الدور التربوي والتعليمي لمؤسّسات المجتمع المدني في المنطقة العربيَّة

 

تعتبر التربية والتعليم إحدى المؤشِّرات الأساسيَّة المكوّنة للتنمية البشريَّة، وعاملًا مهمًّا في العمليّة التعلّميّة، وقد كان للمجتمع المدنيّ دور رئيس في النهوض  بهذا القطاع الحسَّاس؛ عبر خلق مناهج تربويَّة تعليميَّة مبنيّة على رؤية واضحة وخلق آليات تواصل بينه وبين الوزارة المعنيَّة بالتعليم المدرسيّ في المنطقة العربيَّة.

فما مفهوم المجتمع المدني إذن؟ وما الدور الذي تؤدّيه مؤسّساته للرفع من مستوى التعليم المدرسيّ  في العالم العربي؟  وهل يمكن جعله شريكًا فاعلًا في بناء البيئة العلميَّة في المنطقة العربيَّة؟

هذه الأسئلة وغيرها سأحاول الإجابة عنها  من خلال:

  • تعريف المجتمع المدني، تشكيلاته وحدوده

يعرَّف المجتمع المدني في الفكر الشرقي المعاصر على أنه: “مجموعة المؤسَّسات والفعاليات والأنشطة التي تحتلُّ مركزًا وسيطا بين العائلة، باعتبارها الوحدة الأساسيَّة التي ينهض عليها البنيان الاجتماعي والنظام القيمي في المجتمع من ناحية، والدولة ومؤسّساتها وأجهزتها ذات الصِبغة الرسميَّة من ناحيةٍ أخرى”.  وهو يمثِّل نمطًا من التنظيم الاجتماعي والسياسي والثقافي، خارجًا عن سلطة الدولة، حيث تمثِّل هذه التنظيمات في مختلف مستوياتها وسائط تعبير ومعارضة بالنسبة إلى المجتمع تجاه السلطة؛ فهو إذن مجمل البنى والتنظيمات والمؤسّسات التي تمثِّل مرتكز الحياة الرمزيَّة والاجتماعيَّة والسياسيّة والاقتصاديّة التي لا تخضع مباشرة لهيمنة السلطة.[1]

وهو يتجسَّد في مؤسَّسات تطوعيَّة اجتماعيَّة واقتصاديَّة وثقافيَّة وحقوقيَّة متعدِّدة تشكِّلُ في مجموعها القاعدة الأساسيَّة التي ترتكز عليها مشروعيَّة الدولة من جهة، ووسيلة محاسبتها إذا استدعى الأمر ذلك من جهةٍ أخرى، ويتميَّز بالاستقلاليَّة والتنظيم التلقائي وروح المبادرة الفرديَّة والجماعيَّة، والعمل التطوعي، والحماسة من أجل خدمة المصلحة العامَّة، والدفاع عن حقوق الفئات الضعيفة، ورغم أنه يعلي من شأن الفرد إلا أنه ليس مجتمع الفرديَّة بل على العكس هو مجتمع التضامن عبر شبكة واسعة من المؤسَّسات التي تسهر على  تنظيم وتفعيل مشاركة الناس في تقرير مصائرهم ومواجهة السياسات التي تؤثِّر في معيشتهم وتزيد من إفقارهم، وتقوم بنشر ثقافة خلق المبادرة الذاتيَّة، وثقافة بناء المؤسَّسات، وثقافة الإعلاء من شأن المواطن، والتأكيد على إرادة المواطنين في الفعل التاريخي وجذبهم إلى المساهمة بفعاليَّة في تحقيق التحولات الكبرى للمجتمعات حتى لا تُترَك حكرًا على النُخَب الحاكمة.[2]

كما تسهم مؤسّساته في تثقيف أفراد المجتمع من خلال تنظيم وعقد المؤتمرات وورشات العمل والندوات في مواضيع مدنيَّة واجتماعيَّة وثقافيَّة متنوّعة.[3]

  • الدور التربوي والتعليمي لمؤسّسات المجتمع المدني في المنطقة العربيَّة( مصر وفلسطين أنموذجا)

يؤدّي المجتمع المدني بصفة خاصَّة دورًا مهمًّا في تنمية المجال التعليمي في المنطقة العربيَّة؛ ففي مصر مثلًا تدهور نظام التعليم الرسمي منذ مطلع القرن الواحد والعشرين فتمّ إنشاء العديد من الجمعيات، والمبادرات، التي تقدِّم تعليمًا “موازيًا” ليس بهدف إصلاح قواعد النظام القائم أو تغييرها؛ إنّما لتقديم تعليم “أفضل”  حيث تتبنَّى طرائق تدريس تركّزُ على الطفل، وتجتمع حول ما يسمى بأساليب “التعليم البديل” كالتعليم من خلال الفن، ومونتيسوري، والتعليم الموجَّه ذاتيًّا، والتنمية الشخصيَّة، وورش عمل المهارات…، وغيرها، إلا أن تصنيف هذه المبادرات وتحليلها أمر صعب نظرًا لحداثتها، وتناثرها، وقيامها على مشاركات شخصيَّة من مؤسِّسي هذه الجمعيَّات، كما أنها تتَّخذ أشكالًا تنظيميَّة مختلفة كالمنظّمات غير الحكوميَّة، وشركات ريادة الأعمال، والمبادرات، ومجموعات التواصل الاجتماعي الحقيقيَّة والافتراضيّة، وتطرح درجات مختلفة من التعاون مع نظام التعليم الرسمي، فبينما يقدم بعضها أنشطة تعليميَّة موازية للنظام المدرسي الرسمي في شكل ورشات عمل أو دورات تأتي بعد الدوام المدرسي، يهدف بعضها الآخر إلى العمل كبديل عن المدارس التقليديَّة، وبما أن التعليم الرسمي مصمّم بطريقة تجعل من الصعب تفاديه، فإن المبادرات الموازية مجبرة على التعامل مع النظام المدرسي القائم بطريقة أو بأخرى؛ حيث يتم تسجيل الأطفال في المدارس الرسميَّة، ويشارك آباؤهم في إنشاء مدارس مجتمعيّة أو مدارس خاصَّة أو في بعض الحالات مدارس دوليَّة.[4]

وفي فلسطين، ساهمت مجموعة من منظّمات المجتمع المدني غير الحكوميَّة، مثل الجمعيات الخيريَّة، والمؤسَّسات الأكاديميّة، والاتّحادات، والنقابات، في العمليَّة التنمويّة التعليميّة على الصعيدين الرسمي وغير الرسمي، حيث اتّسع مفهوم التنمية البشريَّة ليشمل جميع الأنشطة التعليميّة غير الرسميّة كالأنشطة الثقافيّة، والاجتماعيّة، والتي تشتمل على تعليم الكبار، والتدريب، والمخيّمات الصيفيَّة، إذ كان يقتصر في السابق على الوضع الاقتصادي للفرد ومعدَّل دخله، والإنفاق على التعليم دون الاهتمام بمدى انعكاس ذلك على رفاهيَّة البشر.

لقد جاءت منظّمات المجتمع المدني الفلسطيني التي تهتمّ بقضايا التعليم كتجاوبٍ طبيعي وضروري لبعض المعطيات والحاجات في المجتمع الفلسطيني، وأهمّ هذه الحاجات هي حاجة الناس إلى اكتساب وسائل تساعدهم على التعلّم والإنتاج، ومن أبرز هذه المنظّمات الفاعلة داخل المجتمع الفلسطيني مؤسَّسة تامر للتعليم المجتمعي، ومنتدى العلماء الصغار، وجامعة النجاح الوطنيَّة… وغيرها، حيث حكمت هذه المنظّمات فلسفة ورؤية تحدّد نشاطاتها وبرامجها، إذ تعدّدت الرؤية من طرح بدائل للتعليم في مختلف مناحي الحياة وإلى أكبر عددٍ ممكن من المواقع، ويعني التعلّم الربط بين اللغة والعمل الفكري، ضمن رؤية وسياق مشتركين، هذه الرؤية التي تبنّتها مؤسّسة تامر التعليميَّة، أما على صعيد جامعة النجاح الوطنيَّة فجاءت رؤيتها من خلال سعي الجامعة أن تكون محلّ احترام عالمي في موضوع جودة التعليم العالمي، ومركزًا رياديًا عالميًّا في البحث العلمي، وقاعدة فاعلة لخدمة المجتمع وقيادته بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة.[5]

تأسيسًا على ما سبق يظهر جليًّا وجوب الاستعانة بمؤسّسات المجتمع المدني في الرفع من مستوى التعليم المدرسي، فالتعليم ليس إلزامًا أن يكون مسؤوليّة الحكومة وحدها، بل لا بد من نقل  العديد من  الأدوار للقطاع التطوعي؛ بحيث يصبح هذا الأخير شريكًا فاعلًا للقطاع الحكومي في تقديم الخدمات  اللازمة في المجال التربوي التعليمي.

[1] – دور منظّمات المجتمع المدني في التنمية الاجتماعيَّة: إعداد منظّمة هاريكار غير الحكوميّة، الإخراج الفني محمد أحمد برواري، مطبعة زانا – دهوك  -آذار – 2007م، ص12و13.

[2] – دور مؤسّسات المجتمع المدني في الدول العربيّة: محمد جمال مظلوم، ورقة مقدّمة للحلقة العلميّة الموسومة بـ: مؤسسات المجتمع المدني ودورها  في التوعية المرورية  خلال الفترة  من 25 – 29/05/1434ه، الموافق لـ 6-10/04/2013م، كلية التدريب، قسم البرامج التدريبيّة، (المملكة العربيّة السعوديّة – الرياض)، ص4و5.

[3] – الدور الرقابي لمؤسّسات المجتمع المدني وأثره في تنمية المجتمع في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، جمعيات النفع العام(دراسة حالة): إعداد جاسم إبراهيم حسن الحوسني، إشراف محمد القطاطشة، قدمت هذه الرسالة استكمالا لمتطلّبات الحصول على درجة الماجستير في العلوم السياسيّة – جامعة  الشرق الأوسط – كلية الآداب والعلوم، ص 51.

[4] –  دور المجتمع المدني في التعليم في مصر: نيرة عبد الرحمن ، مقالة مقدّمة  ضمن بحوث: المجتمع المدني وتشكيل السياسات العامّة استراتيجيّات من المغرب ومصر، (قامت بها مبادرة الإصلاح العربي)، تحرير محمد سلوم، ترجمة وائل سواح ، نشر مركز بحوث التنمية الدوليّة ، يوليو 2017م، ص 50.

[5] – دور منظّمات المجتمع المدني الفلسطيني في تعزيز التنمية البشريّة ( الضفّة الغربيّة كحالة دراسة):  إعداد سائد حامد نصر أبو عدوان،  إشراف:  نايف أبو خلف، قدّمت هذه الأطروحة استكمالا لمتطلّبات الحصول على درجة الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة، جامعة النجاح الوطنية كليّة الدراسات العليا (نابلس- فلسطين)، 2013م، ص 108 و109.

اخترنا لكم