المعرفة المنحازة

تقول القصة:

قال راهبٌ للسيِّد البوذا مرَّة: هل تنجو نفوس الأبرار من الموت؟ لم يَحِرْ البوذا جواباً، على عادته.

لكن الراهب ألحَّ؛ فكان كل يوم يكرِّر السؤال عينه وكان كل يوم يُجاب بالصمت، حتى نفدَ صبره. فهدَّدَ بالرحيل إذا لم يلقَ جواباً على هذا السؤال المصيري، إذ في سبيل ماذا يضحّي بكل شيء ليعيش في الدير إذا كانت نفوس الأبرار تفنى مع أجسامهم؟ إذ ذاك تكلَّم السيد البوذا، وقد أخذته الرأفة بالرجل، قال: إنَّ مثلك كمثل رجل يحتضر من جراء إصابته بسهمٍ مسموم. لقد جاء ذووه سريعاً بطبيبٍ لإسعافه، لكن الرجل رفضَ أن يُنزَع السهم من جسمه قبل أن يجاب على ثلاثة أسئلة حيويَّة: أولاً، هل كان الرجل الذي أصابه رجلاً أبيض أم أسود؟ ثانياً، هل كان طويلاً أم قصيراً؟ وثالثاً، هل كان من طائفة البراهمة أم من المنبوذين؟ فعَدَل الراهب عن الرحيل!”.

تطرح هذه القصَّة سؤالاً وجيهاً وقديماً عن قيمة المعرفة. هل هي لذاتها؟ أم لوظيفتها؟ وهل للمعرفة انحيازاتها، للسياق، للتجربة، للمنشود؟ ومتى تصبح المعرفة غير ذات صلة؟

بالعودة إلى قصَّة بوذا تصبح معرفة ما غير ذات صلة حين يكون لدى اللحظة إلحاحها المختلف. تحت هذا الإلحاح تفقد المعرفة حيادها وتنحاز إلى المطلوب والمنشود من فعل ونتيجة وغرض.

لكن موضوعيّاً، هل يمكن للمعرفة أن تكون محايدة تماما؟

يمكن القول إنَّ الأمر أقرب للمستحيل. تأتي هذه الاستحالة من الارتباط التامّ للمعرفة باللغة، إذ لا معرفة دون لغة من حيث أنَّ اللغة هي عمليَّة “ترميز” للظواهر والوقائع والأشياء لجعلها قابلة للتصوّر والتفكيك والتركيب والاستعمال. كما أن لا لغة دون حمولة.

وحمولة اللغة هي ما احتملته وتحتمله المفردة من الدلالات عبر تجارب استعمالها وسياق الاستعمال بالإضافة إلى مُراد الاستعمال الذي هو بطبيعته مرتبط بأهداف المستعمِل وغاياته، وقطعاً انحيازاته القيميَّة والعقائديَّة. ماذا يقول لنا  كل ذلك؟

يقول لنا ذلك إنَّ المعرفة المتوالدة من الفعل والتفاعل الإنساني مع الظواهر والأحداث والأشياء هي معرفة منحازة للتجربة والسياق والمنشود. وهذا ينطبق على المعرفة كمحتوى وعلى المعرفة كأدوات.

بذلك، يصبح التعويل الكامل على تجديد الأدوات المعرفيَّة ناهيك عن استعارتها من سياقات ثقافيَّة أخرى رهاناً مبالغاً فيه، ونحن نقارب إشكاليَّات بنيويَّة وعضويَّة في المجتمعات مثل التخلُّف الإنتاجي، الجهل، الاستبداد والفقر المرتبطة باللغة وحمولتها الثقافيَّة.

وآمل ألا ينصرف الذهن الى مسألة تبيئة العلوم أو أسلمتها؛ لأن ذلك ليس هو المقصود قطعا، ربما العكس هو المتضمّن!

المقصود هنا هو الالتفات إلى الحدود التي تفرضها اللغة وحمولتها الثقافيَّة المتغيّرة على العلوم والمعارف خصوصاً العلوم الإنسانيَّة، بينما تتَّسِع هذه الحدود كثيراً مع العلوم الطبيعيَّة. لسببٍ بسيط هو أنَّ العلوم الطبيعيَّة تنتج حمولة امبريقيَّة ثابتة بثبات خواص المادَّة والطبيعة، رغم أن هذا الصنف من المعارف، أيضاً، لا يسلم من تحكّم النظريات المعتمدة وسطوة المؤسّسات الفكريَّة وتوجّهاتها المعرفيَّة والثقافية، والمطَّلِع على مكابدات شباب العلماء والتاريخ الإنساني للعلوم يدرك ذلك، غير أنه ليس مجال الحديث هنا.

لذلك فإنَّ الترويج الواسع للعلوم الإنسانيَّة الحديثة على أنها المفتاح السحري لفهم وحلّ الإشكاليَّات الثقافيَّة والمأزق الحضاري الذي يكبِّل المنطقة العربيَّة هو ضرب من التهويل لا يخلو من استسهال واستعجال يائس.

انشغل بهذا الترويج العديد من المفكّرين المعروفين في المنطقة، وانخرطت فيه مؤسَّسات أكاديميَّة كثيرة ضخَّمت من دور العلوم الإنسانيَّة الحديثة وحياديَّة أدواتها في تطوير الاقتصاد والفنون والعلوم ونهضة المجتمعات.

يمكن أن نطرح سؤالا الآن. ماذا يجب إذن أن نفعل حيال هذا المأزق والعلوم الإنسانيَّة وأدواتها قد أثبتت جدوى كبيرة في تطوير الأداء الحضري في الثقافات المتعدّدة حول العالم، خصوصا في الغرب؟ هل نكتفي بما يكتبه عنا العلماء من أبناء اللغات المنتجة للعلوم الإنسانيَّة الحديثة وأدواتها؟ أم نتعلَّم نحن تلك اللغات ونستخدم تلك الأدوات ( دون ترجمة) بلغتها الأصل فنحافظ على لذاعتها ودقتّها من الذوبان في فرن الحمولة الثقافيَّة المتأخِّرة للغة العربيَّة الراهنة، على الأقل لغرض الفهم المعافى من التورّط بالمشكلة؟

أم نفرغ المفردة العربيَّة من حمولة الثقافة التي نريد عبورها إلى ثقافةٍ أكثر حيويَّة وصلة بالعصر وإمكانات المستقبل؟ كيف السبيل إلى ذلك؟ هل يمكن للعلوم الطبيعيَّة، أن تعين في تحرير أدوات العلوم الإنسانيَّة من علل الثقافة وتمنحها الحدَّة والدقَّة والانتظام المطلوبة؟ وكيف يمكن للطبيعة الاشتقاقيَّة للغة العربيَّة أن تخرجنا من هذا المأزق؟

أم نذعن لالتباس الأداة وحدودها وقصورها؛ كونها ليست سوى انعكاس لالتباس الموضوع وحدود فهمنا وقصوره؟

***

يحاول هذا العدد من مجلَّة ” التنويري”، انسجاماً مع غايات تأسيس الرابطة العربيَّة للتربويّين التنويريّين، أن يستكشف الدور والأثر الوظيفي لأحد أكثر المعارف الإنسانيَّة سياقيَّة وتحوّلاً وتأويليَّة.

يطرح العدد أسئلة اللحظة، غير المتحرّرة من الانحيازات، على العلوم الإنسانيَّة. وتشي الأسئلة نفسها بمعركة مفترضة بين العلوم الإنسانيَّة والعلوم الطبيعيَّة، ومفاضلة بين الأثر التشغيلي لكلا الصنفين من العلوم. ويتقصَّى العدد عقبات الثقافة والمعتقدات الدينيَّة أمام الأدوات التشريحيَّة للعلوم الإنسانيَّة متسائلاً عن ما يمكن أن تقدّمهُ العلوم الإنسانيَّة بلايقينيتها من دعم إلى المعركة ضدّ التعصُّب والتطرُّف. في إشارةٍ واضحة إلى إلحاح اللحظة الراهنة في المنطقة العربيَّة.

فهل تغرقنا العلوم الإنسانيَّة في شباكها الزئبقيَّة؟ أم لعلها تعيننا في صراعنا الوجودي، بنسبيتها وقصورها، على الأقل على العبور خطوة واحدة من ضيق الأحاديَّة الى رحابة التعدُّد والتنوّع!

 

اخترنا لكم