التنويريمنوعات

المفقود من تراث المطبخ المصري 

رحلة عبر الزمن: اكتشاف أصالة المطبخ المصري من الخبز الفرعوني إلى الفول المدمس والفطير المشلتت

عزيزي القارئ في كل دولة هناك مطبخ وطني له تراث ، إلا مصر لديها مطبخ وطني له تراث عريق، دون برامج أو خطط للحفاظ علي هذا التراث ، بل دون وظيفة لنعكس بموارد ضخمة تنعكس على الاقتصاد الوطني، بل إنك تندهش من كلمة مفقود في العنوان، حقيقة إن هناك نزيف مستمر في تراث المطبخ المصري، ففي كل عقد تفقد جانبا منه، يبرهن على هذا أنه إلي منتصف القرن العشرين، كان لدينا 300 نوع من الخبز المتبقي منها لا يتجاوز ال30 نوع، أي أننا فقدنا 90 % من تراث الخبز المصري، دعني عزيزي القارئ أأخذك في رحلة إلى تراث هذا المطبخ : 


كان المصريون القدماء يعرفون كيف يهيئون الطعام بطريقة سائغة من قائمة النباتات والحيوانات المتوافرة آنذاك ، وفي المنازل البسيطة، كان يوجد موقد يرتكز على صفين أو ثلاثة من الأحجار، واستخدمت بقايا النباتات المزروعة بعد تجفيفها، وأيضًا روث الحيوانات كوقود، استخدم هذا الموقد في الطبخ، وفي منازل الأثرياء، كانت توجد أفران أسطوانية الشكل لها باب من أسفل لسحب الرماد الناتج عن الحريق، ومن أعلى يمكن إدخال المواد التي تستخدم في الحريق، كما يوضع الوعاء لتسخينه، وكانوا يستخدمون الخشب أو الفحم الناتج عن الخشب،  ولإشعال النار كانوا يستخدمون قضيب النار، وهو عبارة عن عصا جافة جدًّا يحركها الإنسان بسرعة فائقة علي قطعة من الخشب، وهذه الطريقة وهذا الفرن كان يستخدم في ريف دلتا مصر وصعيدها حتى وقت قريب، بل وما زال مستخدمًا في بعض قرى الريف المصري .

و تنضوي  اللغة المصرية القديمة على أفعال محددة للتعبير عن “يشوي” و”يسلق” وكان الطباخون يستخدمون الدهن والزيت لعمل “اليخني”، وهو أكلة كثيرة التوابل، وكان المصريون القدماء يتناولون وجبتين يوميًّا، الأولى في الصباح عند الاستيقاظ، والثانية في المساء عند هبوط الليل، وأثناء النهار كانوا يقضونه بقضم بعض اللقيمات، ويتناولون الطعام وهم جالسون، وباليدين من صينية موضوعة على منضدة صغيرة بقاعدة .

الخبز عند المصريين:

تركز النظام الغذائي للمصري القديم حول تناول الخبز والبيرة، فكان يتم تناولهم عند كل وجبة، حيث مثل الخبز مصدر أساسي للطاقة والبروتين . 

استخدم المصري القديم ثلاثة أنواع من الغلال لإعداد الخبز هي : الشعير، الذرة، القمح، وكان الأغنياء يخزنون مؤنهم من الحبوب بالقرب من منازلهم أو فوق سطوحها، وقد عُثر على العديد من أرغفة الخبز في المقابر، وربما كان السبب في ذلك هو إنتاج نوع جيد من الخبز الذي يقدم قربانًا للمتوفى ، والعديد منها محفوظ في متاحف العالم أحدها يعود إلى عصر ما قبل الأسرات عثر عليه في مركز البداري محافظة أسيوط بصعيد مصر، ويوجد في المتحف الزراعي و المتحف المصري بالقاهرة العديد من نماذج أرغفة الخبز المصري.

كانت طريقة إعداد الخبز المتبعة منذ فترة مبكرة بطيئة وتتطلب عدد كبير من العمال الذين كان يجب إطعامهم إن لم يدفع لهم أجرًا  فبعد تنقية الحبوب من كافة الشوائب تسلم إلى جماعة يزيد عدد النساء فيها عن الرجال، ويعمل الرجال في البداية يضعون قليلاً من الحبوب في مدق من الحجر يتكون من إناء عميق توضع الحبوب بداخله، ويتولى بالتناوب شخصان أو ثلاثة أشخاص أقوياء طحنها بواسطة مدقة ثقيلة يبلغ طولها ذراعين، ثم تطورت فكرة المدق بعد ذلك إلى الطاحون  الذي يتكون من جزأين توضع الحبوب في الجزء العلوي منه، وعندما تضغط الطاحون على الحبوب تطرد الدقيق إلى الجزء الأسفل، فتقوم المغربلات بغربلة الدقيق المطحون لفصل النخالة عنه، ثم تكرر هذه العملية عدة مرات حتي يأخذ الدقيق النعومة المطلوبة، وأحيانًا ما تصور امرأة تقوم بوضع قوالب مخروطية الشكل فوق النار، بحيث تصل النيران إلى جوانب المخروط الداخلية، وتمسك بإحدى يديها مروحة حتى تزيد النيران اشتعالاً، وتحمي بيديها الأخرى عينيها، وعندما تصل الحرارة عند الدرجة المطلوبة يضعون هذه القوالب على لوحة ذات ثقوب مستديرة يملئونها بالعجين المختمر، ثم تغلق فتحة القالب العليا، وينتظرون حتى ينضج الخبز، ثم يسحبونه من الفرن ويرفعونه من القوالب ثم يعدونه؛ لأن المصريين يعدون كل شيء، وتحمل السلال الممتلئة بالخبز إلى أولئك السعداء الذين يأكلون الخبز، وهذه الطريقة في صناعة الخبز كانت متبعة منذ عهد الدولة القديمة، لكنها بطيئة، ولكن تطورت لاحقًا بحيث أمكن خبز عدد وفير من أرغفة الخبز .

إن تعدد أشكال وأنواع الخبز في مصر القديمة، جعلت منه حقلاً واسعًا للعديد من الدراسات، وإن كانت بعض أنواعه مازالت تصنع في ريف مصر بالدلتا وفي صعيد مصر، بل حتى إن بعض أسماء هذه الأنواع مازالت تستخدم حتى اليوم، ومنها بات أو باتو، وهي أرغفة مستديرة الشكل، وفي المتحف المصري على مائدة  قرابين نفرو بتاح، نقشت أرغفة كبيرة مستديرة كتب عليها “بات وجات” أي “الخبز الطازج” . 

 مخبز يعد الخبز على الطريقة المصرية 

المشلتت:

عرف قدماء المصريين الفطير المشلتت ، فقد عثر على وصفة في مقبرة الوزير رخمي رع من الأسرة الثامنة عشر – وهو وزير من عهد الملك تحتمس الثالث وأمنحتب الثاني – لفطير يُسمى (المَلتوتْ) وهذه الكلمة تعني (المُطبَقْ) أو (المُوَرَقْ) مما يعني أنه كان يتكوّن من طبقاتٍ عديدة. ومع مرور الأيام بات الفطير جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية المصرية. وذلك بعد أن انتشر الفطير المشلتت في قرى مصر ومدنها، لكنّه تطوّر تدريجيًّا حتى افتتحت حوانيت له عرفت بالفطاطرية . 

وكان من عادة المصريين في الأرياف والصعيد عمل الفطير المشلتت المالح وليس المُحلّى بالعسل أو السكر، وقد اعتادوا أن يقدموا إلى جانبه أصنافًا من الجبن القديم والمِشْ والعسل الأبيض والأسود بالطحينة. يخبز الفطير المشلتت بالسمن البلدي، ومن هنا تأتي رائحته الذكية النفاذة .

يذكر الكاتب محمد جميل أن  القاهريون عرفوا قديمًا عطفة صغيرة عُرفت باسم “باب الغدر”،  وعلى الرغم من غرابة الاسم، فإن هذه العطفة كانت تمثل مدينة الفطير في القاهرة، وينقل عن  تحقيق مثير نشرته مجلة الدنيا المصورة التابعة لدار الهلال بتاريخ 17 أبريل/نيسان 1930، فقد عرفت هذه العطفة في حي الحسينية نشاطًا غير عادي منذ باكورة الصباح. ففي الساعة السادسة من كل صباح في مختلف الأزقة والحواري والميادين، كان البائعون يرتصّون على صندوق خشبي وأمامهم ألواح من الصاج وقد ارتصت فوقها الفطائر المستديرة وأوعية السكر الناعم والزيت، واعتاد أن يجلس أماهم مجموعة من العمال، لتناول تلك الفطائر الشهية الغارقة في السكر والزيت حتى تعينهم على قضاء أشغالهم اليومية. 

الفول: 

يعد الفول من أهم البقول التي عرفها قدماء المصريين منذ عصر الأسرات الأولى، وعثر “شفينفورت” على بذوره في أحد قبور الأسرة الثانية عشر وفي طيبة من عصر الدولة الحديثة، وعثر على بذور الفول في قبور بسقارة، وكوم أوشيم من العصر اليوناني الروماني، وهي محفوظة في المتحف الزراعي بالقاهرة .

والفول المدمس هو طعام محبوب ولون مصري أصيل للطعام، وكان قدماء المصريين يضعونه في قدور بها ماء، ثم توضع هذه القدور في رماد الفرن، وتظل به مدة إلى أن ينضج، ثم يؤكل مدمسًا، والمكان الذي يسوى فيه الفول يعرف لدى المصريين بالمستوقد، أما كلمة مدمس، فهي تشير إلى الطريقة التي ينضج بها الفول، وهي دفنه في الوقود والرماد، فالفول المدمس تعني بالمصرية القديمة “الفول المدفون” وأصلها “تمس” وحرفت بالعربية إلى مدمس.

بائع الفول المدمس في القاهرة ، ومن الملفت أنه يبيعه في قدر من الفخار وهو ما درج عليه في  تسوية الفول منذ العصور المصرية القديمة إلي نهاية القرن 19 م .

وكان عامة المصريين في العصور القديمة يأكلون الفول مدمسًا، بينما كان الكهنة يكرهونه، ولعل السبب في ذلك أنه كان يسمن الأجسام، بينما هم كانوا يتوخون النحافة والزهد، ليتفرغوا للدرس والتعمق في الدين . 

الفلافل: 

أعد المصري القديم الفلافل من نبات الفول، ونرى في أحد المشاهد المصرية القديمة صنع أربع فطائر من الفول، مزجت عجينتها بالماء في حوض، ويلحظ أن هذه العجينة قد أخذت من الحوض وقطعت إلى أجزاء في هيئة أقماع، وذلك بدحرجتها على لوح، ثم إعطاؤها الشكل النهائي باليد، ولابد أن هذه الفطائر كانت تسوى على النار. كما صنع المصريون القدماء من الفول “البصارة” المستخدمة حتي اليوم، وعرفت في المصرية القديمة “بسي. أورو” أي فول مطبوخ. 

إن بناء أرشيف قوي للمطبخ المصري وتبني برامج لترويجه ستجعل منه علامة من علامات مصر التراثية والاقتصادية، حيث أن المطاعم التي ستقدمه في أي دولة ستكون في حاجة لليد العاملة في مصر ، كما سيكون أداة لتصدير خاماته المصرية، وسيجذب السياح لتناوله، ومن الغريب أننا لم نسجل أي من الأكلات المصرية في قائمة التراث اللامادي العالمي في اليونسكو ولا حتي الملوخية ولا حتي الكشري .

خالد عزب 


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى