الدكتور المحبوب عبدالسلام: تنوير العلوم الإنسانيَّة.. الجدل المفقود بين فكر التنوير والواقع

تقديم:

سعينا في هذا الحوار مع المفكِّر والأكاديمي السوداني الدكتور المحبوب عبدالسلام، وفي سبيل تنوير التفكير الديني، إلى معاينة مشهديَّة التناظر بين راديكاليَّة التفكير الديني ومساعي تنوير الثقافة الدينيَّة التي برهنت تاريخيّاً بأنها المنهج والأداة في التقدُّم الحضاري والإنساني، حيث إنَّ تقدُّم الشعوب وتخلّفها، ما زال يُقاس بمدى اهتمامها بثقافة التنوير الفكري، التي شكَّلت ماضياً وستشكّل حاضراً ومستقبلاً أفضل للشعوب وللإنسانيَّة.

يمتاز ضيف الحوار بخبرة أكاديميَّة كبيرة وتجربة فكريَّة غنيَّة، اكتسبها من خلال البحث والدراسة، وعبر المواقع العمليَّة والعلميَّة التي شغلها، بالإضافة إلى معايشته مدرسة سياسيَّة إسلاميَّة محيطة بالاتّجاهات الفكريَّة المختلفة.

كل ما سبق كان يساعدنا في استجداء الحلول والخيارات الأكثر جدوى في تنوير المعرفة الدينيَّة عبر الاستثمار الأمثل للعلوم الإنسانيَّة الحديثة ومن ثمّ محاولة توظيفها للبحث عن إجابة للكيفيَّة التي تمكّننا من تحويل أفكار التنوير من مستوى المعرفة إلى مستوى الثقافة بما هي معرفة متداولة.

 كيف يعرِّف الدكتور المحبوب عبدالسلام نفسه لقرّاء مجلَّة التنويري؟
نحن من عرب التخوم، نقع على الطرف الجنوبي من العالم العربي، لكن نقوم في قلب إفريقيا، موصولين بشرقها وغربها، كما نحن متفاعلين مع شمالنا العربي عبر مصر وشرقنا عبر البحر الأحمر إلى الجزيرة العربيَّة. لكني بصفة خاصَّة ولدت قبل عامين من العقد الستين للقرن الماضي، ونشأت في مدينة امدرمان التى تعرف بأنها العاصمة الشعبيَّة للسودان، إذ كانت الخرطوم العاصمة الرسميَّة التي يفصلها عنها نهر النيل، منذ العهد التركي ثمَّ العهد البريطاني، مدينة ذات ملامح كولونياليَّة. ولدتُ وقد خرج الاستعمار منذ خمسة أعوام، ولمّا تفتَّح وعينا كانت معظم ذكرياته قد انمحت، وإن نعمنا إلى حدٍّ كبير بمكتسباته، فدرستُ المراحل الأوليَّة والوسطى والثانويَّة على مناهج جيِّدة وبيد أساتذة حسَّنوا التدريب والتأهيل العلمي والتربوي، ثم اخترت في الجامعة أن أدرس الفلسفة، رغم شيوع رغبة دراسة الطب والعلوم لدى أجيالنا، أو دراسة القانون أو اللغات حتى تضمن مهنة بعد التخرُّج، فقد ذهبت على بصيرة إلى ذلك التخصُّص الذي ينطوي على مغامرة، ورغم إدراكى المبكِّر أن السودان سيواجه حتماً إشكالات في الهويَّة بين إفريقيَّة وعربيَّة، وإشكالات في الوجهة بين إسلاميَّة وعلمانيَّة، ممّا يتطلَّب تأهيلاً نظريّاً كالذي توفّره الفلسفة، فقد كان يحدوني لدى اختيار هذا التخصُّص الرغبة في العودة إلى الجامعة للتدريس، أو بالأحرى البقاء فيها تماما، وهي رغبة لم تتحقَّق إلا بعد أعوام طويلة من تاريخ تخرجي، إذ جذبني العمل العام، ونشطتُ سياسيّاً في الجامعة، حتى توليت منصب رئيس الاتحاد الطلابى، ثمَّ لما بدأت التخصُّص في علم الاجتماع بجامعة باريس الثالثة عام 1987، كنتُ ذا باعٍ جيد في الصحافة وعلى الفور بدأت النشر في أفضل مجلَّة في العالم العربي، مجلّة اليوم السابع التى كانت تضمّ نخبة من أفضل الصحفيّين اللبنانيّين ويرأس تحريرها الأستاذ بلال، وبالطبع كانت سنوات باريس الست، التي وافقت شدّة الحرب اللبنانيَّة وما بعدها وتوافد الثلة الأكبر من المثقّفين العرب إلى فرنسا، حتى أصبح يطلق على باريس عاصمة الثقافة العربيَّة، هي سنوات معرفة وخبرة لا تضاهى بأي تجربة أخرى.

 بالعودة إلى السودان توليت لأوَّل مرة في حياتى منصباً في الإدارة، حيث أصبحت مديراً لدائرة الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام لعامين، قبل أن أعود إلى العمل الفكري فتفرّغت لتأسيس هيئة الأعمال الفكريَّة، وهي مؤسَّسة تعنى بتشجيع الكتابة والترجمة والنشر لدى شريحة من السودانيّين المهتمّين بقضايا الفكر والتأصيل الإسلامي، حيث أتاحت لي هذه الفترة البحث والكتابة في مجالات الدراسات القرآنيَّة، وهي التي حفَّزتني لتقديم أطروحة للدكتوراة بعنوان القراءات التقليديَّة والحداثيَّة للقرآن دراسة مقارنة. كتبتُ أول كتاب لي عام ١٩٨٢ بعنوان (تحرير المرأة السودانيَّة)، ثمَّ أصدرت دراسة عن قضيَّة جنوب السودان، نشرت في حلقات ثم صدرت في كتاب بعنوان ( فصول في حريق الجنوب السوداني)، ثمَّ ترجمت كتاب (الحج : المنسك والمعنى) للدكتور علي شريعتى من الانجليزيَّة ونشرتُ قبل بضع أعوام كتاباً عن تجربة حكم الإسلاميّين بعنوان (الحركة الإسلاميَّة السودانيَّة دائرة الضوء وخيوط الظلام )، وبسبب من تعقّد الظاهرة واستمرارها إلى اليوم، أثار هذا الكتاب ويثير نقاشاً وحواراً متعدِّد الجوانب ومتشعِّب الرؤى.

 كان للعلوم الإنسانيّة أثر حقيقي وفاعل في تغيّر الفكر الديني في أوروبا؟ هل يحقّق تدريس العلوم الإنسانيَّة في المنطقة العربيَّة – بأدواته التقليديّة – الأهداف المرجوّة منه؟
أوروبا غشيتها موجة من الفكر الحر، أعلى من شأن العقل والإنسان وكان فاتحة لدورة حضاريَّة حاسمة في التاريخ، فالبشريَّة كأنما تستأنف من جديد بعبارة ابن خلدون، فكان الفكر يقارب كل موضوع بروح متفائلة متقدِّمة، فالإنسان في علم البيولوجي قد تطوّر من مخلوقات أدنى، والتاريخ في تقدُّم حتى تبلغ الدولة تجلّي الله في الفلسفة المثاليَّة، أو ينقلب الديالكتيك فلا يرى التاريخ إلا تقدّميّاً يمضي نحو الجنّة الشيوعيَّة وما على الطليعة إلا أن تدفع بذات الاتِّجاه. في هذا المناخ كان المجتمع بالعلم وبالسياسة يتحرَّر من الدين، ولكن الدين نفسه – وتحديداً المسيحيَّة الأوربيَّة – قد تحرَّر وفتحَ آفاقاً للإنسان المتحرِّر، حتى من سلطة الكنيسة ورجال الدين الرسميّين الكهنوتيّين. بل إنَّ الإصلاح الدينى الأوروبي كان الفتح الأول لتقدّم الفكر وتحرّره وتطوّر العلوم الطبيعيَّة والإنسانيَّة، وفي إصلاح الديمقراطيَّة وإكسابها منظومة القيم الأخلاقيَّة ورسوخ أعرافها على الالتزام بالمواثيق والعهود. لكن العالم الإسلامي عامَّة والمنطقة العربيَّة ما تزال في أزمة تمسك بخناقها حتى تحرِّر من المرحلة ” القرديّة” حيث ينمسخ الإنسان مقلداً كما يحكي القرآن، فنحن نجلب في العلوم الانسانيَّة مناهج عفى عليها الزمن وموضوعات تجاوزت لندرّسها للطلاب تلقيناً ثم امتحان صوري يعتمد على الحفظ والتحريز، ولذلك أحسنَ الأخوة مؤسِّسو الرابطة عندما وضعوا كلمة التربويّين إلى جانب كلمة التنويريّين، فالسؤال الذي يواجه المفكّرين كيف يمكن للتنوير أن يصبح فكراً وسلوكاً والتزاماً بنسق القيم الأخلاقيَّة، لدى شريحة واسعة من المتعلّمين، وتحديداً في تجديد الفكر الديني باعتباره الأساس الأعظم لكل إصلاح ونهضة

 من خلال تجربتكم البحثيَّة والفكريَّة في المنطقة العربيَّة وأوروبا، كيف يمكن لنا استثمار المناهج العلميَّة الإنسانيَّة الأوروبيَّة  في العقل العربي، خصوصاً العقل الديني؟
المناهج الغربيَّة هي بعض من واقع الحداثة الذي يمسّ كل فاعل إنساني في المجال الحيوي الذي غطته العولمة اليوم، فلن نكون بمعزل عن إشعاعها اللانهائي، بل نحن منذ الاستعمار تحت تأثير هذا الإشعاع على نحو لا نستطيع أن نقصي أبعاده كما يقول مالك بن نبي، في مقالته عن (إنتاج المبشّرين والمستشرقين وأثره على الفكر الإسلامي المعاصر)، فالأجيال الجديدة في العالم العربي، تنفتح طوعاً وكرهاً على أحدث مساهمات العقل الإنساني، من ميشيل فوكو وحتى هابرماس، كما ينفتح المستهلكون المتخمون في العالم العربي على آخر المنتوج المادي ويستمتعون بخيراته، فالمناهج الغربيَّة مشتبكة مع الحوار الذي يدور اليوم في العالم العربي حول الديمقراطيَّة والإصلاح الديني وحتى الأدب والفنون، وقدّم بعض كبار المفكّرين العرب مشاريع لقراءة التراث وأخرى لاستشراف المستقبل اعتمدت بتمامها على المناهج الغربيَّة، مع استثناءات كانت تنشد الإبداع. لكن مهما يكن من شيء، ظلَّت هذه الاجتهادات محاصرة ومعزولة عن التداول الواسع وعن النقد ونقد النقد.

 ما هو تأثير معرفة المسلمين بالعلوم الحديثة في خلق توجّهات تنويريَّة جديدة داخل بنية الفكر الديني؟
منذ الطهطاوي كان تأثير العلوم الحديثة ووقعها ظاهراً في تحريك الجمود الذي خلف التفكير الديني لدى المسلمين وانحط بواقعهم وكان وراء سؤال شكيب أرسلان؛ لماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟ فما يعرف بعصر النهضة العربي الذى مضى عليه أكثر من قرن، هو منتوج مباشر لمعرفة العلوم الحديثة، فإذ خلبت أنوار الحضارة الألباب أو أصمت مدافعها الأسماع، كان تأمّل العقول الطويل في سؤال أرسلان يوشك أن يكون فعلاً تلقائيّا للعقل العربي، ومن ثم كان الاهتداء لتلك المناهج أمراً مفتاحيّاً، وكما يقول مالك بن نبي: (لقد استبدَّت أوربا ولكن استبدّت بقوتها)، فأين مكامن تلك القوى وكيف يتصرَّف مسلم أو عربي يعتقد بأنه من خير أمّةٍ أخرجت للناس لتكون مثالاً وأنموذجاً تقايس الإنسانيَّة إلى تقدّمها وعزّتها بل حريتها واحترامها لكرامة الإنسان وحرّياته وحرماته. يمكن القول، إذن، إنَّ التوجّهات التنويريَّة منذ أكثر من قرن في العالم العربي هي ثمرة عاملين؛ صدمة الاستعمار ثم أفكار المستعمر (بكسر الميم) وعلومه على المستعمر (بفتح الميم)، الأفغاني حرّكه الاستعمار ليشق رحلةً طويلة، وتلميذه الأول محمد عبده حرك عقله الفكر الأوربي الذى جاء به المستعمر، كما أن أختيار صفة الأفكار الليبراليَّة عنواناً لهذه المرحلة من قبل ( البرت حوراني) هو تعبير عن ذلك الأثر في بثِّ التنوير.

 كيف يتسنَّى للعلوم الإنسانيَّة المساهمة في صناعة خطاب ديني حداثي يتلاءم والمقتضيات العقديّة للاجتماع الإسلامي المعاصر من دون أن يتأثّر بمسلّمات الفرد المتديّن؟ الجزء الآخر المتمِّم من السؤال هو: كيف يمكن للمفكِّر الديني العصري حفظ الروح المعنويَّة لدى الناس، بل وتقويمها؟
سبق أن أشرت في إجابة سابقة إلى أنَّ التأثّر والتفاعل مع مناهج الفكر الحديثة هو أمر حتمي ما دمنا نعيش في قرن العولمة الذى حشرنا في غرفة واحدة، فنحن منطقة الضغط الوطئ التى تهب عليها رياح عاتية من مناطق الضغط الثقافي الأعلى، فقوانين الحضارة هي قوانين الاجتماع، وهي أيضاً قوانين الطبيعة، التي تؤكِّد جميعاً وحدة هذا الكون ووحدة الإنسانيَّة. ووفقاً لهذه الوحدة فالإنسانيَّة بفطرتها تعود إلى قيم الدين في المشيئة الحرَّة للإنسان ووجوب حفظ حقوقه وحرماته وحصانتها من كل انتهاك، وإذ ما تزال مجتمعاتنا قصية عن ذلك الأفق الحر، فلا بد من مقاربة واعية لمناهج العلوم الإنسانيَّة المعاصرة لتحقيق أهداف المجتمع العربي الحضاريَّة في الحفاظ على هويَّة أصيلة ولكن منفتحة ومتفاعلة مع العالم، وفي النهضة الاقتصاديَّة الموسومة بالعدل والكفاية، وفي نظام سياسي ديمقراطى ومستقر. كل تلك الأهداف تتجذَّر عميقاً في التجديد الديني، الموصول بدوره تماماً بمدى استيعاب الرواد من المفكّرين والمعلّمين للعلوم الإنسانيَّة ومناهجها المنفتحة المتطورة، مع دراسة كاملة لتطور الفكر الإسلامي ومؤسّساته عبر القرون الهجريَّة المتطاولة. ذلك اجتهاد قد بدأ منذ أكثر من قرن ولكن شابته النكسات والارتدادات وخيَّم الظلام حيناً على مشروع النهضة العربي، لكن المسيرة ما تفتأ تستأنف بعمق وقوّة أكبر من سابقتها، وكأنها اليوم استوت على الجودي.

 نادى محمد عبده والأفغاني وغيرهم، إلى العودة للتراث لإحياء الأفكار العقلانيَّة والعلميَّة التجريبيَّة، هذا التيار التجديدي وقتها أصيب بمحاولة وَأده. السؤال: هل يمكننا اليوم العودة إلى التراث لإحياء الأفكار العقلانيَّة والعلميَّة؟
منذ الإمام محمد عبده إلى اليوم أصبح التراث أكثر ثراءً بالاكتشافات الجديدة لمخطوطات عظيمة كانت مجهولة أو غير منشورة، ثم بتطوّر مناهج البحث وتزايد أعداد الباحثين، ثمّ بكثافة الاهتمام بالإسلام خاصَّة بعد حادثة سبتمبر في الولايات الأمريكيَّة، وتوالى تصاعد القاعدة ثم انفجار الدواعش، إضافة لمشروعات قراءة شاملة للتراث من باحثين ذوي قدرة واجتهاد، ثم انبثاق مدارس في قراءة التراث ونقده، ونقد على ذلك النقد، فبالنسبة إلى التراث اليوم نحن في حالة دع مائة زهرة تتفتَّح، فمن قراءة معاصرة أو حداثيَّة للقرآن، إلى اجتهاد مبدع في الفلسفة العربيَّة أو الفلسفة الإسلاميَّة، إلى اجتهاد في الفقه وعلم النفس والاقتصاد، كانت إلى عهد قريب وجلة محافظة مقلّدة، ثم هي اليوم جريئة متقدِّمة مؤثِّرة على أجيال المستقبل بنحوٍ لم يخطر مطلقاً على بال آبائهم. أمر آخر مهم هو أن الاهتمام بالتراث الإسلامي لم يكن في الماضى شأناً إسلاميّاً خاصّاً وليس هو كذلك اليوم، لكن التجاوز تجلّى على مستوى الآخر؛ إذ لم تعد تسيطر على الباحثين هموم الاستشراق الموصولة بالقوة والاستعمار، ولكن الاجتهاد اليوم في غالبه منفتح ومشترك بين مسلمين وغير مسلمين بين شرقيّين وغربيّين، صحيح أنه ليس مبرأً مطلقاً من الغرض ولكنه أكثر علميَّة وموضوعيَّة.

 ركّز أغلب المفكّرين الدينيّين المعاصرين على الجوانب السلبيَّة في الفكر الديني، وانهمكوا في التأشير على الأخطاء والسلبيّات، ولم ينجزوا بشكل واضح مشاريع إيجابيَّة. إلى أي حدّ ترى العمل الإيجابي ضروريّاً للتوفيق بين العقلانيَّة والتدين؟

التراث كما ذكرت كان مهجوراً مجهولاً لدى غالب النخبة الحديثة، إلا من قلَّة أتاحت لهم ظروف الميلاد والنشأة في كنف العلم التقليدي بأسباب من العائلة أو البيئة، ثمّ لما بدأت الغزوة المعاصرة تؤثِّر على المجتمعات العربيَّة والمجتمعات المسلمة وثارت تناقضات الحداثة والمعاصرة والتجديد أمام جمود التقليد ورسوخ الخرافة وعزل المرأة وشيوع الاستبداد، بدأت طائفة من الباحثين والمفكّرين تبحث في التراث ويسترعي انتباهها أن جذور الأزمة تقبع هنالك. ثم جاءت منعطفات في التاريخ مثل هزيمة حزيران 1967، ثم الثورة الإسلاميَّة الإيرانيّة 1979، ثمّ حادثة 11 سبتمبر في أميركا، كلها وضعت المجتمعات العربية والإسلاميَّة أمام تحدي الوجود وأسئلته. كان طبيعيّا عندئذٍ أن يؤشِّر إلى السلبيات التى انتهت بنا إلى المأساة، ثم أستأنف البحث مسيرته ليقرأ التراث بموضوعيَّة أكثر بعد أن خابت التجارب الوطنيَّة والقوميَّة والاشتراكيَّة، وأشَّر باحثون كبار إلى الجوانب الإنسانويَّة في التراث مثلاً، ثمّ نأتي للمرحلة التى تلي الاكتشاف ثم مرحلة النقد، ثم مرحلة القراءة الموضوعيَّة، ثم مرحلة توليف المشاريع المتكاملة لقراءة التراث والتنظير للواقع كما فعل العروي والجابري وكما استدرك عليهم علي حرب.

ما زالت النزعة الأيدولوجيَّة الحادَّة والإكراهات المعرفيَّة تطغى على خطاب الإسلاميّين التقليديّين، وما زالت تغيب فيها روح التأمُّل والتفكير الحرّ الجاد الذي يعاين المشكلات ويحلّلها ويدرسها بعناية وتأمّل، وبموازاة ذلك ترفض قطاعات عديدة منهم أية محاولة لإثارة استفهامات معمّقة حول التراث والاجتماع الإسلامي.هل للعلوم الإنسانيَّة التقليديَّة دور في هذه الأزمة؟ كيف تستشرفون مستقبل هذا الخطاب في ظل العلوم الإنسانيَّة التقليديَّة؟
انتبه مالك بن نبي في ثلاثينيات القرن الماضي إلى الأفكار الميتة التي تسمِّم العقل الإسلامي وتقعده عن النظر الصحيح والعمل الصالح، وأغلبها راسخ لدى ذوي النزعة الايدلوجيَّة الذين حاولوا تمثّل الإسلام في جماعة وإيدلوجيا ومشروع سياسي للمنافسة على السلطة أو حيازتها بالقوَّة، ومثَّل سيد قطب قمّة هذه المرحلة عندما قال إنَّ الإسلام لا يعرف إلا نوعين من المجتمعات، المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، وإن جنسيَّة المسلم هى عقيدته، وإن الاسلام هو الحضارة، وهي بالطبع أفكار تنسف قوائم الدولة الحديثة كما رسّخها الفكر الأوربي وكما قلدتها المجتمعات العربيَّة الإسلاميَّة. ومثل ذلك بالطبع ردّة عن المرحلة المبكِّرة التى أرساها محمد عبده عندما قرأ إيمانه بأضواء العصر وعلومه واعتبر رسالة الإسلام في جوهرها تعبير عن نضج البشريَّة وبلوغها مرحلة الإنسانيَّة، قبل أن يضيف محمد إقبال مساهمته الباهرة عن الوحي والعقل. الآن أدركت المجتمعات العربية أنَّ الموجة الثالثة من الأيدلوجيا والتى مثّلتها الإسلامويّة قد بلغت أفق الفشل ولا بد من قراءة جديدة في ضوء تقدّم مناهج العلوم الإنسانيَّة وتقدّم البحث في التراث الإسلامي.

 كيف يمكن للعلوم الإنسانيَّة أن تحرِّر العقل الديني الإسلامي من الوصاية والعادات التي تحدّ من تحركه؟ وأين تتلخَّص التحدّيات والمعطّلات التي تواجه عمليَّة تنوير التفكير الديني بالنسبة للمسلم المعاصر؟
العلوم الانسانيَّة أصلاً مؤسَّسة على الشكّ والسؤال والاختبار والتجربة أو البرهان والمنطق، ثم هي ذات نتائج منفتحة حواريَّة وليست مغلقة نهائيَّة وفقاً لما كان يسمّيه المسلمون العلم الظني ويولونه اهتماماً ويضعون له مكانة كبيرة، وهي في التاريخ الاوربي تمثِّل بداية مرحلة العقل وختام عهد الخرافة. أمّا العقل الإسلامي إذا تحرَّر من إصر مؤسّسات التراث والاغلال التى تضعها على العقل وتكبله بها، ليوافق أدب القرآن الداعى للتفكر والتدبر فإن العلوم الإنسانيَّة المعاصرة وقد بحثت في التراث الغربي، ثم تقدّمت مناهجها ونتائجها مع تقدّم التجربة الإنسانيَّة تحمل قدراً إليه هائلاً من التحدي بين أن يكون أو لا يكون، بين أن يجمد وينزوي ويزول، وبين أن ينفتح لمواجهة أسئلة العصر ويتفاعل ويتقدّم. واقع الأمر أن العقل المسلم ما يزال جامداً متخلّفاً كما هو واقع مجتمعات المسلمين اليوم، ولابد للنهضة الجديدة من تجاوز مرحلة التجديد إلى مرحلة الحداثة، كما تجاوز محمد إقبال من قبل مرحلة الإحياء إلى مرحلة التجديد.

تحدّثنا في وقت سابق حول مناهج التثقيف الديني في المؤسّسات التعليميَّة العربيَّة، وأنت أكاديمي متخصِّص في هذا المجال، ما هي الجزئيَّة المتعلّقة بالعلوم الإنسانيَّة التي تحتاجها مناهج الثقافة الإسلاميَّة في المراحل التعليميَّة المختلفة؟ هل يحتاج الفكر الإسلامي اليوم إلى فلسفة الدين مثلاً؟منذ وقت ليس بالقصير يعود إلى منتصف العقد السبعين من القرن الماضي، بدأت مجهودات لإدراج مادة الثقافة الإسلاميَّة في مناهج بعض الجامعات العربيَّة، كان الهمّ المسيطر يومئذٍ تزويد الطالب بما يعينه لمواجهة (الأفكار الهدّامة)، وهم يعنون في الغالب المدّ الماركسي الشيوعي الذي انحاز إليه بعض أبناء مجتمعات العرب والمسلمين، وربما الفكر العلماني والفكر القومي الاشتراكى الخ. ذلك العمل كان موسوماً بدوافع ايدلوجيَّة وبالصراعات السياسية المشتدة يومئذ بين الناصرية والسعودية، إضافة إلى ظلال كثيفة من احتشادات الحرب الباردة تغطي كل ذلك وتمدّه بالتوتّرات. وإذ جاء الإعداد لمادّة الثقافة الإسلاميَّة متخمة بعناصر غير فكريَّة وغير موضوعيَّة وبدوافع غير علميَّة، كانت مناهجها ومادّتها ضعيفة لم يهيأ لها الطاقم الجيد من الأساتذة. تكرَّرت تلك التجربة تقريباً في السودان ولم تنفع الإسلام كما لم تحاصر الأفكار التي وسمت بأنها هدّامة، قبل أن نشهد جولة ثالثة أو رابعة من التجارب الخائبة بسبب صراعات السياسة وبؤس الايدلوجيا. اليوم نشهد جولة جديدة يمثّلها في الغالب ذوو التأهيل الأكاديمي والمدربين على مناهج البحث الحديثة ويعين في ذلك ما أشرت إليه من توالي الكشوفات وتكاثر المصادر. لكن لا بد لإنجاز إعادة موضعة الإسلام في المناهج الأكاديميَّة من بحث يرصد التجربة الماضية، ويقوّم نتائجها ثم لا بد من تكامل الجهود عبر مؤتمرات ومؤسّسات ومنابر جديدة لتحدي ما هو المفيد والصالح للطالب والباحث الذي يعينه على الاجتهاد ويسمح له بارتياد آفاق جديدة.

______________________

الدكتور المحبوب عبدالسلام

 التعليم:

تخرَّج في كليَّة الآداب قسم الفلسفة جامعة القاهرة في الخرطوم عام 1981.

حصل على دبلوم في العلوم السياسيَّة من جامعة كاردف ( بريطانيا)1983.

حصل على دبلوم الدراسات المعمَّقة (D.E.A) في علم الاجتماع من جامعة باريس الثالثة عام 1989 سجَّل للدكتوراه في الدراسات القرآنيَّة المقارنة بمعهد الدراسات الشرقيَّة والإفريقية جامعة لندن عام2004.

العمل الإعلامي والصحفي:

أسَّس صحيفة ألوان عام 1984 في الخرطوم وترأس القسم الثقافي فيها إلى العام 1985.

رئيس قسم الأخبار في جريدة الراية السودانيَّة 1986.

عمل في مجلَّة اليوم السابع في باريس منذ العام 1986 إلى العام 1990.

نشر سلسلة مقالات في مجلة العالم اللندنيّة منذ عام 1987.

نشر عددا من المقالات على فترات متفرِّقة في جريدة الحياة اللندنيَّة وجريدة الشرق الأوسط وجريدة القدس.

الخبرات العمليَّة:
يشغل حاليا منصب رئيس مجلس الأمناء في الرابطة العربيَّة للتربويّين التنويريّين.
مدير إدارة الإعلام الخارجي- وزارة الإعلام والثقافة السودانيَّة  1990-1992.

مدير مكتب الأمين العام للمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي 1992-1996.

الأمين العام لهيئة الأعمال الفكريَّة 1996-2000.

محاضر في مادة ” مقدّمة في دراسة الإسلام” في عدد من الجامعات الأوروبيَّة والأمريكيَّة 2009-2013.

اخترنا لكم