محمد أركون؛ صوت الباحث المجدِّد في الدراسات الاسلاميَّة

أركون.. سيرة ذاتيَّة:

ولد محمد أركون عام 1928، في منطقة كابيلي الجزائريَّة، تحديداً في بلدة تاروين، وهي منطقة زراعيَّة جبليَّة قبليَّة أمازيغيَّة، على الرغم من تتابع الاحتلال التاريخي للشمال الإفريقي، إلا أنَّ منطقة كابيلي بقيت خارج السلطة السياسيَّة بسبب الانغلاق الجغرافي للقرية الجبليَّة وارتفاعها الذي يصل إلى (1200) متر عن مستوى سطح البحر.

المنطقة أمازيغيَّة، واللغة الأمازيغيَّة ليست لها حروف هجاء، لغة ليست مدوّنة، كلها شفاهيَّة، عندما بلغ السادسة من عمره، التحق أركون في مدرسة فرنسيَّة مجاورة للبلدة، عندها انتقل من لغة شفاهيَّة إلى مكتوبة، الثقافة الشفاهيَّة كما يقول أركون “تربّي العقل على طريقة واقعيَّة، تدمج بين أشياء عفويَّة، من دون أن تتلقّاها عن طريق التعليم والتحليل”، تعلَّمَ أركون الفرنسيَّة، ثم في عمر إحدى عشر سنة تعلَّمَ العربيَّة.

انتقل للدراسة في جامعة الجزائر، تخصَّصَ في دراسة اللغة العربيَّة التي كانت تسمّى وقتها شهادة اللغة والأدب العربي. الأدب وليس الفكر، الفكر انتقل إليه باختياره؛ كما يقول.

تخرَّج في الجامعة وعمل بعمر عشرين سنة أستاذاً للغة العربيَّة في مدرسة ثانويَّة بالقرب من الجزائر العاصمة، ثم انتقل سنة 1956 إلى باريس واستوطن فيها برفقة أصدقاء الفكر والهمّ القومي أمثال فرانتز، فانون، وعلي شريعتي، وحسن حنفي، … وغيرهم.

تابع دراسته بجامعة السوربون، حيث تخرَّج في قسم اللغة العربيَّة وآدابها عام 1969. في بداية السبعينات أصبح مدرِّساً في جامعة ليون، وبعدها في جامعة باريس، ثمّ انتقل منذ عام 1980 إلى جامعة السوربون لتدريس شعبة تاريخ الفكر الإسلامي، حيث أصبح صوتاً مجدِّداً في الدراسات الإسلاميَّة.

سيرة معرفيَّة:

المفكِّر محمد أركون الذي ذكرته دائرة معارف أكسفورد للعالم الإسلامي الحديث، باعتباره أهمّ مفكِّر إسلامي معاصر. فهو بالنسبة لها مفكِّر طليعي في مجال علوم الإسلام ودراساته، من حيث أنه يستخدم كل معارف ومناهج علوم الاجتماع والدراسات الإنسانيَّة ويوظّفها في تحليل الإسلام؛ الأمرالذي مكّنه من إحداث انعطافة كبيرة في مسار الفكر النقدي العربي المعاصر، وفي مسار الدراسات الإسلاميَّة ودراسات التراث.

معه ارتفعت جرعة النقد في مقاربة ظواهر الفكر، فمسّت مساحة عريضة من اليقينيّات أو المسلَّمات التي ظلّت، لأزمنة طويلة، خارج منطقة التفكير والمساءلة، أي في حكم الممنوعات، وبلُغَتِه” لم تعُد تُحسَبُ فقط ضمن اللا مُفكَّر فيه، وإنما ضمن الممتنع التفكير فيه، وتجرّأ على سدنتها من كهنة الحقيقة الذين تنصَّبوا حرّاساً لخزين العقل الأرثدوكسي، فكان أشبه بالفدائي الذي يفتح الطريق لتحرير المحتلّ من الأرض، والمأخوذ من الحقِّ كرهاً وغصباً.

ومعه، دخلت الدراسات الإسلاميَّة طور ازدهار منهجي وموضوعاتي وإشكالي غير مسبوق منذ انطلاقتها في القرن العشرين، وبلغت علاقة الثقافة العربيَّة بالفكر الغربي ذروتها في التفاعل. قد يكون محمد أركون أكثر من اتَّصل من المفكِّرين العرب والمسلمين بتيارات الفكر الغربي الحديثة والمعاصرة.

أرسى محمد أركون استراتيجيَّة “الإسلاميّات التطبيقيَّة” كمشروع فكري يجيب عن ثلاث حاجات معرفيَّة مترابطة في ميدان الدراسات الإسلاميَّة:

  1. تغطية الحاجة إلى تأسيس ميدان دراسي علمي مستقل، أطلق عليه “الإسلاميّات”.
  2. تغطية الحاجة إلى تجاوز الأفق المعرفي والمنهجي الذي توقّف عنده الاستشراق.
  3. توفير الحاجة إلى عُدَّة اشتغال علميَّة جديدة في الإسلاميّات، عن طريق انفتاح الدارسين في هذا المجال، على الثورة المعرفيَّة التي شهدتها العلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة في النصف الثاني من القرن العشرين.

تمثلّت مهمَّة أركون في:

  1. كتابة تاريخ الفكر الإسلامي كتابة نقديَّة وتحليليَّة تنصرف إلى بيان النظام المعرفي الحاكم لذلك الفكر.
  2. نقد العقل الإسلامي من خلال تفكيك أطره الدوغمائيَّة الحاكمة والكابحة.
  3. إعادة الاعتبار إلى التراث الإنسانوي والعقلاني، من حيث الجانب الذي كان مهملاً ومهمّشاً.
  4. الإضاءة الفكريَّة الشديدة على الحاجة إلى إعادة الاعتبار موقعيَّة المتخيَّل والمجاز والمدهش في الثقافة والفكر في تاريخ الإسلام.
  5. العودة إلى العهد التدشيني للإسلام وقراءة نصّه التأسيسي (القرآن الكريم) في ضوء معرفي ومنهجي جديد.
  6. الدعوة المتكرِّرة إلى وجوب القطيعة مع النظرة الاختزاليَّة إلى تراث الإسلام التي تحصره في التعبير الثقافي والفكري المكتوب، وتأسيس نظرة جديدة شاملة تستدمج في ذلك التراث كل التعبيرات الشفهيَّة وغير المكتوبة، وتنكّب عليها درساً تاريخيّاً وقراءة.

المنهج الذي اعتمد عليه الدكتور أركون في تحقيق مشروعه يتمثّل في الاعتماد على المناهج العلميَّة الحديثة والمعاصرة الخاصَّة بعلوم الإنسان عموماً، ودراسة الأديان والنصوص الدينيَّة، خصوصاً. ويشمل ذلك علوم التاريخ والأنثروبولوجيا، والفيلولوجيا، واللسانيات، وعلم اجتماع المعرفة، وعلم النفس الاجتماعي، وأركيولوجيا المعرفة، والتفكيكيّة اللغويَّة، والسيميائيّات، والهرمنيوطيقا، وسعى من خلال نقده للعقل الإسلامي إلى جعل “المستحيل التفكير فيه” أو “اللامفكَّر فيه”، وهما من مصطلحات أركون الأساسيّة، شيئا يمكن التفكير فيه داخل ساحة الفكر الإسلامي المعاصر. ويقصد أركون بـ”المستحيل التفكير فيه” و”اللامفكر فيه”، ضمن رؤيته، أنه كل ما حذفه الفكر الإسلامي من دائرة اهتماماته منذ القرن الثالث عشر على الأقل، بحيث أصبحت الأشياء التي يمكن التفكير فيها أقل بكثير من الأشياء التي يستحيل التفكير فيها. وهذا بحدِّ ذاته دليل على تحجّر هذا الفكر وانغلاقه في المعتقدات الجامدة والمغلقة، ومن هنا جاءت ضرورة النقد.

حاول أركون زحزحة المشروعيَّة الإسلاميَّة وتفكيكها من خلال تفكيك مصادر وأسس القانون الشرعي، أي أصول الدين وأصول الفقه، التي اضطلع المفكِّرون المسلمون طيلة القرون الثلاثة الأولى على تشكيلها، والتي جسَّدت في حينها قدرة العقل الإسلامي على التحليل والتفسير والاستقراء والاستنباط، والتي اعتبرت فيما بعد، بمنزلة القوانين المقدَّسة والمعصومة التي لا يمكن مناقشتها، رغم تغيير الظروف التاريخيَّة والاجتماعيَّة.

يرى أركون أنَّ الأجيال عليها أن تتسلَّح بأسلحة التحليل السوسيولوجي واللغوي والأنثروبولوجي، حيث أن هذا السلاح؛ يغذّي الفكر ويربّيه، ويمكّنها من قراءة النصوص بطريقة أكثر اكتشافيَّة، ويحمِّل الباحث المؤرِّخ في الفكر الإسلامي مهامَّ منهجيَّة، تتمثَّل فيما يلي:

  • أولاً: ينبغي عليه أن يبيِّن كيف أنَّ إعمال المخيال ووظيفته تتغلَّب اليوم، كما في الأمس على عمل العقل الايجابي أو الوضعي الذي يمارسه المؤرِّخ الفيلوجي.
  • ثانياً: ينبغي عليه أن يتتبَّع ويدرس العمليّات المتكرِّرة التي يعيد هذا المخيال إنتاج نفسه بواسطتها، ويستمر هكذا في التأثير في المسار التاريخي للمجتمعات.
  • ثالثاً: ينبغي عليه أن يدخل منهجيَّة التعقلن والعقلنة، ويطبّقها على المجال العربي- الإسلامي الذي تُرِكَ نهباً للقوى العمياء الخاصَّة بالسيكولوجيَّة الجماعيَّة.

يهدف أركون من خلال هذه المسارات إلى تشكيل معرفة بعيدة عن الانغلاق، تستوعب المكتسبات الإيجابيَّة للماضي، وتنتبه إلى إنجازات الحاضر، وتترقَّب المستقبل، إنَّ هذه المعرفة التي يسعى إليها تقف موقف العداء تجاه الخداع وعمليات الأسطرة والأدلجة، وهي تسعى جاهدة من أجل تحقيق التطابق بين الواقع والممارسة والقول.

كذلك، إنَّ هذا النهج المعرفي يستبعد، لا بل يرفض الأحكام المطلقة ليغوص في النسبيَّة، ويقوم بمقاربة نقديَّة للعقل الإسلامي تضعه في إطار التاريخيَّة، وليس خارجها.

ستظلّ كتابات محمد أركون في طليعة النصوص المساهمة في الإصلاح الديني في الإسلام، وفي إعادة هذا الدين إلى موقعه الأخلاقي والروحاني والإنساني، بعيداً عن تحويله إلى أيديولوجيا تشرِّع للإرهاب وتبرِّر القيام به، على غرار ما هو سائد اليوم في المجتمعات العربيَّة والإسلاميَّة.

___________

الهوامش:

حمد أركون المفكِّر والباحث والإنسان، حلقة نقاشيَّة نظّمها مركز دراسات الوحدة العربيَّة في بيروت عام 2011.

* مؤسَّسة محمد أركون للسلام بين الثقافات: http://fondation-arkoun.org.

* حوارات عبد الجبار الرفاعي ومحمد أركون، مجلة قضايا إسلاميَّة معاصرة.

* “التنوير إرث المستقبل” ندوة فكريَّة، نظّمها مركز تنوير الكويت https://goo.gl/UHW9QG.

*محمد أركون، تاريخيَّة الفكر العربي الإسلامي، ترجمة هاشم صالح. مركز الإنماء القومي- بيروت 1986.

*محمد أركون، من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟، ترجمة هاشم صالح. دار الساقي- بيروت 1993.

*محمد أركون، نزعة الأنْسَنَة في الفكر العربي، ترجمة هاشم صالح. دار الساقي- بيروت 1997.

*محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني: كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح 1998.

*محمد أركون، من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة- بيروت 2001.

 

اخترنا لكم