التنويريمكتبة التنويري

مذكَّرات النبيل عباس حليم

هي مذكَّرات صادمه لكل ما راج تاريخيًّا قدَّمها الأستاذ أيمن عبد المعطي، وصدرت عن دار المرايا في القاهرة مع دراسة وافية.

مليئة بالموضوعات عن فترة مهمَّة من تاريخ مصر الحديث في خريف حكم أسرة محمد علي، تحديدا في عهدي فؤاد وفاروق، حكايات شارك الأمير في معظم أحداثها، قصص تكشف عن كم الفساد والنهب الذي تعرَّضت له مصر في عصر الملكية.

ولكن، لأسباب صاحبت وقت صدور تلك المذكَّرات، تم إسقاط ملامح أساسية من وجه النبيل، وهي ما تظهر دوريه السياسي والنقابي اللذان اشتهر بهما بعد عودته من أوروبا ببضع سنوات. فالنبيل المشاكس ظهر بوصفه عازفا للحن مغاير لما تردِّده الجوقة الملكية وأصحاب المقام الرفيع فيما يخص سياسة القصر والوزارات التابعة له. أيضا لعب دورًا مهمًّا في تأسيس نقابات عمالية وقيادة اتحاد العمال في فترات مختلفة، بل أسس حزبا للعمال في تحدي للأحزاب الموجودة وعلى رأسها الوفد.

عباس حليم -رغم مشاكله الكثيرة- يعد شخصية فريدة من نوعها، فسليل العائلة المالكة يعارض سياسات ملوكها ويتحداهم على صفحات الجرائد ورؤوس الأشهاد ويدعو الأحزاب للاصطفاف الوطني لمواجهة أزمة الحكم، بل يصل به الأمر، لأن يهتم بأحوال وقضايا طبقة العمال التي تنتمي للعالم السفلي المكتوي بنار طبقته وأعوانها.

من وجهة نظري لا يمكن وصف النبيل عباس حليم بالشيوعي كما يحلو للبعض ممن يغالون في الأدوار التي قام بها، أو التماشي مع وصفه لنفسه بأنه محب للاشتراكية وضد الشيوعية والتعصب الديني، فلم يطرح يوما من خلال برامج الاتحادات العمالية التي ترأسها أو حزب العمال الذي أسسه موقفا واحدا على يسار القوى الحزبية والسياسية اليمينة والوسطية والمحافظة الموجودة، أو أفكارا تدعو للنضال ضد أصحاب الأعمال لكسب الحقوق المهدرة، أو أنه يمكن أن يلعب العمال من خلال حزبهم دورا سياسيا في الصراعات الدائرة. على عكس ذلك تماما كان يسعى دوما للتوسط بين العمال وأصحاب الأعمال عبر عقد جلسات عرفية لتصفية الخلافات بينهما وتقريب وجهات النظر بحيث لا تطغى مصالح فريق على الآخر. زد على ذلك أن قانون الاتحاد الذي ترأسه ينص على أن سلاح الإضراب ليس من وسائله المشروعة ما دامت هناك سبل أخرى للوصول للهدف. هكذا أوضحت مواقف الزعيم أنه يمثل تيارا وسطيا… يسار القصر ويمين الحركة.

ولا يمكن بالطبع الوقوع في خطأ التطرف المقابل بالتقليل من شأنه ودوره في الحركة العمالية وخصوصا رافدها النقابي، والتي بسببها سجن مرتين وأصبح من المغضوب عليهم، وهذا هو سببنا الرئيس لاهتمامنا به وبأدواره ومذكَّراته. أيضا من الخطأ أن ننظر إليه بشكل رومانسي على أنه تعبير عن حالة أخلاقية أكثر منها سياسية لنبيل يتعاطف مع العمال والطبقات الفقيرة الأدنى في المجتمع ولكن من نفس موقعه الطبقي، لأن الأمر كان أبعد بكثير من التعاطف والشفقة.

في الحقيقة يمكننا بكل أريحية أن نصف النبيل بالـ”البرجوازي الإصلاحي” هو نموذج للهيمنة من الطبقات الأعلى على منظمات العمال بهدف ترويضها وألا يفلت زمامها وتصبح قوة تهدد المصالح الكلية للمسيطرين. وفي الممارسة العملية هو أقرب لأداء “الإصلاحي النقابوي” الذي يسعى من خلال وساطته لتقليل حدة الصراع بين الرأسمالية والعمال دون المساس بنمط الإنتاج والمجتمع الطبقي اللذان يمنحانه لعب دور المُلطف للأجواء، فقد لعب دور الكابح لاحتجاجاتهم وحائط الصد ضد تصعيد مشكلاتهم أو تدخل قوى سياسية فيها بهدف تسييسها، فهي -في نظره- أمور محض عمالية داخلية تنتهي بتدخله الكريم لحلها وتصفية وإرضاء النفوس.

ويتضح ذلك في فهمه للاقتصاد، فالنبيل يرى أن هناك فروقا بين الرأسمال الأجنبي المستغل المرتبط بالدول الاستعمارية الكبرى وبين الرأسمال الوطني الساعي لبناء اقتصاد يكون فيه لأصحاب الأعمال والعمال أدوارا على قدم المساواة في تطوير الحرف والصناعات الداخلية بأيدي مصرية. غير ذلك نجده من الداعيين لضرورة الاستفادة من خبرات ورؤوس أموال اقتصادات أخرى غير طامعة في استعمار مصر كألمانيا مثلا التي حارب ضمن صفوفها في مواجهة إنجلترا. وكأن المشكلة تكمن في سلوك الدول الاستعمارية القديمة في التعامل “غير البنّاء” مع اقتصادات مستعمراتها وليس في الإمبريالية نفسها ومنظومة الرأسمالية العالمية.


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد