني الذي يفيد في سبر بعض المناطق المظلمة في النفس الإنسانية ويفسر شيئا من سلوكياتنا وتوجهاتنا الحياتية، بل ويبرر حتى اخفاقاتنا في بعض القرارات المصيرية كالزواج؛ وهو ما يضع قطيعة ابستمولوجية مع تصور علم النفس (الكلاسيكي) الذي يرى في المحيط والتنشئة الاجتماعية عاملا محوريا في تكوين شخصية الفرد، هذا ما حاول روبرت بلومين إبرازه من خلال مؤلفه المخطط الوراثي كيف يجعلنا الـDNA  من نكون، إذ يرى أن اكتشاف قابلية توريث جينات مسؤولة عن نحو نصف الاختلافات النفسية بين الناس يعنى أن الوراثة تشكل التأثير المنتظم الأكثر أهمية في الحصائل النفسية، فالوراثة هي السبب الرئيس لاختلاف الناس من حيث الشخصية، والصحة والمرض العقليان، والتعلم والقدرات المعرفية؛ إن الـ DNA هو المخطط الذي يبين من نحن،  وهذا ما يفضي إلى هدم التصور البيئي لعلم النفس الذي يرتكز على المحيط وطريقة التنشئة والتربية في بناء الشخصية، فالتربية» ليست وسيلة تفضي إلى غاية، وإنما علاقة، بل إحدى أطول العلاقات في حياتنا  .«لكن هذا الطرح غالبا ما يساء فهمه، فيعتقد البعض بأنه يحيل إلى أن الإنسان مجرد آلة مبرمجة جينيا، ولكي لا نجانب الصواب لا بد من توضيح معنى الوراثة مع توضيح حدودها وجدوى اللجوء إليها، فالوراثة تكشف عن القدرات والسمات والاعطاب النفسية والجسدية المحتملة لدى الفرد وبناء على هذه التنبؤات يمكننا تعزيز المهارات بتوفير نوع التنشئة المناسبة لها، وتخفيف الاعاقات بعدم إتاحة ظروف مناسبة لتفاقمها» فالآثار الوراثية هي ميول احتمالية، وليست نوعا من البرمجة المحتمة سلفا

لقد كان لزاما علينا تقديم هذا الفرش النظري البسيط قبل الخوض في صلب موضوعنا، تفاديا لأي عسر في فهم الكيفية التي قد تؤثر بها البنية الجينية للفرد على حياته الزوجية، فقد بينا – ولو بشكل موجز – أن الإنسان لا يرث فقط الصفات الجسدية من والديه، وإنما أيضا السمات النفسية التي تحدد نوع الشخصية التي سيواجه بها العالم، وستربطه بعلاقات اجتماعية بأفراد آخرين، إلى أن يقابل هدفه المنشود أو شريك الحياة، ثم بعد فترة يحدث الطلاق.  

يؤكد روبرت بلومين  في الفصل الثالث من كتابه المذكور سابقا، أنه لا يوجد جين مسؤول عن الطلاق، كما لا توجد جينات سيئة تجعل احتمالات بعض الناس سيئة في الحصول على زيجات مستقرة، لكن هذا لا يعني أن الجينات لا تؤثر في الموضوع بأي شكل من الأشكال فقد أظهرت الأبحاث، أن بعض سمات الشخصية مسؤولة عن ثلث الأثر الوراثي على الطلاق؛ والمفاجئ هو أن ثمة احتمالا أكبر في أن يطلق الأشخاص إذا كانوا مرحين ومنخرطين في الحياة، وعاطفيين ومندفعين، رغم أن هذه النواحي ليست سيئة في الشخصية بل ربما تكون عامل جذب في بداية العلاقة، إلا أنها تساهم في عدم استمرار الزواج.

وقد كان معروفا منذ مدة طويلة أن ثمة احتمالا كبيرا في أن أبناء وبنات الأبوين المطلقين سيخوضون نفس التجربة، وقد تم تفسير هذه الظاهرة تفسيرات نفسية مردها إلى التنشئة البيئة، كالعقد النفسية والمعاناة التي تصيب الأطفال بعد تفكك الأسرة وغيرها. لكن دراسة حديثة أجريت في السويد سنة 2018 أظهرت أن الصلة بين الطلاق لدى الأبوين والطلاق لدى أولادهم هي مشكلة وراثية، وليست بيئية. فعلى سبيل المثال في عينة من عشرين ألف شخص متبنى، كان احتمال الطلاق إن كانت الأم البيولوجية التي لم تربي الشخص قد تطلقت لاحقا، أكبر مما لو كان الأبوان بالتبني اللذان ربياه قد تطلقا.

تبلغ درجة توريث الطلاق نحو أربعين في المائة في جميع الدراسات، وهي نسبة أقل بكثير من مئة بالمائة، ما يعني أن العوامل غير الوراثية تؤثر في هذه الظاهرة ولا يجب التغاضي عنها، بيد أن العامل المنهجي الرئيس الذي يؤثر في الطلاق هو الوراثةـ فضبط الوراثة أمر محوري، كما اتضح لنا من خلال نتائج دراسة التبني السويدية، التي نسفت التفسيرات البيئية للطلاق مبرزة دور البنية الجينية في وجود احتمال للطلاق مستقبلا. وهنا يمكن القول أن الطلاق لا يحدث بالمصادفة، فنحن نحدد نجاح علاقاتنا أو إخفاقها،  ولسنا متفرجين سلبيين أمام الأحداث الموجودة خارجنا؛ فإن الأثر الوراثي هو بالتحديد أثر، وليس قدرا جينيا محتوما، إذ ليس هنالك جينات للحظ العاثر تجتذب المشاكل لبعض الناس.

خاتمة:

ننتهي من خلال كل ما ذكر ونوقش في صفحات هذا المقال، إلى التأكيد على أن الطلاق ظاهرة اجتماعية وفردية تعكس هشاشة الإنسان المعاصر، وعجزه عن الاستقرار في ظل صخب وصراعات عصره، إنه يضغط باستمرار ما بين مطرقة الحب وسندان الجينات، لا يرى أي ضوء في آخر النفق وإنما يعيش على أمل مستتر في أن تتغير الأوضاع وتتحسن الأحوال  في يوم من الأيام، إلا أنه يمكننا الخلوص إلى بعض التأملات من خلال مقاربتنا لهذا الموضوع من زاوية فلسفية تاريخية وأخرى علمية محضة، إذ لا نعتقد بأننا يمكن أن نتراجع عن الحب كقاعدة للزواج في هذا العصر، رغم كون الحب مفهوما ملتبسا ومتناقضا كما أوضحنا سابقا، كما لا يمكن إعادة برمجة جيناتنا قصد التحلي بصفات تساعدنا على أن نحظى بزواج مستقر وسعيد، ولكن إن لم نبلغ الكمال فلا بأس في أن نناشده، وذلك بالتصالح مع إنسانيتنا المفقودة وقيمها المهجورة وجعلها من مرتكزات الزواج، فالخير  والود والصدق صفات دائمة الحضور في الإنسان ولو غاب عنه الحب، فالزواج ليس تعاقدا اجتماعيا، بل تعاقد روحي وأخلاقي.

ذ. أشرف الغربي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

أشرف الغربي

أشرف الغربي، طالب باحث في ماستر(ماجستير) التواصل السياسي والاجتماعي، بالمعهد العالي للإعلام والاتصال - المغرب؛ حاصل على شهادة الإجازة في الفلسفة.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى