التنويريفكر وفلسفة

الحضارة المصرية القديمة قصة تاريخ لا ينسى

بين أصالة النشأة وعبقرية الانصهار البشري: قراءة في جذور وتطور الدولة في وادي النيل

ظل العالم المتحضر فترة من الزمن لا يعرف فيما شيئا عن نشأة الحضارة المصرية وتطورها بل وخيل للكثير من الباحثين بأن تلك الحضارة التي توحي أثارها بالنمو والازدهار والتعقيد لم تكن أصيلة في مصر ولم تتطور فيما وإنما جلبت إليها من الخارج في صورة راقية , إلا أن العثور على آثار تمثل الحضارات السابقة لعصر الاسرات (أي الحضارات البدائية ) في سلسلة متتابعة تكاد تكون متكاملة أثبت أن الحضارة المصرية أصيلة في مصر نشأت وتطورت فيما وأن كان الامر لا يخلو بالطبع (كما هو الحال في الحضارات الأخرى) من التأثر بحضارات الأقاليم المجاورة في بعض مظاهرها . ولكن مما لاشك فيه بأن البيئات المتشابه والأجناس المتشابهة تنتج حضارات متشابهة وهكذا كان تشابه بيئات الشرق الادني القديم مما يعقد الأمور في التعرف على انتقال الحضارات من بيئة لأخرى . 

ولما كانت الحضارة المصرية قد وصلت إلى درجة رفيعة من التقدم والرقي فإنه كان من الاهمية بمكان أن الباحثون في التواصل إلى معرفة الجنس الذي يعد مسئولا عن هذه الحضارة أو الذي أبدعها وأنشأها إلا أن كل الجهود التي بذلت لم يؤدي حتى الآن  إلى نتيجة حاسمة إذ لم يعثر على بقايا بشرية يمكن الحكم منها على نوع السكان الذين عاشوا في العصر الحجري القديم وقد حاول العلماء عبثا التعرف على هؤلاء من مخلفات العصور التالية , وأقدم ما وجد من مخلفات بشرية يدل على وجود عناصر مختلفة كانت تعيش جنبا إلي جنب ولذا يمكن القول بأن الحضارة المصرية ترجع إلى أجناس مختلفة عاشت في وادي النيل واحتك بعضها بالبعض كما كانت لهم علاقات بالأجناس المشابهة التي عاشت في الأقطار المجاورة ولذا قال بعض المؤرخين بأنه لم يوجد مصري على الإطلاق وأنما مصريون ويعني هذا أنه لم ينفرد في مصر جنس وأحد وإنما وجدت أجناس متجاورة اختلطت ببعضها وكونت في بمجموعها سكان و أدى النيل الأدنى . 

ومما لاشك فيه أن الشعبة الحلمية من جنس حوض البحر المتوسط كانت أكثر العناصر نشاطا في شمال أفريقيا بما في ذلك وادي النيل , ويبدو أن جنسا له بعض الصفات الزنجية قوي التكوين والبنية كان يسود العالم القديم وقد دخلت إلي وادي النيل في أثناء دخوله إليها عناصر حامية قليلة العدد ثم ما لبثت هذه الاخيرة أن ازداد عددها حتى أصبحت هي الغالبة في الوادي ورغم ذلك ظل خليط تلك العناصر مع الجنس القوي البنية ممثلا في معظم العصور التاريخية . 

ومن المعروف كذلك أن عناصر كثيرة مختلفة قد دخلت إلى مصر في عهودها المختلفة ولكن هذه لم تؤثر في التكوين الجنسي للسكان الا بنسب ضئيلة لان تلك العناصر عند دخولها إلى مصر لا تلبث أن تختلط بالسكان وتندمج فيهم وتفقد مميزاتها الجنسية بالتدريج وأن ظلت بعض تلك المميزات تظهر في العناصر من اختلاطها حينا بعد حين.

وقد أدي تشابه بعض مظاهر الحضارة في مصر مع مظاهر للحضارة في جنوب غربي أسيا إلي الاعتقاد بأن الحضارة المصرية قد نقلت من هذه الجهات إلى مصر عن طريق هجرة من الهجرات ولكن تشابه ظروف البيئة في تلك المرحلة البدائية يجعلنا نتردد كثيرا في الأخذ بهذا الرأي . ومع كل فإن انتقال تلك المظاهر الحضارية قد تم عن طريق احتكاك مباشر أو غير مباشر بين سكان وادي جنوب غربي آسيا وليس ضروريا أن يكون عن طريق هجرة من الهجرات . 

فنشأة الحضارة في مصر إذن مازال يكتشفها الغموض ومما قيل في ذلك فإن ما يعنينا هو أننا نجد في العصور الفرعونية حضارة بهرت العالم ووصلت إلى مدى بعيد في ميدان التقدم في كافة مظاهرها المختلفة وقد تمثلت في مصر دولة قوية فنية بحكمها بيت مالك له تقاليده ومراسيمه المعقدة ويحيط بالملك حاشية يحمل أفرادها مختلف الألقاب ويحتلون مناصب رفيعة , وتكاد تحاكي في تنظيمها الإداري ما تسير على في حياتنا الحاضرة وكانت الطقوس الدينية تقام في المعبد في صورة لا تختلف كثيراً عن الطقوس التي تقام في بعض العبادات الحديثة وكان الجيش بتبع أساليب وفنون حربية تسير وفق الأسس التي تقوم عليها الجيوش النظامية – وهكذا في سائر النظم كانت مصر دولة لا تختلف في كيانها كثيراً عن أي دولة حديثة . 

ويرى كثير من  الأثرين بأن الحضارة المصرية كانت حضارة مادية حسية في أساسها وأنها كانت تهدف إلى الناحية العلمية دون النظرية . 

ولكن ما لا شك فيه أن كثيرا من النتائج العلمية التي وصل اليها المصري كانت عن طريق اتجاهه إلى بعض النواحي النظرية أي أنه سما بتفكيره عن تحقيق أهداف تلك الأهداف العلمية والنظرية في وقت واحد.

محمود رفعت

المراجع:

-أحمد أمين سليم : دراسة تاريخية لنشأة الاسرة الثالثة وتطورها السياسي  والحضاري , (رسالة دكتوراه), الاسكندرية 1981م . 

3-أحمد أمين سليم : دراسة تاريخ ايران القديمة وحضارتها , ط 1 : أيران منذ اقدم العصور حتي أواسط الالف الثالث قبل الميلاد , بيروت 1988م . 

4-أحمد أمين سليم :دراسات في تاريخ الشرق الادني القديم , مصر والعراق وايران , بيروت 1988. 

5-أحمد بدوي : هيرودوت يتحدث عن مصر , القاهرة   1966م .  

6-أحمد فخري : الاهرامات المصرية , القاهرة   1963.  

7-أحمد فخري :مصر الفرعونية   القاهرة  1971م . 

8-أحمد محمود صابون : حور محب (رسالة ماجستير ) الاسكندرية 1980م . 

9-جبرائيل سعادة : راس  الشمرة – أوجاريت , اللاذقية 1968م . 

10-حسن ظاظا : الساميون ولغاتهم , الاسكندرية 1971م . 

11-رشيد الناضوري : أقدم صلات حضارية بين مصر ولبنان , الاسكندرية 1968م . 

محمود رفعت يعقوب الحلو باحث في التاريخ والحضارات .

حاصل علي ليسانس اداب وتربية – جامعة قناة السويس-قسم التاريخ والحضارة. 2015.

مؤلف كتاب مقتطفات من تاريخ الحضارات.

شاعر وكاتب.

العريش-شمال سيناء-مصر. 

01040373182


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى