تأمُّلات في كتاب “الإعلام الناعم” وقوَّة تشكيل العقول

image_pdf

لا ينحصر دور الاعلام في نشر الأخبار وتسليط الضوء على الأحداث وتقديم المعلومات ؛ بل هو أداة قوية لتشكيل الوعي الجمعي والتأثير على العقول والسلوكيات. في كتاب “الإعلام الناعم.. كيف يمكن تشكيل العقول؟” للدكتور خالد محمد غازي، يُطلعنا المؤلف على كيفية استخدام الإعلام كأداة فعّالة للتأثير الثقافي والاجتماعي، مؤكداً على أهميته في الحياة اليومية وضرورة فهم أدواره المتعددة.

ويُعد الكتاب مرجعًا قيّمًا للأكاديميين والمهنيين في مجال الإعلام، بالإضافة إلى الجمهور العام الذي يسعى لفهم أعمق للطرق التي تُشكّل بها وسائل الإعلام وعينا وسلوكياتنا. حيث يُسلط الضوء على القوة الكبيرة التي تحملها وسائل الإعلام وأهمية استخدام هذه القوة بمسؤولية للإسهام في بناء مجتمعات أكثر عدالة وتقدمًا.

ويبرز دور الإعلام الناعم كقوة فاعلة في تشكيل العقول وصناعة الوعي. في عالم يزداد اعتماده على المعلومات والتواصل، إن الطريقة التي تختار بها وسائل الإعلام موضوعاتها وتقدمها تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد جدول الأعمال العام، ما يُعرف بـ “Agenda Setting”. فالأخبار والمعلومات التي يتم إبرازها تحظى باهتمام الجمهور وتصبح محور حديثه، بينما تُهمَل القضايا الأخرى التي لا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية.

وبعد تحديد الأجندة، تأتي عملية “التأطير” أو “Framing”، حيث تُقدم الأحداث ضمن إطار يُحدد تفسيراتها ويوجه الاستجابات العاطفية والعقلية للجمهور. ومن خلال اللغة المستخدمة، الصور المعروضة، والزاوية التي يتم من خلالها طرح القصة، يمكن لوسائل الإعلام أن تُشكِل الحقائق بطرق تؤثر على تصورات الناس ومواقفهم ، وبما أن العقل البشري يُولي اهتمامًا أكبر للمعلومات التي تُكرر باستمرار، يُصبح التكرار أداة قوية في يد الإعلام لتعزيز معتقدات أو أفكار معينة. الرسائل التي تتكرر تصبح جزءًا من الوعي الجمعي، ويُصعب مع الوقت تمييزها عن الحقائق الثابتة في عقول الجماهير.

إلى جانب الكلمات، تُعتبر الصور والرموز لغة قوية تستخدمها وسائل الإعلام للتأثير في العقول. فالصور البصرية تمتلك القدرة على التأثير على العواطف وترك انطباعات دائمة، وبالتالي، تشكيل الآراء والسلوكيات.

في هذا السياق، لا يُمكن إغفال دور التحيز الإيجابي أو السلبي الذي يُمكن أن يعمل على تشكيل الصور النمطية والمواقف تجاه الأفراد، الجماعات، والأفكار. يُمكن للإعلام أن يُغيِّر الإدراك العام عبر التركيز على جوانب معينة وإهمال أخرى، مما يُؤدي إلى تشكيل حكم الجمهور وقراراته.

كما تلعب المقالات والقصص الشخصية والشهادات دورًا محوريًا في تعزيز تأثير الإعلام، فيمكنه أن يسهم في تعزيز الأفكار المُضللة وتغذية الانقسامات.

كما يُشدد على دور وسائل الإعلام كمنصات للتوعية والتثقيف، حيث يمكن للبرامج التي تُركز على القضايا البيئية، الصحية والاجتماعية أن ترفع مستوى الوعي وتُحفز الناس على اتخاذ إجراءات مسؤولة. في ذات الوقت، يُحذر من مخاطر الاستخدام السيئ للإعلام، حيث يمكن للإعلانات والبرامج التي تُشجع على الاستهلاك المُفرط أو تُروّج لصور نمطية ضارة أن تُسبب أضرارًا جسيمة للنسيج الاجتماعي.

ومع ذلك، لا يقتصر دور الإعلام على ما يُبث من خلال القنوات التقليدية، بل يمتد ليشمل تأثير وسائل الإعلام الجديد، مثل الشبكات الاجتماعية والمدونات، التي تُقدم للمستخدمين قدرة غير مسبوقة على توليد المحتوى ومشاركته. هذا النوع من الإعلام يتميز بتفاعلية عالية وقدرة على تحفيز التفاعل والنقاش المباشر بين الأفراد، مما يُسهم في تشكيل الآراء والمعتقدات على نحو أكثر عمقًا وفاعلية.

إشكاليات المحتوى الرقمي

ويفصل غازي في كتابه تأثير وسائل الإعلام المختلفة على المجتمع والفرد، ويوجه القارئ نحو كيفية تفادي الآثار السلبية للاستهلاك الإعلامي غير النقدي. ومن خلال التحليل النقدي لإشكاليات الإعلام الجديد، يقدم أساليب التعامل الحكيم مع المحتوى الرقمي وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تشكل الوظيفة التبادلية بين الإعلام التقليدي والجديد جوهر فصل آخر حيث يُظهر المؤلف كيف يمكن الاستفادة من كلا النوعين لتعزيز التواصل الإيجابي والبناء. من هنا تكون أهمية الاعتماد على مصادر متنوعة للمعلومات لتشكيل وجهة نظر متوازنة ومستنيرة.

واحدة من النقاط البارزة في الكتاب هي تناول العلاقة بين الإعلام الاجتماعي والرأي العام، حيث يُناقش د.غازي كيف يمكن استغلال هذه العلاقة في تحقيق الأهداف المختلفة، سواء كانت سياسية، تجارية، أو اجتماعية. ويتعمق في تحليل التأثير السلبي لشبكات التواصل الاجتماعي على المواطنة والهوية، ويقدم استراتيجيات لكيفية التغلب على هذه التأثيرات. ويُظهر كيف أن هذه الشبكات، بكل ما تحمله من قدرة على التأثير والانتشار، يمكن أن تشوه الوعي الجمعي وتسهم في تفتيت الروابط المجتمعية إذا ما استُخدمت بشكل سلبي.

وفي سياق التأثير الإعلامي في الحراك المجتمعي، يتطرق إلى كيفية استخدام وسائل الإعلام لتحقيق التغيير الإيجابي. وتُعد هذه النقطة بمثابة دعوة للنشطاء والمهتمين بالشأن العام لاستغلال قوة الإعلام في دعم القضايا الإنسانية والاجتماعية، وكذلك في تعزيز الشفافية والمحاسبة. يتناول غازي هذا الموضوع بحذر، مشيراً إلى القوة الهائلة التي يحملها الإعلام في توجيه الاتجاهات والمعايير الاجتماعية، وكيف يمكن لهذا التوجيه أن يكون إيجابيًا أو سلبيًا.

وبالتوازي مع ذلك، يستكشف الكتاب العلاقة المعقدة بين الإعلام ومنظمات المجتمع المدني، مؤكدًا على أهمية التعاون بين هذه الكيانات لتعزيز الحكم الرشيد والمساءلة. من خلال تسليط الضوء على قضايا الفساد، حقوق الإنسان، وغيرها من القضايا المُلحة، يمكن للإعلام أن يُعزز من شفافية الحكومات وفعالية المنظمات غير الحكومية، ويركز على الأهمية الحاسمة للإعلام الناعم في تعزيز القيم والمبادئ الديمقراطية، وتشجيع المواطنة الفاعلة من خلال تقديم محتوى تشاركي للأفراد  في الموضوعات التي تعني المجتمع .

ويسلط الكتاب الضوء على استراتيجيات الإعلام في التلاعب بالعقول، وكيف يمكن للأفراد أن يحموا أنفسهم من مثل هذه الممارسات. حيث يؤكد غازي على أهمية التفكير النقدي والوعي الإعلامي كوسائل دفاع ضرورية ضد الدعاية والتضليل.

ويؤكد على أن الوعي الإعلامي لا يجب أن يكون محصورًا في فئة معينة من الناس، بل يجب أن يُعتبر جزءًا أساسيًا من التعليم المدني لكل فرد. يجب على المجتمعات التي تسعى نحو النمو والازدهار أن تضمن تعزيز مهارات التفكير النقدي والفهم العميق لوسائل الإعلام بين مواطنيها.والتعليم الإعلامي، كما يرى المؤلف، يُعد حجر الزاوية في بناء مجتمع مُحصن ضد التلاعب الإعلامي. تمكين الأفراد من التعامل مع الإعلام بشكل أكثر فاعلية ومسؤولية. ويدعو المؤسسات التعليمية لتبني مناهج تعليمية تشمل التربية الإعلامية كجزء لا يتجزأ من البرامج الدراسية لتحصين الأجيال القادمة ضد المخاطر المحتملة للإعلام الجامح.

بالإضافة إلى ذلك، يُحث الكتاب على الأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الأخلاقية للإعلام ويدعو إلى المزيد من المسؤولية الاجتماعية من جانب صُنّاع المحتوى. من خلال تبني معايير أخلاقية صارمة والتزام بالدقة والحقيقة، يمكن للإعلام أن يسهم في بناء مجتمعات أكثر تنويرًا وتعاطفًا.

إن القدرة على تحليل المحتوى الإعلامي، فهم دوافعه وأهدافه، وتقييم تأثيراته على الفرد والمجتمع، تُعد من الكفايات الأساسية في عالم يزداد تعقيدًا. فالإعلام الناعم ليس مجرد أداة تواصل، بل هو سلاح ذو حدين يمكن أن يُستخدم لنشر الوعي والمعرفة، أو للتلاعب والسيطرة.

التلاعب بالعقول

ويعرض الكتاب رؤية نقدية للتقنيات والاستراتيجيات التي يستخدمها الإعلام في التلاعب بالعقول، مقدمًا أفكارًا لكيفية تجنب هذه التأثيرات من خلال التعليم الإعلامي وتطوير مهار ات التفكير النقدي. يُظهر الدكتور غازي كيف يمكن للأفراد أن يُطوروا قدراتهم على التمييز بين المعلومات الموثوقة والأخبار الزائفة، وكيف يُمكن للتعليم أن يُساهم في تمكينهم من فهم السياقات والخلفيات الخفية وراء المحتوى الإعلامي.

الكتاب، بذلك، يمثل مرآة نقدية لوسائل الإعلام ومستخدميها، محذرًا من المخاطر ومؤكدًا على الفرص التي توفرها وسائل الإعلام في تشكيل عقول وأفكار الجماهير. ويتيح للقراء أدوات التحليل والفهم اللازمة ليس فقط لتفسير العالم الإعلامي الذي يعيشون فيه، ولكن أيضًا للمساهمة بفاعلية.

في نهاية المطاف، “الإعلام الناعم.. كيف يمكن تشكيل العقول؟” لا يقدم فقط تحليلًا للواقع الإعلامي الراهن، بل يُعد بمثابة دعوة للعمل؛ لإحداث تغيير إيجابي وبناء مستقبل يحترم فيه الفرد والمجتمع على حد سواء قوة الإعلام ويستخدمها للارتقاء بالوعي الإنساني. إنه دليل لكل مستهلك ومنتج للمحتوى الإعلامي ليكون أكثر وعيًا ومسؤولية تجاه الرسائل التي يتلقاها ويبثها في الفضاء العام.

وسوم:

اترك رد

جديدنا