التنويريفكر وفلسفة

فـي ثـراء الـتـجربة البشرية: أو الأصالـة الإنسانية في الـمسيرة الـكونية

"من فناء الجسد إلى خلود المعنى: تأملات في تحولات الكائن البشري وسر التفرد في الكون

حين يموت الإنسان تتحول ذراته إلى التراب فإلى الأعشاب وإلى كائنات أخرى (قانون بقاء المادة)، وكأنه يأبى إلا أن يستمر بأشكال مختلفة. فضلا عن استمرار وجوده من خلال آثاره، أو من خلال “الـميـمـات” بلغة “ريتشارد دوكنز”؛ الأثر التربوي والمعرفي والجيني… ومعنى ذلك أن البعد الطبيعي في الإنسان يحمل رسالة تفيدنا في فهم البعد الأزلي/الإلهي. إن الاستمرار الوجودي بمختلف أشكاله تجسيد للخلود والأبدية، وكأن الطبيعي يأبى إلا أن يحاكي الأزلي؛ لأن الأزلي ذاته شرط له؛ وكأنه علة غائية بلغة أرسطية. وفي ذلك نزوع واقتراب من اللامُتناهي؛ وهي مسيرة لا تنقطع وإلا فقد الأزلي أبديته وإطلاقيته.

حين يموت الإنسان يفقد الكون مرآة عاكسة وخبرة لا تتكرر في فهم الوجود، ورغم أن الكون يجدد فهمه لنفسه من خلال ولادة الإنسان البيولوجية والفكرية، إلا أن موت إنسان بعينه لا يعني أن الذي يخلفه سيكون مطابقا له، بل تُدفن خبرة وتولد أخرى جديدة، والذي يجعل الخبرة الفردية أصيلة أنها تحمل سرّا أزليا ـ النفخة الإلهية، ولذلك، ففهم الكون من طرف إنسان معين يختلف عن فهم الآخر؛ لأن التجربة والخبرة مختلفة، وحين نرى الكون والوجود بهذه الخبرات نشعر فعلا كم أنه غني وثري ولغز مستمر، لأنه نتاج أزلي لا يُستنفد.

طُرق فهم الكون والوجود متعددة؛ الحس والعقل والحدس، وكل يُدرِك الأزلي بدرجة معينة، من هنا تعدد وتنوع الخبرات والتجارب، وهنا تكمن قيمتها في الوقت نفسه. ليس ثمة تطابق إلا حين يتراجع دور العقل والحدس. وإدراك الطبيعي والأزلي إدراك ومعرفة مركبة جدا، يتداخل فيها العلمي والفلسفي والجمالي واللاهوتي… وهذه الأبعاد إنما تعكس تعقد الإنسان أو بالأحرى ثراء الطبيعي ولانهائية الأزلي.

لذلك كانت الكتب واللوحات والروايات والقصائد والموسيقى… تعبيرات عن رؤية الإنسان لذاته وللوجود وللإلهي… ولا ينبغي أن نستخف بها، فلها قيمتها بشرط أن نفهمها ونتذوقها ونفحصها وندقق فيها… قد نجد فيها أنفسنا، وقد نتعرف فيها على ما كان ينقصنا، وقد تُبيِّن وتفضح أوهامنا، وقد تدفعنا لاكتشاف ما لم نفكر فيه… إن التجربة الإنسانية بقدر ما هي مثيرة وغنية، بقدر ما يجب أن تدفعنا نحو الانفتاح والتسامح والتكامل لا العكس. فهي تاريخنا القصير في كون جئنا فيه متأخرين؛ كون تاريخه طويل.

حين ننفتح على غيرنا من نوعنا ونستوعب تاريخه ورؤيته للوجود، نكون حينئذ قد أضفنا ذلك إلى هويتنا/ماهيتنا المتجددة لنُسلّم ذلك للأجيال القادمة… التجربة الإنسانية أمانة تُنقل، وليست مجرد ترف، بل “وثيقة وجودية” في حياة البشرية/الإنسانية. التجربة الإنسانية متجددة ومتقدمة وعلينا إثراؤها وليس تكرارها فحسب. حين أستوعب التاريخ فإنه يصبح جزءا مني، ولكن ينبغي أن أضيف إليه وأُسلّم ذلك لغيري. هكذا نصنع التاريخ وهكذا نُشهِد الكون أننا كنا فيه فاعلين. سنخلد في الحياة الدنيا بعد موتنا؛ الحياة الدنيا التي يرتبط فيها الطبيعي بالإلهي، ونخلد كذلك بعد موتنا؛ في أبعاد أخرى من الحياة؛ حياة عليا؛ قُرب أكثر من الإلهي/الأبدي.

فهل فهمنا “سَاغَـان” حين قال: “على هذا الكوكب يوجد الناس، ونحن نوع نادر ومُعرّض للخطر، وإذا ما اختلف إنسان معكـ؛ دعْه يعِش، لأنك لن تجد إنسانا آخر في مائة مليار مجرة”؟ مُؤكد أنه يريد بمفهوم الإنسان “التجربة الفردية التي لا تتكرر ولا تُستنسخ”، ونقول أيضا مؤكدين: إنه على الرغم من تقديمنا تجربتنا وخبرتنا لغيرنا، لن نقدمها كاملة، لأن ثمة أشياء لا تقال بل تُتذوق وتُعاش وتُفهم ولا تلبس رداء اللغة (الكواليا)، وذلك تذكير بأنه ما دام الإنسان يحمل شيئا من السر الأبدي، فإننا لن نستوعبه كليا ونفهمه تماما، من هنا حلاوة ولذة البحث المستمر من أجل الفهم، وفي ذلك تنمو الملكات الإنسانية؛ ألم يقل “لِسِنْج”: لو كان بيد الله اليمنى الحقيقة كلها، وبيسراه البحث المستمر عنها، مع الخطأ، وخيّرني بين هذا وذاك، لجثوت عند يسراه، قائلا: بل ما بيسراك، أما الحقيقة الناجزة فلا تليق إلا بك وحدك. وهذا وعي عميق بأن البحث عن الحقيقة والفهم وتجديد الرؤية… هو حركة الروح نحو الاقتراب من السر الأبدي الذي نغترف من محيطه دون أن نرتوي. ولعل ذلكم السر هو محرك البحث المتواصل والذي يظهر ظِلّه، في الوقت ذاته، في الذرة والمجرة، في العالم الأصغر والأكبر

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى