كثافة اللحظة: التباطؤ بوصفه موقفا وجوديا
استعادة المعنى المفقود: حين يصبح التباطؤ طوق نجاة في عصر السرعة الرقمية

كان الزمن في طفولتنا مكثفا جدا؛ كنا نعيش اللحظة بعمق، وكأنها عُمر وسنين. نعيشها بشكل كلي؛ إذ نذوب فيها ونُشغِّل كل حواسنا، ونعود بعد ذلك والشبع يفوح منا، وكأن جوعنا قد سدَّه سرٌّ ما في قلب اللحظة. منظر طبيعي، أو رؤية سماء البادية في الليل، رائحة ما، ملمس خشن أو ناعم… كل ذلك يخطفنا من أنفسنا ويُلقينا في قلب زمن قصير ظاهرا، وفي غاية العمق والامتداد من حيث الشعور. فماذا حصل حين كبرنا؟
نخرج إلى الفضاءات الطبيعية، نرى نجوم الليل… ولكن لا نلبث أن نأخذ صورا لتلك المشاهد. لا نعيش اللحظة، بل نؤجلها لنعيشها عبر الشاشة. ولكننا لا نعيشها أبدا، ولا نتذوقها كما كنا نفعل في ما مضى. استعبدتنا التقنية، قتلتنا السرعة، عذَّبنا التوتر، أماتتنا المقارنات، أنهكنا إدمان الشاشة… تراجع شعورنا باللحظة والطبيعة والذات. ألم تفكر كيف أن حاستي الشم واللمس قد ضعفتا، وضعف معهما الشعور بقوة اللحظة وبهائها وجلالها؟ أصبحنا نرى وندرك العالم والذات بحاستي البصر والسمع. لا أنكر أهمية الحواس الأخرى، ولكنني هنا أتحدث عن الحواس الأكثر شُغلا واستعمالا.
وعينا بعمق العالم في تراجع؛ لأننا اختزلناه إلى مُبْصرات ومسموعات. إن نزع السحر عن العالم، بقدر ما حرر الإنسان من «الخرافة»، بقدر ما أفقده المعنى وأدخله في التيه والدروب المغلقة. ترجمةُ العلم للعالم إلى معادلات ورموز… انعكست على علاقتنا بالطبيعة وبالذات وبالغير. فتواصلُنا مع أقربائنا وأصدقائنا بشكل متواصل، اعتمادا على العين والأُذن، أفقدنا حرارة الشوق ولهفة اللقاء والعناق، والحنين إلى رائحة الآباء والإخوة، ولمس أيديهم ووجوههم…
وفي ظل عالم السرعة والتوتر والقلق، يحتاج المرء إلى سلاح فلسفي، هو «التباطؤ». إنه تعبير عن موقف فلسفي بعيد الغور؛ يعني أن السرعة هي المرور على الأشياء واللحظات بسطحية، في حين أن البطء هو اغتراف من محيط اللحظة وتذوق ثرائها وعذوبة أعماقها. التباطؤ هو العيش في الزمن والسكن فيه، أما السرعة فهي الهروب منه والسكن في الفراغ. ويقتضي التباطؤ الصبر، وليس الصبر مجرد قيمة أخلاقية، بل موقفا وجوديّا مناضلا ضد اللهاث والركض وراء السراب.
نعيش اليوم في عصر أُفقي، انتقال سريع وسائل، وهروب لا معنى له؛ ما يقتضي أن نستحضر ونعيش زمنا عموديّا، نهبط من خلاله من سطح اللحظة إلى قعرها وقاعها. وهنا يتجلى التباطؤ، والصبر، والمكوث. هل حدث أن نظرت إلى الناس من فوق، من سطح عالٍ؟ كيف يبدو الجنس البشري من ذلك العلو؟ كنملٍ يتحرك هنا وهناك، متشابهون، متصادمون، متحاربون… مضحك ومحزن هو ذلك المنظر. ألم يأنِ للذين أوتوا ذرة من العقل أن يعيدوا النظر في هذا الهروب الجماعي الذي نحن فيه؟
مؤكد أننا لم نخبر عمق الدنيا، ومؤكد – أيضا – أننا مررنا من على سطحها؛ ولذلك نَحِنُّ إلى ذلك الطفل الصغير فينا، الذي رأى جزءًا من السر الأبدي من أقرب مسافة. حنينُنا إلى الطفولة يعني إرادة العودة إلى الزمن الممتد والبطيء، وإلى كثافة المعنى والعيش ببراءة. وفحوى البراءة عدمُ التكلُّف في النظر إلى العالم؛ البراءةُ عناقٌ لأبدية اللحظة. ولعلَّه يصعب على إنسانٍ مسَّه طائفٌ من السرعة أن يفهم شيئا عن البراءة الأصيلة والفطرة الهادئة.
فهل نملك الشجاعة في أن نفكر جدّيا في التباطؤ كرؤية فلسفية، تشمل العلاقات، التربية، الإنتاج الرمزي، الطعام… أن نفكر في ذلك ونمارسه؟
يمكن تكثيف ما سبق بالعبارات الفلسفية الآتية: يمكن التفكير فلسفيا في «الحواس» وعلاقتها بالمعنى. فمثلا لدينا «حواس الالتحام» (الشم، الذوق، اللمس)، ثم «حواس المسافة» (السمع، البصر). الأولى هي «تجربة فيزيائية» نلتحم عبرها مع اللحظة ونشعر بأصالتها وثرائها. أما الثانية فهي «حواس الفُرجة»، نصبح من خلالها سُيّاحا؛ في “حافلة” البصر/الأذن. نرى الأشياء والأحداث… عن بعد. من هنا، يرتبط المعنى بالتجربة الأصيلة، حيث الذات تلتحم باللحظة، ويغيب حينما نغدو جمهورا يسمع ويرى، ومن ثم يرى اللحظة نقطة في الزمن كغيرها من النقط. يتحقق المعنى الوجودي، إذن، بالمشاركة لا بالمشاهدة. ولا التحام ولا معنى إلا حين يؤطَّر بالتباطؤ لا بالسرعة.
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


