قصص الأنبياء بين النص والعلوم الإنسانيَّة

بكثير من الجهد العقلي أستطيع بناء إجابات عن قضايا ليس لها برهان واضح أو إثبات علمي، فضلا عن فصل وتكوين أسئلة واضحة متَّسقة تعبِّر عن كل أفكاري المختلطة التي تتعلِّق بهذه القضيَّة، خصوصاً إن كانت تلك القضايا غيبيَّة أو فلسفيَّة أو جوديَّة. ولكني، وبعد إتمام هذه المهمَّة الشاقة على عقلي، يبهر وجداني ترتيب وتنسيق الإجابات عند المدافعين عن الدين، والمناهضين له على حدٍّ سواء، كلاهما مرتَّب العقل، حاضر الذهن، تملأ فمه ابتسامات السخرية من جهلي منقطع النظير، ممّا يجعلني أشعر أحياناً بالتأخُّر في بعض أنشطة العقل.

جرَّبتُ قبل فترة أن أطرح قضيَّة عدم ذكر قصَّة موسى ويوسف- على الصورة الموجودة في المصحف – في التاريخ الفرعوني على شخصٍ متديِّن وآخر لا يوافق على فكرة الدين، أجاب الأوَّل بسرعةٍ وترتيب أنَّ الفراعنة قوم كفر وكذب واستعلاء وقد لفظوا الأنبياء، ولذلك كذَّبوا على التاريخ الإنساني ولم يذكروا القصتين، أمّا الثاني فقد أقرَّ قطعيّاً، أنَّ معنى هذا يوضح أنَّ النصوص الدينيَّة كاذبة أو تشغل عقول العامَّة برواية الأساطير حتى ينشغلوا بها عن إعمال العقل.

بينما يروي الدكتور رشدي البدراوي في كتابه “قصص الأنبياء والتاريخ” أنَّ حادثة خروج بني إسرائيل بالنسبة للفراعنة كانت ببساطة مجرَّد خروج لمجموعة من العبيد من أرض مصر، وخلاف حادّ بين الملك وشاب متهوِّر من هؤلاء العبيد أدَّى إلى موت هذا الملك في حادثٍ مؤلم، ممّا دفع نسله لإخفاء القضيَّة ومحاولة محوها من ذاكرة الشعب.

تُعَدُّ قصص الأنبياء في النصوص الدينيَّة وتفسيراتها، ومقارنة تلك التفسيرات بما كشفته العلوم الإنسانيَّة والبيولوجيَّة من أكثر القضايا إثارة في تساؤلات التيار الإلحادي الحديث في المنطقة العربيَّة، ولذلك قد يتطلَّب منا الأمر التخلّي عن النزاع من الجهتين طلباً للحقيقة.

نوح؛ صانعٌ أم نبي؟

في سياق العلوم الإنسانيَّة، كثيرا ما طُرِحَت أسئلة عن حقيقة حدوث طوفان أعظم في تاريخ الأرض ممّا أدى إلى تدمير أقوام من البشر،هل فقدنا أنواعاً بشريَّة لا نعلم عنها شيئا في هذا الحدث الجلل؟ وماذا عن مدى تطوّر صناعة السفن عند البشر في حقبة زمنيَّة بعيدة تجعلُ بشريّاً واحداً أو مجموعة قليلة من البشر (نوح وأولاده) يصنعون سفينة ضخمة تستوعب هذا الكمّ الهائل من الطيور والحيوانات، وعن مدى معرفة بشريّ مثل نوح في هذا الوقت البكر من العالم أصناف الحيوانات والطيور وباقي الكائنات، فضلا عن جمعها. كما تكاثرت الأسئلة حول كيفيَّة معرفة نوح بطقس سوف يحدث بعد مئةٍ وعشرين عاماً هي مدّة صنعه للسفينة؛ كما استتج أغلب الباحثين في النصوص الدينيَّة، وهل لهذا علاقة بعصر الانصهار الذي تلا العصر الجليدي للأرض، حيث يرجِّح علماء الانثروبولوجي، أنَّ ظهور الإنسان العاقل الصانع للأدوات كان مصاحباً لتلك الحقبة الزمنيَّة.

وفي طرحٍ آخر مهمّ، يتمّ التساؤل عن أعمار البشر التي ذُكِرَت في قصَّة نوح، فقد تراوح عمر نوح عند أغلب الباحثين في النصوص الدينيَّة بين التسعمائة والتسعمائة والخمسين عاما، بينما امتدَّ عمر جدّه “متشاولح” إلى أكثر من ألفي عام تقريبا، فهل لهذا مدلول على قضيَّة التطوّر البيولوجي للإنسان وانخفاض متوسّط عمره من هذا العصر إلى عصرنا الحالي؟!

قَبِلَ المدافعون عن الدين معلومة امتداد عمر الإنسان عن المعدَّل الحالي في حقبة “نوح” بكثير من الترحاب، بينما لم يتقبّلوا أبداً وحتى عصرنا هذا ولو جملة واحدة من نظريَّة داروين، فهل يسيّرنا شعورنا بالراحة تجاه التفسيرات والأحكام القديمة  على النص، عن إعمال العقل؟ والجرأة لطرح السؤال؟

لم تكتفِ قصَّة نوح بالانتشار فقط في كل الكتب السماويَّة، وإنما ذُكرت القصة في عديد من مخطوطات وآثار الحضارات القديمة، ككتاب “الكنز العظيم” عند الصابئة مثلا، وهم إلى الآن يحيون ذكرى موت الغارقين بالطوفان في مناسبة “أبو الهريس″، بينما القصّة كلها رمزيَّة عند البهائيّين ولكن هذا لا يمنع وجودها في ثقافتهم، بينما ظهر “زيوسودرا” في الحضارة السومريَّة معادلاً لشخصيَّة نوح وهو الرجل التقي الخدوم للإله، والذي قرَّر أن ينقذ خاصته وبعضاً من الحيوانات في سفينة عندما قرَّرت الآلهة إهلاك البشريَّة، وكذلك “أوتونبشتم” في الحضارة البابليَّة، وفي الأسطورة الفارسيَّة “أهرمن”، وغيرها الكثير. كل هذا قد يعني أنَّ هناك شيئا ما قد حدث فعلا، ولكن ما هو تحديدا؟  علينا أن نبحث.

نقطة أخرى علينا ملاحظتها هنا، أنَّ النص  القرآني ذاته لم يذكر أي شيء عن نزول الوحي على نوح عن طريق مَلَك أو عن طريق رسالة  ما أو ألواح، وإنما قال : “ فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ”، تماما كما قالها عن أمّ موسى: “ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ “، وكما قالها أيضاً عن النحل: “وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا”، ومن غير المتوقَّع أن يكون جبريل نزل على أمِّ موسى أو النحل، فهل يعني “الوحي” هنا شيئاً آخر؟ هل كانت صناعة السفينة فكرة عبقريَّة طرأت على عقل نفس إنسانيَّة صافية مفكِّرة؟ وهل خُلّدت ذكرى هذه النفس في الكتب السماويَّة والحضارات باعتبارها “نبيّاً”، أم باعتبارها “إنساناً” صنع أداة عظيمة للإنقاذ، كانت بداية لسلسلة من فنون الصناعات الخاصَّة بالإبحار طوّرت عقل البشرية، بعد فهمهِ لحالة المناخ وقرب تغيّرها؟

تميل النفس البشريَّة إلى أن تحوِّل القصَّة إلى أسطورة تحكيها الأجيال في الليالي الباردة لتثير تخيّلات الأطفال، ولكن مثل هذا الميل الفطري للراحة والأمان الذي نشعر بهِ عند تخيُّل البعيد الجميل غير المحتمل، لا يصلح لإجابة العقل عن أسئلته  أو تشكّكه الحتمي في النصوص الدينيَّة، فالأمور في الواقع لا تحدث هكذا كأسطورة علاء الدين والمصباح السحري، وإنّما للكون سننه وقوانينه، تعهَّد الله في النص القرآني ذاته، أنّها لا تتغيَّر ولا تتبدَّل، وفي اعتقادي أنَّ هذه القصص قد حدثت ضمن هذا السياق الكوني المنتظم الذي أراده الله، كما أن المتديِّن العاقل عليه أن يتعامل مع القصص القرآني بشيء من الاحترام لما يقدّمه الإله لعقل الإنسان، وأن يضع في اعتباره أنَّ الإله هو مصدر الدين ومصدر العلم أيضاً، وأن استكشاف الإنسان للعالم وبحثه المستمرّ عن الأدلَّة والبراهين هو إرادة الله وتكليفه للبشر، فلا يمكن أن يكون هناك تضارب، بين النص وتراكم المعرفة البشريَّة.

لا أدعو هنا لمقارنة النص بالعلم أو العكس وإنما إلى فتح الآفاق لكليهما، أن يسير كلاهما في طريقه دون الحكم على كذب هذا أو ذاك؛ فربما يحمل لنا المستقبل الكثير من الكشف العلمي عن كيفيَّة عيش الإنسان في العصور الماضية، وكيف طوَّر لغته وحياته وتغلَّب على مشكلاته وصنع الأدوات وأبدع الفنون، و ربما حمل لنا المستقبل أيضا فهماً أعمق لما تحمله رسائل النص إلينا، وربما أرشدنا كشف العلوم لفهم الدين بشكلٍ أفضل وليس هدمه، ربما يحدث هذا عندما نقرِّر نحن، تحرير النصوص من حكم ما لدينا من علم، وتحرير العلوم من فهم معيَّن للنص.

اخترنا لكم