
منذ تأسيسها أواخر السبعينيات، رسّخت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حضورها بوصفها قوة اجتماعية مهيكلة، ذات رؤية تقدمية ، و فاعلا مركزيا في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والطبقة العاملة. ويكشف مسارها النضالي بوضوح عن نضجٍ تنظيمي، وصمودٍ نضالي، وقدرة استثنائية على تعبئة الشغيلة وتأسيس تقاليد جديدة في الفعل النقابي والديمقراطي.
1: البديل التاريخي (1978–1981)
شكّل ميلاد الكونفدرالية سنة 1978 نقطة انعطاف حاسمة في تاريخ الحركة النقابية المغربية. فقد تأسست تحت شعار “تعبئة من أجل بناء إطار ديمقراطي ووحدوي لتصحيح المسار التاريخي للطبقة العاملة”، في سياقٍ مطبوعٍ بالتضييق السياسي والاجتماعي خلال سنواتها الأولى، قادت الكونفدرالية إضرابات وطنية واسعة في التعليم والصحة والبترول والغاز (1979)؛ كما نظمت أول إضراب وطني عام تضامنا مع القضية الفلسطينية في 30 مارس 1979. ثم خاضت إضراب 20 يونيو 1981 التاريخي ضد ارتفاع الأسعار والتقويم الهيكلي، في مواجهة عنيفة مع السلطة. وفي هذه المرحلة التأسيسية، جعلت الكونفدرالية من الديمقراطية، والتضامن، والعدالة الاجتماعية أعمدةً لهويتها النضالية.
2: ترسيخ ثقافة التفاوض الاجتماعي (1986–1998)
تميّزت هذه المرحلة، أيضا، ببعض أهم الإنجازات في تاريخ الحركة النقابية بالمغرب من أبرزها :عقد المؤتمر الوطني الثاني (1986) الذي أرسى مفهوم “النضال من أجل التحرر والتنمية”. ثم جاء إضراب 14 دجنبر 1990 الذي غيّر مسار الحوار الاجتماعي. وتلت كل هذا الزخم محاكمة الكاتب العام نوبير الأموي (1992)، التي جعلت من الكونفدرالية رمزاً للنضال ضد الفساد واستعمال المال العام. ثم إضراب 5 يونيو 1996 الذي أدى لأول مرة في تاريخ المغرب إلى فتح حوار ثلاثي بين الدولة والنقابات و الباطرونا، وعلى إثره كان توقيع أول اتفاق اجتماعي ثلاثي في 1 غشت 1996. وبهذا المكسب التاريخي للطبقة العاملة، أدخلت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل المغرب إلى عصر التفاوض الاجتماعي بوصفه آلية مؤسساتية لحل النزاعات وحماية الحقوق.
3: تجديد التعاقد الاجتماعي (1997–2008)
عملت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل ، خلال هذه الفترة، على تعميق تنظيمها عبر: تنظيم المؤتمر الثالث (1997) والرابع (2001)، مع التأكيد على وحدوية العمل النقابي والدور الاستشرافي للكونفدرالية. كما واصلت قيادة إضرابات وطنية متتالية 2002–2003 بسبب غياب الحوار. إلى أن كان توقيع اتفاق 30 أبريل 2003، ثم اتفاق 28 يناير 2004.
لكن قرار الانسحاب من مجلس المستشارين (2008)، كان خطوة جريئة وغير مسبوقة ونوعية لحماية استقلالية العمل النقابي، وقد شكّل محطة مفصلية في ترسيخ استقلالية القرار النقابي ورفض تحويل النقابة لأداة انتخابية.
4: استعادة المبادرة الاجتماعية (2008–2014)
دخلت الكونفدرالية مرحلةً جديدة من النضال الجماهيري الواسع عبر مسيرات وطنية من أجل الكرامة والحريات (2010–2013) ، والمشاركة في دينامية الشارع خلال 2011، بما فيها مقاطعة الاستفتاء الدستوري، ثم مسيرات وحدوية عمالية للمطالبة بإصلاحات جوهرية (2014)، وصولا إلى انعقاد المؤتمر الوطني الخامس تحت شعار “التعبئة العامة للإصلاح الحقيقي”.
وقد تميّزت هذه المرحلة بقدرة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على مواجهة التراجعات الاجتماعية والمساهمة في تأطير الاحتجاج الشعبي.
5: مقاومة الهجوم على الحقوق والحريات (2015–2019)
شهد المغرب في هذه الفترة توترا اجتماعيا واسعا، وكانت الكونفدرالية في الصفوف الأولى بخوض إضرابات وطنية بسبب تغييب الحوار الاجتماعي (2015–2016)، والتضامن الواسع مع معتقلي الحراك الاجتماعي (2017–2018)، والانخراط في الحملة الوطنية لإسقاط مشروع قانون الإضراب (2019)، رفض التوقيع على اتفاق 25 أبريل 2019 لعدم استجابته لانتظارات الشغيلة. وجميعها مواقف أكدت أن الكونفدرالية ليست مجرد نقابة مطلبية، بل حركة مقاومة اجتماعية تتصدى لمحاولات تقييد الحق في التنظيم والإضراب.
6: نقابة في قلب الجائحة (2020–2021)
خلال جائحة كورونا، كانت الكونفدرالية من أوائل الهيئات التي طالبت بتشكيل لجنة يقظة اجتماعية (2020) والتنديد بتجميد الحوار وغياب رؤية اجتماعية للدولة، وخوض احتجاجات وطنية ضد غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية.
وفي السابع من شتنبر2021، سيفقد المغرب والحركة العمالية العالمية القائد النقابي نوبير الأموي والذي شكل رمزا جسّد تاريخاً طويلاً من الصمود والنزاهة.
7: دينامية نضالية متصاعدة (2022–2025)
عرفت السنوات الأخيرة تصاعداً في الحراك الكونفدرالي نتج عنه اتفاق 30 أبريل 2022، ثم الاحتجاجات الواسعة بسبب عدم تفعيله، ووقفات ومسيرات وطنية من أجل الخدمات العمومية والقدرة الشرائية (2022–2024). واستمرار التضامن المبدئي مع فلسطين على مدى عقود، عبر:مسيرات وطنية في 2023 و2024 وأسبوع التضامن الكونفدرالي 2024، ودعم الشكاية الدولية ضد الكيان الصهيوني.
وفي 2025، إضراب عام وطني (5 فبراير 2025)، ومسيرات وطنية كبرى ضد تدهور القدرة الشرائية والهجوم على المكتسبات. ثم انطلاق التحضير للمؤتمر الوطني السابع تحت شعار:”الوفاء لمبادئ التأسيس ومواصلة النضال الاجتماعي والديمقراطي”.
8: عناصر تفوق الكونفدرالية في تأسيس تاريخ اجتماعي جديد
من خلال قراءة مسار الكونفدرالية الديمقراطية للشغل منذ 1978 إلى 2025، تتضح العناصر التالية التي تجعل الكونفدرالية فاعلاً نوعيا في صياغة تاريخ اجتماعي جديد، من أبرز سماته:
ريادة النضال العمالي والديمقراطي بالجمع بين الدفاع عن المطالب المادية والنضال من أجل الحريات، فكانت مدرسة تجمع بين الاجتماعي والسياسي دون أن تفقد استقلاليتها.
تأصيل ثقافة التفاوض الاجتماعي بفضل مواقفها وإضراباتها، تحوّل الحوار الاجتماعي من استثناء إلى تقليد مؤسساتي.
البعد القومي والإنساني، منذ 1979، جعلت من فلسطين بُعدا ثابتا في هويتها، عبر مسيرات، إضرابات، حملات تضامن، ورفع شكاوى دولية.
استقلالية القرار النقابي، جسدته كل المواقف النضالية وأيضا قرار الانسحاب من مجلس المستشارين سنة 2008 والذي كان محطة تؤرخ لاستقلالية غير مسبوقة في العمل النقابي المغربي.
استمرارية تنظيمية قوية، عبر سبعة مؤتمرات وطنية في ظرف نصف قرن تقريباً، عرفت نقاشا عميقا وتطورا مطردا في تطوير مؤسسة نقابية حية ودينامية.
توازن بين النضال والتفاوض: لم تكن الكونفدرالية نقابة احتجاج بلا بديل، بل قوة اقتراحية أنتجت اتفاقات تاريخية (1996، 2000، 2003، 2022…)
لقد تمكنت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، عبر مسارها الطويل، من تأسيس تاريخ اجتماعي جديد بالمغرب، تاريخ يقوم على شرعية النضال المدني، ومركزية الحوار الاجتماعي، واستقلالية القرار النقابي، والربط الجدلي بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، وانخراط حقيقي في قضايا الأمة والإنسان.
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






