التنويريسياسة واجتماعمكتبة التنويري

التشريح البنيوي لعالم في حالة عدم يقين: تحليل شامل لرواية هشام جعفر ل”عالم بعد غزة”

من "خلو العرش" إلى "رأسمالية الإبادة": قراءة بنيوية في تفكيك هشام جعفر للنظام الدولي المتهاوي

إن ما شهده العالم في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” فيالسابع من أكتوبر/تشرين أول عام 2023م، وما تلاها منحرب تدميرية شعواء شُنت على قطاع غزة، لا يمكن بأيحال من الأحوال تصنيفه كأزمة إقليمية عابرة أو مجرد فصلنمطي جديد من فصول الصراع العربي الإسرائيلي الممتدلعقود. بل إن هذه الأحداث، وفقاً لما قدمه المفكر هشام جعفرفي عمله الرائد والاستشرافي “عالم بعد غزة”، تمثل “قطيعةتاريخية” كبرى تتجاوز حدود التفسير السياسي التقليديالسطحي.

يقدم جعفر في مؤلفه تشريحاً بنيوياً دقيقاً يسبر أغوارالأسس الفكرية، والأخلاقية، والجيوسياسية للنظام الدوليالذي هيمن على المشهد العالمي منذ أفول الحرب الباردة فيعام 1990م. حيث يعمل هذا الكتاب بمثابة “خريطةمفاهيمية” شاملة، صُممت بعناية لتفكيك الطبقات المعقدةللأزمة العالمية الراهنة؛ بدءاً من التحدي الوجودي الذي يواجهالمنظومة الليبرالية الغربية، وصولاً إلى بزوغ فجر “دولةالحضارة”، والتطبيع الهيكلي الصادم مع الإبادة الجماعيةضمن إطار رأسمالي متأزم يعيد إنتاج نفسه عبر التوحش.

الفكرة المركزية: شغور العرش وحالة الشك المعرفي

تتمحور الأطروحة الجوهرية للكتاب حول معضلة عميقةيشخصها المؤلف بمفهوم “خلو العرش”. ويفترض هذاالمفهوم أن الأطر الفكرية والسياسية التي حكمت العالمطويلاً -وتحديداً النظام الدولي القائم على القواعد- قدوصلت إلى طريق مسدود وفشلت فشلاً ذريعاً وحاسماً فيكبح جماح العدوان أو إرساء دعائم الاستقرار. وفي المقابل،لم يتبلور بعد نظام جديد متماسك وقادر على ملء هذاالفراغ، مما أدخل العالم المعاصر في أتون “فوضىهوبزية” عارمة، تستعرض فيها القوى الكبرى مصالحهاالسيادية بلا قيود، بينما ينهار جدار الثقة في المؤسساتالدولية العاجزة.

إن هذا المفهوم يستند أساساً إلى انهيار الافتراضاتالجوهرية التي شكلت وعي الاستقرار الإقليمي قبل أحداثالسابع من أكتوبر. ومن أبرز هذه الافتراضات المتهاوية:

  • الاعتقاد الواهم بأن البراغماتية الاقتصادية قادرة علىتذويب الحقوق الوطنية المشروعة.
  • الظن بأن القضية الفلسطينية يمكن ترحيلها أو تهميشهافي غياهب النسيان إلى أجل غير مسمى.
  • الرهان على قدرة النظام الليبرالي في إلزام حلفائهبالمعايير الأخلاقية والقانونية الدولية.

لقد كشفت “محرقة غزة” بوضوح تام عن الإفلاس الأخلاقيوالعجز الاستراتيجي لهذا النظام. ومن هنا، يجادل جعفربأن السؤال السياسي الوجودي لعصرنا قد تحول جذرياًليصبح: “من يملك الحق الأصيل في تعريف ماهية الحياةالطيبة؟”. وهذا السؤال يجسد صراعاً محتدماً بين مثل عليامتآكلة لدولة ليبرالية تدعي الحياد، وحركات “ما بعد ليبرالية” صاعدة تطالب الدولة بتبني وفرض رؤية أخلاقية وتقليديةمحددة تضمن ازدهار الإنسان.

المنهجية الفلسفية للمؤلف: “الندوة الخيالية” كقالب للتحليل

لا يكتفي جعفر في منهجه بالرصد التاريخي أو التسجيلالزمني للوقائع، بل يغوص في “تشريح بنيوي منهجي” يربط بين الأبعاد الفكرية، والتاريخية، والجيوسياسية. وللإبحار في غمار هذا “الزلزال الفكري”، اجترح المؤلفأداة تحليلية حوارية فريدة أطلق عليها اسم “الندوةالخيالية” (الندوة المتخيلة).

بدلاً من السرد النظري الجاف، يبتكر جعفر حواراً فكرياًرفيعاً بين خمس شخصيات عربية متخيلة، تمثل أطيافاًجغرافية وأيديولوجية متنوعة تشمل وادي النيل، والمغربالعربي، والمشرق، والخليج، والشتات. هذه الشخصيات-مثل كمال الشرقاوي الذي يجسد تيار الاستقلال الوطني،وسارة الحداد ممثلةً فكر ما بعد الليبرالية، وليليان منصوربصوتها المعبر عن الانتفاضات العربية- تشكل في مجموعها”جغرافيا الفكر العربي” المعاصر.

تتيح هذه المنهجية المبتكرة للمؤلف تحليل التجاذبات الداخليةفي الوجدان العربي، ورصد علاقة هذا الوجدان بالغرب منخلال عدسات تحليلية متعددة. كما أن هذا النهج يتميز بكونه”متقاطعاً” بطبيعته؛ فهو يربط بذكاء بين نضال الشعبالفلسطيني من أجل العدالة، وبين الحركات العالمية المناضلةمن أجل المساواة العرقية، والعدالة البيئية، وتفكيك بنىالاستبداد النيوليبرالي.

مراجعة الفصول والتحولات الأيديولوجية الكبرى

الفصل الأول: السياقات الفكرية وبزوغ البدائل

في هذا الفصل الافتتاحي، يستعرض المؤلف ملامح التآكلالأيديولوجي للخطاب الليبرالي والصعود المتنامي لتيارات”ما بعد الليبرالية”. ويطرح جعفر حجة مركزية مفادها أنالليبرالية تعيش اليوم “أزمة نجاح”؛ فمن خلال إفراطها فيترسيخ الاستقلال الفردي الجذري كقيمة عليا مطلقة، أدتدون قصد إلى تفتيت النسيج الثقافي، وانهيار الروابطالمجتمعية، والوقوع في شرك “اليأس العدمي”.

كما يفصل المؤلف في نشوء نموذج “دولة الحضارة”، وهوالنمط الذي تبناه قادة دوليون بارزون (مثل شي جين بينغ،وبوتين، ومودي، وترامب). هذه الدولة تستمد شرعيتها منالموروث الثقافي والديني والعِرقي، وترفض المزاعم الليبراليةالكونية. ويبرز هنا مفهوم “صناعة الروح”، حيث تضطلعالدولة بدور نشط في صياغة الشخصية الأخلاقية لمواطنيها،متخلية عن وهم الحياد.

وفي الإطار العربي، يوضح الحوار التخيلي كيف أعاد”طوفان الأقصى” الزخم لخطاب الاستقلال الوطني، الذيبات يطمح للتحرر من الاحتلال الأجنبي ومن “الاستبدادالنيوليبرالي” معاً.

الفصل الثاني: التحولات الجيوسياسية وصعود الجنوبالعالمي

يركز هذا القسم على الانتقال نحو عالم متعدد الأقطاب،وبروز “الجنوب العالمي” كفاعل أخلاقي وقانوني لا يمكنتجاوزه. ويستشهد المؤلف بالدور التاريخي لجنوب إفريقيافي تحدي المركزية الأخلاقية الغربية عبر مقاضاة إسرائيلأمام محكمة العدل الدولية، مما يمثل انتقالاً من “عدالةالمنتصرين” إلى “عدالة الضحايا”.

كما يحلل الكتاب سمات “الجيل Z”، مشيراً إلى أن هذاالجيل الرقمي ينظر للقضية من منظور إنساني أخلاقيبحت، بعيداً عن القوالب السياسية التقليدية، معتمداً على”السياسة الصغري” المرتبطة بالمطالب المباشرة، والتعبئةعبر الشبكات. ويشير جعفر أيضاً إلى عودة “خط اللون” كمعيار في السياسة الدولية، حيث يُنظر لفلسطين كرمزلاستمرار النضال ضد الاستعمار التاريخي.

الفصل الثالث: تهاوي البراغماتية واتفاقيات أبراهام

يقدم هذا الفصل نقداً لاذعاً لنموذج “اتفاقيات أبراهام”،مؤكداً أن الرهان على السلام الاقتصادي مع تجاهل الحقوقالوطنية الفلسطينية قد أثبت فشله الذريع. ويسلط الضوءعلى الفجوة الآخذة في الاتساع بين الأنظمة العربيةوشعوبها التي ترفض التطبيع مع “قومية عرقية إقصائية”.

ويلتقط جعفر هنا مفهوم عقيدة “إسبرطة الكبرى” الإسرائيلية، التي تعتمد القوة العسكرية الاستباقية المطلقةحتى لو أدى ذلك للعزلة الدولية. كما يتناول “سياسةالمرساة” الإماراتية التي تستخدم الاستثمارات الاستراتيجيةكأداة لتوسيع النفوذ الإقليمي.

الفصل الرابع: سوسيولوجيا الإبادة الجماعية ومحرقة غزة

في هذا الفصل الأكثر قسوة، يحلل المؤلف آليات “محرقةغزة” بربطها برأسمالية عالمية متوحشة. ويشير إلي مفهومين مرعبين:

  • رأسمالية الإبادة الجماعية: حيث يُنظر للتدمير كمشروعمربح واختبار للتقنيات العسكرية.
  • الإبادة الجماعية الخوارزمية (Algocide): حيث تُوكلمهمة القتل للذكاء الاصطناعي، مما يقلل من العبءالأخلاقي على القتلة.

ويختتم هذا التحليل بالحديث عن “الإنتاج الاجتماعيللامبالاة”، وكيف تحول البيروقراطية “الأشخاص العاديين” إلى أدوات في ماكينة القتل الجماعي.

الخاتمة: الرباعية الفلسفية وصناعة الوحشية

ينتهي الكتاب بتجميع الآليات النفسية والهيكلية التي تصنعالعنف الجماعي، متجاوزاً لغة الإدانة إلى لغة التفسيرالبنيوي عبر أربع مقالات أساسية:

  • صناعة الوحوش: إعادة تعريف “الآخر” ككائن غير بشريلتبرير سحقه.
  • الدولة وإنتاج العنف: توظيف احتكار القوة في القتل عبرعقائد أمنية متضخمة.
  • العنف الاستبدادي: السيكولوجيا الكامنة وراء “الديكتاتورالقاتل” ونشوة السلطة المطلقة.
  • تفاهة التعقيد: استلهاماً من حنة أرندت، يشرح جعفر كيفيُساق الناس للشر عبر الروتين والمصلحة الذاتية.

ويختتم العمل بمقترح لمشروع بحثي عربي لتوثيق الإبادةوتفسيرها وتحليلها، مؤكداً أن هذه الذاكرة هي ما سيحددالبوصلة الأخلاقية للأجيال القادمة.

السمات السبع الجوهرية لعالم “ما بعد غزة”

باختصار مكثف، يحدد الكتاب ملامح النظام العالمي الجديدفي سبع نقاط:

  • أزمة الليبرالية: وتمدد نماذج “دولة الحضارة”.
  • تطبيع القتل: عبر تداخل الاقتصاد العالمي مع اقتصادالإبادة “الخوارزمي”.
  • التقاطع العالمي للعدالة: تحول فلسطين إلى أيقونة عالميةللنضال الشامل.
  • صعود الجنوب العالمي: كقوة قانونية ودبلوماسية مراجعةللهيمنة الغربية.
  • تآكل البراغماتية: وسقوط أوهام الاستقرار القائم علىالاتفاقيات الأمنية الهشة.
  • حروب الهوية: خطر انقسام العالم إلى كتل حضاريةمتصادمة هوياتياً.
  • إعادة تعريف الاستقلال: بالتحرر من التبعية ومنالاستبداد النيوليبرالي معاً.

في نهاية المطاف، يرسم كتاب “عالم بعد غزة” الصادر عندار مدارات بالقاهرة لوحة من عدم اليقين المعرفي، حيثتتهاوى أركان السلطة القديمة تحت وطأة دخان الحرائق،مطالباً بتبني “تفكير نقدي جذري” يضع كرامة الإنسانوالعدالة المشتركة كأولوية قصوى في معركة الوجود القادمة

خالد عزب


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى