تولستوي والشرق

image_pdf

منذ الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1798 اشتد اهتمام أوروبا بالشرق لأهداف سياسية واقتصادية وتبشيرية، وجاء الاستشراق كما كتب إدوارد سعيد  ليكون الحاضنة الثقافية للاستعمار، فقد كان الاستشراق في مقدمة طلائع الاستعمار.

قدم الاستشراق رؤية متعالية للشرق على أنه مرتع للكسل والتواكل والتقليد والرجعية، فقد كتب إرنست رينان (1823/1892)«الإسلام هو تعصب لم تكن تعرف مثيله إسبانيا في زمن فيليب الثاني، الإسلام هو الاستخفاف بالعلم، هو إزالة المجتمع المدني، هو بساطة العقل السامي الفظيعة التي تقلص دماغ الإنسان وتغلقه دون أية فكرة لطيفة، ودون كل إحساس رقيق، ثم دون كل بحث عقلاني ليواجهه بالتحصيل الحاصل الأزلي: الإله هو الإله».

وكان السياسي الفرنسي غابرييل هانوتو(1853/1944) قد انجرف إلى شيء من هذا في إدانة الشرق وعقل الشرق، وهو وزير الخارجية الذي لعب دورا في تحديد حدود المستعمرات الفرنسية، وكانت آراء هانوتو ورينان سبب ردود ومساجلات الشيخ الإمام محمد عبده معهما في مقالات تتهم الغرب بالتحامل والتعصب للآرية على حساب السامية ومحاولة النيل من الثقافة العربية الإسلامية لصالح أهداف تبشيرية واستعمارية.

في روسيا القيصرية نشط اهتمام بالشرق ولم تكن أهداف روسيا القيصرية في مثل أهداف فرنسا وإنجلترا المفضوحتين والمكشوفتين، وهي تنم عن مرام تبشيرية واستعمارية فجة لعبت فيها الجوسسة وثقافة الاستشراق دورا حاسما في الإعداد لعصر الإمبرياليات الكبرى  في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر.

لعب الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي(1810/1861) دورا في المثاقفة بالتعرف على الآخر (الروس) وتعريفه بالثقافة العربية الإسلامية  عبر الترجمات التي قام بها  بين اللغتين العربية والروسية، وكان الشيخ حسن العطار(1766/1835) شيخ الأزهر أحد الدعاة إلى الأخذ بالعلم والاقتباس من التمدن الغربي والاطلاع على لغات وثقافة الغرب، فأخذ بنصيحته لفيف من متعلمي مصر ورجال الدين فيها في ذلك الوقت، والشيخ محمد عياد الطنطاوي  يشبه كثيرا رفاعة رافع الطهطاوي من وجوه كثيرة، فكلاهما رحل من أجل  التعرف على ما عند الآخر، لكن الفرق بينهما  أن الطهطاوي رحل إلى فرنسا بناء على رغبة محمد علي في اقتباس علوم  ومدنية الغرب، بينما رحل الشيخ محمد بن عياد الطنطاوي بناء على رغبة الروس أنفسهم في تعليم اللغة  العربية وترجمة الآثار العربية، وخلف الطنطاوي كتابا مهما لا يقل أهمية عن” تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وهو” تحفة الأذكياء بأخبار بلاد  الروسيا”.

بدأ اهتمام بالشرق في روسيا خاصة فلسطين وهي مهد السيد المسيح وفي عام 1848 حج الروائي غوغول إلى بيت المقدس، وبزغ في القرن العشرين نجم المستشرق الروسي إغناطيوس كراتشكوفكسي (1883/1951) والذي زار مصر وفلسطين وسوريا وكانت له معرفة جد عميقة باللغة العربية والثقافة الإسلامية، وحقق كثيرا من المخطوطات المهمة، وقدم  دراسات أكاديمية رائدة.

لروسيا معرفة بالشرق واهتمام به وسعي إلى توثيق العرى معه، وفي بعض كتابات دوستويفسكي إشادة بنبي الإسلام، وهو الذي تجرأ وقدم مقاربة مختلفة عن المسألة اليهودية في كتاب  صغير الحجم بهذه العنوان، فقد  قدم  رؤية متزنة لا تخضع لاستقطاب الصهيونية التي بدأت  تنفث سمومها في أوروبا في ذلك الوقت، وقبل ذلك  كتب فولتير مسرحيته الشهيرة “محمد” وأهداها إلى البابا في تناقض غريب بين ما كتب سابقا عن الأنوار والعقلانية ومحاربته للكهنوت والسلطة الدينية في تحالفها مع الإقطاع والملكية، يعود متزلفا وملتمسا عفو البابا ورضاه بكتابة مسرحية  تنال من النبي محمد نيلا لم يكن خليقا بفولتير أن يسف هذا الإسفاف الذي ناقض به مساره النضالي في سبيل العقلانية والنزعة الإنسانية.

كان ليو تولستوي (1882/1910)أحد أعمدة الأدب الروسي والعالمي وهو صاحب الأعمال الكبيرة كالحرب والسلام وآنا كارينينا، وبهما كرس الواقعية في الأدب  الروسي بمعية كتاب روسيا الكبار، كما كان صاحب مبدأ المقاومة السلمية التي كرسها في مؤلفه” مملكة الرب داخلك” وقد تأثر به علمان كبيران هما المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ، تولستوي الذي قرأ ألف ليلة وليلة وأعجب بها وقرر أن يتعلم العربية والتركية في كلية اللغات الشرقية بجامعة كازان، لينصرف إلى دراسة القانون ثم يترك الجامعة منصرفا إلى إدارة إقطاعيته الكبيرة ورعاية لشؤونها ولشؤون الفلاحين وفق منظور إنساني، فأنشأ مدرسة لتعليم أولاد الفلاحين ومجلة تربوية واشتهر بدفاعه عن كرامة العامل وحقوقه، منددا بالظلم الطبقي والاستغلال من قبل ملاك الأراضي أولئك الذين أبدع دوستويفسكي في تعرية أنفسهم في رواياته الكثيرة مثل “الفقراء” و”مذلون مهانون”، وهو بذلك صادم السياسة والدين الرسمي وفضح التحالف القائم بينهما، مما أغضب الكنسية الأرثوذكسية عليه فقررت حرمانه ولم تعتبره من المؤمنين، ولم يبال هو بذلك فقد قرر العيش وفق قناعاته إلى الرمق الأخير حيث وافاه أجله  بعد أن اشتد عليه مرض التدرن الرئوي في محطة القطار وهو ذاهب إلى زيارة شقيقته، ليسدل الستار على حياة عملاق الأدب الروسي الذي جعل الفكر مقترنا بالعمل ولم يناقض سلوكه قناعاته.

مارس تولستوي بتوزيعه أملاكه على الفلاحين وبالتعليم والتربية عملية الإصلاح من الداخل بالثورة من داخل أسرته متوجها إلى الخارج، متحديا العراقيل السياسية والدينية والشعبوية التي نالت منه برميه بالمروق تارة وبالخيانة  تارة أخرى وبالإلحاد كذلك، وهذا شأن كل فكر ثوري يهدف إلى قلب الأوضاع المريضة واجتثاث الظلم الطبقي وتغيير مسار التاريخ.

للشرق – ثقافة ودينا- التقدير والاحتفاء عند تولستوي فقد عكف على قراءة ألف ليلة وليلة التي كانت فاتحة اطلاعه على الثقافة الشرقية ثم في سني عمره بعد ذلك اطلع على كتاب طبع في الهند بالإنجليزية وهو “أحاديث النبي محمد” حيث اختار عبد الله السهروردي جملة من الأحاديث النبوية وترجمها إلى الإنجليزية ونالت هذه الأحاديث إعجاب المفكر والروائي الروسي  فنقلها بدوره إلى الروسية ووضع لها مقدمة جاء فيها(هذه تعاليم صاحب الشريعة الإسلامية، وهي عبارة عن حكم عالية ومواعظ سامية تقود الإنسان إلى سواء السبيل ولا تقل في شيء عن تعاليم الديانة المسيحية).

وكان هدف تولستوي الرد على حملات التبشير والتشويه للإسلام في كازان من قبل بعض المبشرين وكأنه أراد أن يقدم الإسلام من خلال أقوال النبي لا من قبل عدة معرفية مشوهة ومغرضة بأحكام قبلية، وكل ما اختاره يدعو إلى السماحة والخلق والتسامح والاستقامة.

هذه المختارات من الأقوال النبوية التي نقلها تولستوي إلى الإنجليزية كانت بداية التعارف بين تولستوي والإمام الشيخ محمد عبده الذي أعجب بسماحته وإنسانيته وعدم استجابته لتيارات التعصب والتعالي والغطرسة التي ميزت لفيفا من الكتاب والمستشرقين ومثقفي أوروبا في ذلك الوقت فكتب إليه رسالة كانت مقدمة لمراسلات لم تدم طويلا بينهما بسبب رحيل الإمام أولا وتولستوي لاحقا، ومما جاء في رسالة الإمام( لم نحظ بمعرفة شخصك، ولكننا لم نحرم التعارف مع روحك، سطع علينا نور من أفكارك، وأشرقت في آفاقنا شموس من آرائك ألفت بين نفوس العقلاء ونفسك، هداك الله إلى معرفة سر الفطرة التي فطر الناس عليها، ووقفك على الغاية التي هدى البشر إليها، فأدركت أن الإنسان جاء إلى هذا الوجود لينبت بالعلم ويثمر بالعمل).

وكان تولستوي معروفا  في الشرق ومقروءا من قبل مثقفيه، بل ويتابع أخباره جل مثقفي العالم العربي حتى إنه لما مات رثاه أمير الشعراء أحمد شوقي بقصيدة طويلة  معددا خصاله ومثنيا على نضاله من أجل رقي الإنسانية:

(طولستوي) تجري آية العلم دمعها

عليك ويبكي بائــــــــس وفقيـــــــر

وشعب ضعيف الركن زال نصيره

وما كل يوم للضعيـــــــف نصيــــر

وحتى شاعر النيل حافظ إبراهيم كان من أشد المعجبين بتولستوي وأدلى بدلوه في رثاء الروائي متابعا ومقتفيا أثر شوقي:

رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى

لمدحك من كتاب مصر كبيــــــــــر

 فإني أحب النابغين لعلمهــــــــــــــم

وأعشق روض الفكر وهو نضيـــــر

وهو يقصد بكبير كتاب مصر الشيخ الإمام محمد عيده.

ولاشك أنه مما زاد إعجاب الشرقيين بالروائي الروسي اقترابه كثيرا من العقلية الشرقية في النظر إلى رابطة الأسرة والزواج والمرأة والحب وتربية الأطفال وهي النظرة التي اتهمها الغرب بالمحافظة والرجعية والانغلاق، في حين كان تولستوي مختلفا بالكلية عن النظرة الغربية في ذات الموضوع. وآراء تولستوي في الزواج والطلاق والأسرة والحب وتربية الأطفال لعلها تصدم كثيرا دعاة الحداثة ورائدات النسوية، فهو يرى أن سبب الطلاق هو التمدن الذي جعل الناس يهتمون بقشور الحضارة على حساب الجوهر وتفضيل الناس للمتعة على حساب التآلف والانسجام والتناغم الروحي، وينسحب هذا على الرجل كما المرأة وعلى المدينة كما الريف، وبسبب الميول الحيوانية كما أسماها انتشرت الرذائل والخيانة وشاعت بيوت الهوى وهو يسخر من سعي روسيا القيصرية إلى الحد من انتشار الزهري بين الشباب في حين كان الواجب غلق هذه البيوت والقضاء على البغاء، كما أن دوام الحب بين الرجل والمرأة بنفس الحدة والتوهج  من المستحيلات والذي يدوم هو التآلف والتضحية والصبر، ويشيد كثيرا بمفهوم الأسرة في الشرق الأدنى والأقصى فهي سر من أسرار الدين كما عند المسلمين والهنود والصينيين، في حين هي في الغرب محض خداع، وهذا توصيفه.

شكل تولستوي في العالم نموذجا لروائي كبير ومثقف عظيم ورائد من رواد النزعة الإنسانية وداعية من دعاة اللاعنف والمقاومة السلمية، وبسب آرائه التي اعتبرت نشازا جوبه بالرفض والتضييق والحرمان من المغفرة، وهو لم يبال بذلك وظل دأبه الاقتراب من الإنسان وإذا كان ديوجين الذي عاش في برميل وحمل شمعة في وضح النهار باحثا عن الإنسان فإن تولستوي وجده في الروح، تلك الشعلة الخالدة التي بانطماسها يفقد الإنسان إنيته ويغدو مجرد كيس لحم بتوصيف جون بول ساتر.

وسوم:

اترك رد

جديدنا