كيف غيَّرت ثقافة الطباعة والتحقيق عالمنا الفكري؟

منذ سنوات وأنا أتابع إصدرات مشروع نهوض الفكري في الكويت، ولا يمكن لنا إلا أن نقرر أن إصداراته باتت محورا مهما لطرح الأفكار والاجتهاد المعاصر، لكن أيضا كشفت إصداراته تحولا نوعيا في الدراسات الإسلامية، ذلك أنه خلال العقدين الأخرين بات الاجتهاد يأتي إلينا من مسلمين يعيشون في الغرب بصورة غير مسبوقة تستحق التأمل والتفكير، لكننا هنا سنتعرض لكتاب ( إعادة اكتشاف التراث الإسلامي .. كيف غيرت الطباعة والتحقيق عالمنا الفكري ) من تأليف الدكتور أحمد الشمسي وترجمة عبد الغني ميموني وأحمد العدوي، أول ما استرعي انتباهي في هذا الكتاب هو المؤلف الذي يعمل في جامعة شيكاغو وتخصص في تاريخ الفكر الإسلامي، وله كتاب آخر عنوانه ( تقنين الشريعة الإسلامية : تاريخ اجتماعي وفكري ) وما شدني لهذا الكتاب هو قدرة الباحث على التحليل وربط المعلومات في إطار نسق فكري متماسك، كما جاءت الترجمة في نسق سلسل دال على المعنى .

انطلق المؤلف من الأثر الذي تتركه العملية التعليمية في صورتها التقليدية في الأزهر الحلقات التي كانت تنظم حول المشايخ، وعقمها في نقل المعرفة وتطورها، فقد انتهى إلى أنها كانت تركز على الخصائص الشكلية للنص، الذي طغى غالبا على المضمون الفعلي للنص، كما أدى هذا إلى إغفال السياق التاريخي الذي كتب النص فيه، لكنه يرصد التحولات التي حدثت في التحديث والتجديد في الأزهر، ليأخذ من الشيخ حسن العطار ( 1766 – 1835 ) مثالا على ذلك، وهو صورة نمطية لعلماء العصر الحديث، حيث تلقى تعليمه في الأزهر، قبل أن يعين شيخا له عام 1830 م، غير أنه خلال اشتغاله بالتدريس، وخاصة مع الطلبة المقربين منه، كان يخوض في مجموعة من الموضوعات والكتابات في التاريخ والجغرافيا والأدب، أوسع بكثير مما كان شائعا بين علماء الأزهر في ذلك الوقت، إن الشخصية الثانية في الكتاب التي مثل وجودها نقلة نوعية في المعرفة العربية هي رفاعة رافع الطهطاوي تلميذ حين العطار والذي ابتعث إلى فرنسا كإمام ولكن شغفه بالعلم جعله أكثر عطاء للمعرفة ممن ابتعثوا للتعلم، الطهطاوي ترجم عشرات الكتب وتخرج على يديه الجيل الأول من المترجمين بلغات عدة بعد أن أسس مدرسة الألسن في القاهرة .

إن المؤلف عبر دراسته لعدد من الشخصيات يبرهن على الخط الفكري الذي رأى اتخاذه، فهة ينقلنا من فئة المشايخ إلى فئة الأفندية أو ما نسميه نحن الآن طبقة المثقفين وفي هذا السياق يأخذنا مثلا لشخصية أحمد تيمور ( 1871 – 1930 م ) وهو شخصية بارزة من الجيل الناشئ في مصر القرن 19 والقرن 20 م، كان يجيد عدة لغات هي : الفارسية والتركية والعربية، والفرنسية، برع في كافة مجالات الأدب والعلوم، وتعددت مؤلفاته، تعد مكتبة تيمور والتي فتحها أمام محبي القراءة وكانت تضم 15 ألف كتابا نصفها مخطوط ونصفها مطبوع، إن ما يسترعي الانتباه في دوره هو مشاركته في مشروع لنشر كتب التراث العربي الإسلامي ( شركة طبع الكتب العربية ) التي تأسست عام 1897 م بهدف طبع الكتب النافعة، ترأس هذا المشروع لجنة ضمت كل من تيمور وعلي بهجت وهو أول مدير مصر لمتحف الفن الإسلامي وحسن عاصم مدير ديوان الخديوي، وكان مما طبعته الشركة كتاب إحياء علوم الدين للغزلي وهو لم يكن من الكتب المتداولة آنذاك، ورأت اللجنة أن كتابه ليس أسلوب المتون المختصرة ولا الشروح التي كانت شائعة، وهو في رأي اللجنة سهل القراءة وفي متناول القراء غير المتخصصين عكس المناهج الفقهية التي طبعت حتى ذلك الوقت .

إن ما أستطيع أن استنتجه من هذا الكتاب أن المؤلف كان يقودني رويدا رويدا عبر صفحات كتابة إلى أن الطباعة ساهمت بقوة في اعادة اكتشاف التراث الإسلامي من جديد، بل قادت إلى التفكير في الجمهور القارئ للكتب الدينية، لينتقل بنا إلى الدور البارز الذي قام به أحمد باشا ذكي ( 1867 – 1934 م ) فقد أدت جهوده إلى الارتقاء بمعايير النشر العلمي العربي وهو ما قاد لاحقا لجهود مؤسسية وإلى منهجية في التعاطي مع المخطوطات عند طباعتها .

أجاد أحمد ذكي باش عدة لغات وكان تخرج من كلية الحقوق وعين مترجما في الوقائع المصرية، وفي عام 1899 م عين مترجما في مجلس الوزراء المصري حتى صار أمينا له، ترجم عددا من الكتب، وصنف دراسة ببليوغرافية عن الموسوعات العربية، كشف فيها عن التراث الموسوعي العربي الأصيل، ثم كان له في تقديم موسوعة ( نهاية الأرب في فنون الأدب ) للنويري، المؤلف قدم لنا تحليلا لمنهجة أحمد ذكي في التعاطي مع التراث عبر هذين المدخلين، ليقدم لنا مصطلح التحقيق المحقق لكتب التراث مطلقا فضاءا جديدا بمنهجية فاقت منهجية المستشرقين .

المؤلف عبر صفحات الكتاب يستكشف الأرض المجهولة بمنهجية غير مسبوقة، يستكشفها بين حقبتين قديمة وحديثة، مع ذلك، فإن هذه الدراسة ما هي إلا بداية لاعادة الاعتبار لجيل حرك مياه راكدة في ظل حقبة الهيمنة الغربية، وكما زلنا لم نعطه حقه .

جديدنا