الدور التربوي والتعليمي لمؤسّسات المجتمع المدني؛ الواقع والمأمول

الإمام محمد عبده، علي باشا مبارك، رفاعة الطهطاوي، طه حسين، الشيخ الشعراوي، وغيرهم من الأعلام الكثير. كل هؤلاء بدأوا تعليمهم بإحدى مؤسّسات المجتمع المدني وهي (كُتّاب القرية) أو ما يساوي اليوم المدرسة المجتمعيَّة. لم تكن هذه الكتاتيب ملتزمة بمنهج معيّن أو تابعة لحكومة الدولة، بل كانت مؤسّسات يعمل بها أفراد قلائل – كمدرسة الفصل الواحد اليوم – وتضطلع بالتعليم الأساسي (أو ما يعرف بالنسبة للكبار بـ “محو الأمية”) وتسليح الفرد بالمهارات الأساسيَّة –من قراءة وكتابة وحساب – ليجابه الحياة. وبالرغم من كونها عشوائيَّة وغير مدروسة المناهج، إلا أنّ هذه الكتاتيب أثبتت جدارتها، ففي الوقت الذي كان التعليم النظامي فيه شديد الندرة مرتفع الكلفة بالنسبة لشعوبنا الفقيرة، فقد كان خريجو الكتاتيب قادرين على مجابهة الحياة في وقتها؛ حتى إن المقتدرين منهم كانوا يكملون تعليمهم في الأزهر أو أحد المدارس النظامية، بل ومنهم من كان يكمل حتى التعليم العالي ومن بعده الدكتوراه من جامعات الغرب المتقدِّم حينها.

وفي عصر المعلومات اليوم، أصبحت المهارات الأساسيَّة لمجابهة الحياة أكثر بكثير، لا ثابتة لكن متغيِّرة وفي تزايد. فلم يعد مجرد معرفة القراءة والكتابة والحساب وحتى التعليم المهني اليوم هو فقط ما يحتاجه المرء ليصبح إنسانًا متعلمًا غير جاهل؛ لأن تلك المهارات ليست سوى أدوات للتعلم وليست غاية في حدّ ذاتها. بل أصبح التعلّم ومحو الأميّة هو اكتساب أدوات التعلّم والمهارات المتجدِّدة التي فرضتها التقنيات الحديثة لمواكبة سوق العمل المتغيِّر. وهذا يتطلّب تعاونًا تامًّا بين المنظّمات المجتمعيَّة والأفراد من جهة والوزارات والجهات المختصَّة من جهةٍ أخرى لتطوير التعليم في وطننا العربي. ومن البديهي أن يكون أوّل ما نلجأ إليه بعد حكوماتنا هو المجتمع المدني، فالمجتمع المدني ممثّلًا في النقابات والأحزاب السياسيَّة والجمعيّات الأهليّة وأولياء الأمور هو الشعب نفسه ممثَّل في هيئات مختلفة.

وعندما اشتدَّت حاجتنا إلى هذه المنظّمات المجتمعيَّة وجدناها قد تدهور حالها، ولا تستطيع القيام بالدور المرجو منها في خلق تعليم مواكب للعصر مراع لتطوراته، وكذلك توعية المجتمع ونشر الثقافة بين العامَّة. زد على ذلك ندرة المدارس غير النظاميَّة، ليصبح الطريق الوحيد للتعليم هو التعليم النظامي. وفي الوقت الذي يتحدَّث فيه العالم عن متطلّبات سوق العمل من مهارات تواصل ومهارات عرض وغيرها، لا تزال نظم تعليمنا النظاميَّة تتعثَّر في حجر التلقين التي تبدو وكأنها ماكثة عنده إلى الأبد. ومع تدهور نظم التعليم أصبحنا في حاجة إلى مشاركة المنظّمات المجتمعيَّة أكثر من أيّ وقتٍ مضى ليخطو تعليمنا خطوات نحو الأمام.

فالمجتمع المدني اليوم غائب بشكلٍ شبه كامل عن ساحة التعليم في الوطن العربي ويقتصر دوره فقط على بعض المساهمات المحمودة ولكنها لا تكفي بحالٍ من الأحوال؛ ويمكن أن نُرجِعَ ذلك لعدّة أسباب بعضها ناشئ من المنظّمات المجتمعيَّة، والبعض من الحكومات، وأخرى ترجع لثقافاتنا المجتمعيَّة. بالنسبة للمنظّمات فمشكلاتها هي:

  • عدم استناد المنظّمات المجتمعيَّة على التخطيط والرؤية المستقبليَّة.
  • عدم وجود قاعدة بيانات واضحة عن منظّمات المجتمع المدني في وطننا العربي (أعدادها وأنشطتها).

وبالنسبة للمؤسّسات الحكوميَّة فمشكلتها تكمن في مركزيَّة التعليم الشديدة، التي تعيق عمل المنظّمات المجتمعيَّة وتحيل دون وجود شراكة حقيقيَّة بين الإدارة التعليميَّة والمنظّمات المجتمعيَّة، فمؤسّسات المجتمع لا تزال بعيدة عن صناعة القرار وصياغة الاستراتيجيّات التعليميّة، ولا تتمتَّع بأي صلاحيَّة للتطوير والتحسين.

أما بالنسبة لثقافة الأفراد المجتمعيَّة، فمن أسباب غياب الدور المجتمعي:

  • اهتمام المواطن بالشؤون الخاصَّة وعدم الوعي بالشؤون العامَّة أو محاولة إصلاحها في حالة الوعي بها.
  • عدم وعي المواطن بما يمكن أن يقدّمه لنشر الوعي والمساهمة في تنمية التعليم.
  • غياب فلسفة العمل التطوعي – خاصَّة في التعليم – عند مجتمعاتنا العربيَّة(1).
  • ارتباط مفهوم العمل الخيري والتطوعي بمساعدة الفقراء والمحتاجين.

فمن الضروري في الوقت الراهن أن نتحوّل من فكرة كون التعليم مسؤوليّة حكوميّة إلى كونه قضيَّة قوميَّة تحتاج إلى دعم ومساندة كافَّة قطاعات المجتمع. فالنقابات والأحزاب السياسيَّة والجمعيات الأهليَّة والتجمّعات التي لها دور في التعليم من مجالس أمناء وآباء وأولياء أمور بل وحتى الأفراد يجب أن يشاركوا في عمليَّة التعليم والتربية للأجيال الناشئة. والمشاركة المجتمعيّة في التعليم كما تُعرّفها الأمم المتّحدة هي ” العمليات التي توحِّد بين جهود الأهالي والسلطات الحكوميَّة لتحسين الأحوال الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة تحقيقًا لتكامل هذه المجتمعات ومساعدتها الكاملة في التعليم القومي.”(2) فيجب أن يكون هناك تبنٍّ من مؤسّسات المجتمع المدني للتنمية الثقافيَّة والمهنيَّة للأفراد وهذه هي أبسط صور المساعدة.

ولكيلا نجانب الإنصاف فعلينا أن نذكر للمنظّمات المدنيَّة ما تقوم به من مساهمات في وقتنا الحالي. من هذه المشاركات التي نراها كثيرًا لكن لا نرى لها آثارًا جذريَّة- والتي إذا تم تفعيلها يمكن أن تسير بنا نحو تعليم أفضل- مشاركة مجالس الأمناء والآباء وكذلك أولياء الأمور في تعديل مسارات المدارس. ومن المشاركات الفعّالة التي تقوم بها المنظّمات الأهليّة في مجتمعنا العربي رعاية ذوي الاحتياجات الخاصَّة والمساهمة في إنشاء المدراس المجتمعيَّة، ودعم التكنولوجيا، ودعم الصلة بين المدرسة والمجتمع. كل هذه أدوار محمودة لكننا أيضًا في مسيس الحاجة لمعاونة منظّماتنا المجتمعيّة عامّة في أعمال عدّة نلخصها فيما يلي:

  • توعية النشء؛ فهي من أصلح الطرق لإعدادهم، فالشباب يحتاج إلى توعية ومجهودات تربويَّة لا يمكن للمدارس أن تقوم بها.
  • العمل على إعداد المواطنين لتحقيق أهداف المجتمع ذاته، فيتم تحديد الأهداف وتنظيم الجهود المختلفة لكي يسير المجتمع في ركب التطوير والتقدّم.
  • التنمية الثقافيَّة والمهنيَّة المستمرّة للأفراد باعتبارها أساس التنمية الشاملة. فكما نجد للنقابات والأحزاب أندية ووسائل ترفيه، يجب أن يكون للنقابات مكتبات ودورات تنمويَّة وحلقات توعية بتكاليف رمزيَّة.
  • إنشاء قاعدة لبيانات الجمعيّات الأهليَّة تبين لكل جمعيَّة: (عنوانها – أنشطتها –مشروعاتها – مجالات عملها – اهتماماتها – المستفيدين من أنشطتها – مصادر تمويلها – عدد المتطوّعين والمتطوّعات بالجمعيَّة – عدد أعضائها – هيكلها المالي والإداري – والمشروعات التي تقوم بها)، وإنشاء قاعدة بيانات أخرى عن الجهات المانحة وإمكاناتها وما يمكن أن تقدّمه من منح عينيَّة أو ماديَّة.
  • تفعيل دور مجالس الآباء والأمناء وإشراكهم في صناعة القرار والاستفادة من خبراتهم وإمكانيّاتهم.

اخترنا لكم